كرت محروق واستوديوهات مغلقة... هل ينهي الحصار المالي إمبراطورية إعلام الإخوان؟

كرت محروق واستوديوهات مغلقة... هل ينهي الحصار المالي إمبراطورية إعلام الإخوان؟

كرت محروق واستوديوهات مغلقة... هل ينهي الحصار المالي إمبراطورية إعلام الإخوان؟


03/11/2026

لم تكن اللحظة التي بيعت فيها مقار واستوديوهات قناة "الحوار" الإخوانية في العاصمة البريطانية لندن لشركة إعلامية مستقلة، أو اللحظة التي أُغلق فيها مكتب شبكة "رصد" في إسطنبول مجرد إجراءين إداريين في مسار التكيف المالي؛ بل شكّلا الإعلان الفعلي عن تصدع أضخم إمبراطورية إعلامية أقامها تنظيم الإخوان المسلمين خارج حدوده الوطنية على مدار العقد الماضي.

إعلام الجماعة بين التصفية والانكفاء

خلف الكواليس يقف إعلام الجماعة اليوم مشلول الحركة أمام خيارات التصفية أو الانكفاء، بعد أن أبلغت إدارات الفضائيات الكبرى الاستغناء عن زهاء 80% من المذيعين والمعدّين والفنيين والمصورين، مفسحة المجال لأكبر موجة تقشف وهيكلة تشهدها المنصات الموالية للتنظيم الدولي، وفق قناة "العربية".

يرسم المشهد الداخلي لفضائيات مثل "الشرق"، و"مكملين"، و"الحوار"، وشبكة "رصد"، إلى جانب ما شهدته قناتا "وطن" و"مسك"، صورة دقيقة لمعادلة التفكك التشغيلي. ففي قرارات حاسمة اتُّخذت للتأقلم مع عجز السيولة، أُبلغ العشرات من العاملين بإنهاء خدماتهم وصرف رواتبهم المتأخرة عن الأشهر الثلاثة الماضية، مع تعهدات مؤجلة لسداد مكافآت نهاية الخدمة خلال شهرين في حال توفر التمويل. 

وتقرر الإبقاء على عدد قليل من العاملين والمذيعين في القنوات الإخوانية، بالتوازي مع دفع تكاليف إيجار الأقمار الصناعية والترددات حتى نهاية العام الجاري كفرصة أخيرة؛ حيث يلوح خيار الإغلاق الشامل بنهاية كانون الأول (ديسمبر) المقبل وتحول النشاط كليّاً إلى الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي إذا لم تطرأ انفراجة مالية، بحسب ما أوردت شبكة "سكاي نيوز".

تعثر التمويل

هذا الشلل لم يأتِ وليد تصادف إداري، بل يعود في جوهره إلى تجفيف قنوات الدعم المالي التقليدية وتقاطع الأزمات الجيوسياسية. ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة ماهر فرغلي في تصريح صحفي أنّ تعثر التمويل يعود إلى توقف أحد أبرز الداعمين الماليين عن ضخ الأموال لهذه المنصات، ممّا أجبر إحدى القنوات الشهيرة على خفض رواتب طواقمها بنسبة 60%، في حين ذهبت منصات أخرى إلى تسريح 75% إلى 80% من كوادرها. 

وأشار فرغلي إلى أنّ تحولات جذرية طرأت على مصادر الدعم، بالتوازي مع انتقال إدارة ملفات الجماعة المالية إلى عناصر من "الجيل الثالث"، وتزامن ذلك مع تشديد إجراءات أوروبية وتوجهات صادرة عن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب لاستكمال إدراج الجماعة في قوائم الإرهاب، ممّا انعكس مباشرة على تدفقات الأموال وتسبب في اضطراب الهياكل الإعلامية.

اختلالات مالية متراكمة

وفي المقابل، يكشف الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة بمركز دراسات مصر الحرة أحمد عيد أنّ الأزمة الراهنة نتاج اختلالات مالية متراكمة تفاقمت مع حصار الشبكات الاستثمارية المرتبطة بالجماعة وتداعيات التصعيد الإقليمي الأخير والحرب مع إيران.

 وينبّه عيد إلى أنّ الشلل البنيوي امتدّ إلى البنية التشغيلية الكاملة، حيث أغلقت معظم المقار والمكاتب الخارجية، واتجهت المؤسسات نحو تصفية ما تبقى من فروعها، بينما بدأ المذيعون والموظفون المسرحون رحلة البحث عن فرص عمل بديلة داخل شركات تجارية وكيانات إدارية تابعة للجماعة في تركيا وبريطانيا وإيطاليا والبوسنة.

ولا تقف حدود الحصار المالي عند حدود الشرق الأوسط، إذ كشف الباحث السياسي الروماني ماتيا بوريسكو عن عجز تنظيم شرق أوروبا الذي كان يُراد له أن يكون طوق نجاة للتنظيم الدولي.

وأوضح بوريسكو أنّ الحصار المالي المفروض في الغرب دفع التشكيلات التنظيمية للجماعة إلى محاولة اتخاذ دول شرق أوروبا كـ "محطات عبور" لغسيل الأموال وإعادة تدوير التمويلات الموجهة للمنصات الإعلامية. غير أنّ التنسيق الأمني الأوروبي المكثف نجح في تفكيك تلك الخلايا المالية الناعمة، وهو ما تسبب بحسب بوريسكو في انفجار صراعات داخلية أمنية ومالية، وتفشي أزمات سيولة حادة أفضت إلى موجة استقالات وإقالات إجبارية عصفت بإدارات تلك المؤسسات.

القنوات الإخوانية كرت محروق

أمام هذا الأفق المسدود، تشير مصادر مطلعة لـ "حفريات" إلى أنّ قيادات التنظيم الدولي باتت تدرك على نحو يتزايد وضوحاً أنّ القنوات الإعلامية التقليدية للجماعة أصبحت "كرتاً محروقاً" ومكشوفة الأجندة أمام الرأي العام والجهات الرقابية الدولية، ممّا أفقر خطاباتها السياسية وأفقدها القدرة على التأثير.

 ومن هذا المنطلق، يسعى القائمون على الملف الإعلامي في الوقت الراهن إلى البحث عن ملاذات جديدة لمؤسساتهم الإعلامية في دول آسيوية، محاولين تأسيس منصات مستحدثة أو البدء عبر قنوات رقمية تجدد الخطاب وتتنصل من الإرث الإيديولوجي الفاقد للمصداقية. 

وتعتمد الخطة الجديدة على محاولة الاستناد إلى التبرعات وحملات الإعلانات المدفوعة، عبر استقطاب خبراء متخصصين في قطاع التسويق الرقمي وتوليد العائدات الإعلانية، لعل ذلك يمنح الخطاب الإخواني متنفساً جديداً بعد أن تهاوت قلاعه الإعلامية الكبرى في أوروبا والشرق الأوسط.

ويطرح الصمت الإجباري الذي يخيم على أروقة الفضائيات الإخوانية وإخلاء استوديوهاتها الشهيرة تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الجماعة على استعادة أدوات تأثيرها الإعلامي؛ فهل يشكل الهروب نحو المنصات الرقمية والملاذات الآسيوية بداية مرحلة جديدة من التحور التنظيمي والإعلامي لجماعة الإخوان، أم أنّ تجفيف المنظومة المالية وحصار الشبكات الموازية قطعا شريان الحياة عن آخر أدوات التأثير السياسي التي راهن عليها التنظيم لسنوات طويلة؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية