هل يكون شرق المتوسط ساحة حرب بين أثينا وأنقرة؟

هل يكون شرق المتوسط ساحة حرب بين أثينا وأنقرة؟

مشاهدة

13/08/2020

يتواصل التوتر بين اليونان وتركيا، حيث تمتلك كلتا الدولتين سفناً حربية في شرق البحر المتوسط، بعد أن أرسلت تركيا سفينة للبحث عن الطاقة في منطقة تقول اليونان إنها تابعة لها.

وأعلنت أنقرة، الاثنين الماضي، أنّ سفينتها البحثية "عروج ريس"، وسفينتي دعم، ستعمل في البحر المتوسط بين قبرص واليونان حتى 23 الجاري. ووصلت السفينة إلى المنطقة صباح الاثنين، برفقة سفن حربية تركية، وفق وكالة (ا ب).

وانتقدت اليونان القرار ووصفته بالعمل غير قانوني، وينتهك حقوقها السيادية، قائلة إنّ سفينة الأبحاث التركية كانت داخل منطقة يغطيها الجرف القاري اليوناني.

أردوغان، الذي دخل في "حروبه المجنونة" في عدد من دول المنطقة، فتح باباً سوف يتهدم عليه، لا سيما بعد إعلان اتفاقه مع روسيا، لوقف إطلاق النار، والتهدئة في ليبيا

وقال مسؤولون إنّ سفناً حربية يونانية كانت في المنطقة، وتراقب السفينة التركية، وأنّ الجيش في حالة تأهب.

كانت العلاقات بين اليونان وتركيا متوترة، وهما على خلاف منذ عقود حول مجموعة متنوعة من القضايا.

ووصلت الدولتان إلى شفا حرب 3 مرات منذ منتصف السبعينيات، وأدت اكتشافات حديثة للغاز الطبيعي وخطط التنقيب عبر شرق البحر المتوسط إلى تجدد التوتر.

وإلى ذلك، يحفل التاريخ السياسي بين تركيا واليونان بالعديد من محطات الخلاف والصراع، الممتدة منذ قرابة القرنين؛ فمنذ حصلت الأخيرة على استقلالها عن الخلافة العثمانية، عام 1832، خاض البلدان أربع حروب، بين عامَي 1897 و1919، بينما شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تغييرات إقليمية ودولية جمّة، نجم عنها هدوء نسبي في العلاقة بين الطرفين، خاصة بعد انضمامهما إلى حلف شمال الأطلسي، خمسينيات القرن الماضي.

عبء التاريخ وجدل السياسة

بيد أنّ التناقض والتنافس بينهما ظلّ يبرز حالة الخفوت، أو الصعود، في منسوب التوتر، وذلك على خلفية الملفات الحساسة القائمة بينهما، والمتمثلة في الخلاف حول جزيرة قبرص، والنزاع على مصادر الطاقة والثروات المعدنية، الموجودة في بحر إيجة وحتى سواحل قبرص، إضافة إلى وجود بعض عناصر المعارضة مؤخراً في أثينا.

وكما أنّ السياسة لا تعكس وضعاً ثابتاً في العلاقات بين الدول، إنّما تؤسس لمصالح معقدة ومتغيرة تبعاً للتحولات المستمرة في الجغرافيا السياسية، والأهداف الإستراتيجية والإقليمية؛ إذ يجري على أساسها تبادل الأدوار بين اللاعبيين السياسيين، فلذلك تبدو الدولة الواقعة على الأطراف الجنوبية للاتحاد الأوروبي، في مواجهة متجددة، سياسية وإعلامية وميدانية، أمام التجاوزات المتواصلة لأنقرة، بسبب التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

اقرأ أيضاً: تصاعد التوتر بين اليونان وتركيا... كيف سيتصرف الاتحاد الأوروبي؟

كما أنّ تركيا لا تكفّ عن دعايتها السلبية من خلال أجهزتها الإعلامية والأيديولوجية ضدّ الاتحاد الأوروبي واليونان، للتغطية على انتهاكها للمنطقة البحرية الخالصة لقبرص، والتعمية عن أطماعها في مصادر الطاقة، وأبرزها الاستعانة بورقة اللاجئين.

الخلاف الذي تجدد أول من أمس بين تركيا واليونان، انتقل من حرب التصريحات إلى الحشد العسكري؛ حيث أعلن الجيش اليوناني، أواخر الشهر الماضي، دخول قواته في حالة تأهّب قصوى، بعد أن صرحت أنقرة، رسمياً، بقيامها بعملية تنقيب وبحث، جنوب جزيرة كاستيلوريزو وشرقها، المتواجدة بالقرب من سواحل تركيا، شرق المتوسط، كما رصد الجيش اليوناني نشاطاً غير عادي في قاعدة "أكساز" البحرية التركية، وتحرّك نحو 15 من البوارج البحرية العسكرية من قاعدتها العسكرية، الأمر الذي واجهته البحرية في أثينا بتعزيز قواتها ورفع درجة الحذر، إضافة إلى قطع قائد الجيش اليوناني رحلته إلى قبرص.

أثنيا وردع أنقرة

ومن جانبها، نشرت البحرية اليونانية بوارج عسكرية في بحر إيجه، لمواجهة ما وصفته بـ "السلوك العدواني" لأنقرة في شرق المتوسط، ومواجهة الأنشطة التركية المتزايدة لاستكشاف النفط، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس" عن مصدر رسمي في البحرية اليونانية (لم تفصح عن هويته)، مضيفاً: "الوحدات البحرية تمّ نشرها في جنوب وجنوب شرق بحر إيجة؛ حيث إنّ البحرية لديها استعدادات كثيرة لمواجهة الأنشطة التركية التي تقوم بالتنقيب منذ أشهر عن مصادر للطاقة قرب جزر يونانية".

الصحفي التونسي باسل ترجمان المتخصص في الشأن التركي لـ"حفريات": الوضع التركي في المنطقة أضحى صعباً جداً، جراء انفلات الوضع السياسي من بين أصابع رجب طيب أردوغان

وقبل أسبوع من تلك التطورات، قال رئيس أركان الجيش اليوناني، كونستانتينوس فلوروس؛ إنّ "تركيا تمثّل تهديداً لليونان ودول أخرى، وأصبحت تزعزع الاستقرار في المنطقة".

وعبر موقع وزارة الخارجية اليونانية، أوضح وزير الخارجية اليوناني، نيكوس دندياس، أنّ اليونان تحمي أمنها بواسطة تعزيز تحالفاتها في المنطقة الأوسع من البحر المتوسط إلى الخليج، إضافة إلى تعميق علاقتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، كما كشف أنّ مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يقف على مسافة واحدة ومتطابقة مع أثينا باتجاه رفضه "العدوان المستمر" من جانب تركيا، وقد دان الاتحاد الأوروبي في موقف جماعي "الاستفزازات التركية"، بحسب وصفه.

وأردف وزير الخارجية اليوناني: "الدفاع عن سيادتنا وحقوقنا السيادية غير قابل للتفاوض؛ لأنّ الأمر يتعلق بواجبنا الدستوري، وفي هذه الحالة، لدى اليونان درعها من القانون الدولي، فضلاً عن تحالفات قوية، وقوة رادعة ودعم تام من الشركاء".

اقرأ أيضاً: ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان يقطع طريق القرصنة التركية

كما أنّ برلين طالبت، عدة مرات، أنقرة بالتوقف عن التنقيب في شرق المتوسط، وقد صرّح وزير الخارجية الألماني، هيكو ماس، بأنّه "إذا أرادت تركيا تحقيق تقدم في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، فعليها التوقف عن هذه النشاطات"؛ حيث تبعث التوتر في المنطقة، وتؤدي إلى تدهور العلاقات مع اليونان.

قبل السقوط

وفي أعقاب التطور الأخير بين أثينا وأنقرة؛ كشفت وسائل إعلام ألمانية، أنّ المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أوقفت حرباً بين البلدين، كادت أن تقع، بعد أن بلغ التوتر بينهما درجة غير مسبوقة، حسبما ذكرت صحيفة "بيلد"، في برلين؛ إذ أفادت بأنّ "ميركل بذلت جهوداً دبلوماسية حالت دون وقوع الحرب بين البلدين، في اللحظة الأخيرة، عندما كاد جيشا البلدَين يفتحان النار على بعضهما"، وأوضحت أنّ "الصراع بين الدولتين كاد ينشب قرب جزيرة كاستيلوريزو، عقب إعلان أنقرة نيتها إجراء عمليات تنقيب قرب الجزيرة اليونانية القريبة من سواحل تركيا".

اقرأ أيضاً: اتفاقية مصر واليونان... هل تقطع الطريق على أردوغان؟

وإلى ذلك، يرى الصحفي التونسي، باسل ترجمان، المتخصص في الشأن التركي، أنّ الوضع التركي في المنطقة أضحى صعباً جداً، جراء انفلات الوضع السياسي من بين أصابع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان؛ إذ إنّه لم يعد قادراً على التحكم في إدرة الملفات التي تجاوزته، بينما تحوّلت إلى لعبة تقودها أطراف إقليمية ودولية أخرى، في الإقليم والعالم، تشاركه فيها.  

اقرأ أيضاً: مصر تحذر تركيا من انتهاك حقوقها في المتوسط ... ما علاقة اليونان؟

ويضيف لـ "حفريات": "التحرك اليوناني الأخير ضدّ أنقرة، والذي كاد أن يتحول إلى حرب وشيكة بينهما، يأتي على خلفية تصاعد الموقف الأوروبي ضد تركيا، وذلك إثر تمادي أردوغان في كسب العداءات بالمنطقة، ومواصلة الاستفزازات لكافة الأطراف، من خلال التنقيب عن الغاز والثروات في شرق المتوسط، والضغط بورقة اللاجئين، وكذا تهديد أمن أوروبا والإقليم، بالتالي، فإنّ أيّ تحرّك لأثينا سيكون بدعم كامل من أوروبا والناتو؛ حيث أصبح أردوغان منبوذاً منهما، خاصة بعد شراء منظومة الصواريخ الروسية (إس 400)، وكسر منظومة التعاون العسكري التاريخي، الذي بدأ منذ عام 1945".

اقرأ أيضاً: كيف خرجت تركيا من مأزق اليونان؟ وما علاقة إسبانيا؟

كما أنّ أردوغان، الذي دخل في "حروبه المجنونة"، بحسب ترجمان، في عدد من دول المنطقة، قد فتح باباً سوف يتهدم عليه، لا سيما بعد إعلان اتفاقه مع روسيا، لوقف إطلاق النار، والتهدئة في ليبيا؛ حيث إنّ الإدارة الأمريكية التي وظفت أنقرة لحساب مصالحها، في عقود سابقة، من خلال توفير الحماية والدعم والتسليح، كما هو الحال، في فترة الحرب الباردة، وقد كانت خطّ الدفاع الأول لحساب واشنطن ضدّ الاتحاد السوفييتي، لن تسمح لشخص بحجم الرئيس التركي بأن يكسر تلك المعادلة.

الصفحة الرئيسية