ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان يقطع طريق القرصنة التركية

ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان يقطع طريق القرصنة التركية

مشاهدة

12/08/2020

تأتي القراءة الدقيقة للاتفاقية المصرية اليونانية، التي أبرمت في القاهرة، في السادس من  شهر آب (أغسطس) الجاري، في سياق الصراع في شرق المتوسط، والذي جرى عسكرته على خلفية مذكرة التفاهم التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الليبية، نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2019، وتضمنت اتفاقاً عسكرياً انخرط فيه أردوغان ميدانياً من خلال الدفع بقوات تركية، والزج بالميليشيا التابعة له، وآخر يتعلق بالشق الاقتصادي، يمنحه حق التنقيب عن مصادر الطاقة  في السواحل الليبية.

 

الاتفاقية تمنح القاهرة وأثينا القدرة على مجابهة التحركات التركية غير المشروعة في مياه المتوسط

عبر هذا السياق يمكن فهم تحرك القوات المسلحة المصرية لإجراء المناورة حسم 2020، واعتبار الرئيس المصري خط سرت والجفرة، خطاً أحمر بالنسبة لاعتبارات الأمن القومي المصري، واستيعاب ذلك من خلال مفهوم الردع الميداني، الذي يرتبط استراتيجياً بتحركات سياسية، تبلورت من خلال توقيع وزيري الخارجية المصري واليوناني، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المشتركة .

 الاتفاق المصري اليوناني وحدود المغامرة التركية بالمتوسط  

يتجلى الصراع التركي اليوناني في شرق المتوسط، في سياق مواجهة مخططات أنقرة، الرامية إلى التوسع في نطاق المياه البحرية المحيطة بها، والتنقيب بالقرب من جزيرة كريت اليونانية، الأمر الذي زاد من منسوب التوتر فيما بينهما، على نحو بلغ حد التلويح بالصراع الخشن.

تجاوز الاتفاق الذي أبرمه وزير الخارجية المصري، سامح شكري، مع نظيره اليوناني، نيكوس دندياس، تباين وجهات النظر فيما بين القاهرة وأثينا، حول بنود الاتفاق، وذلك بعد جولات متعددة من التفاوض خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يتيح للبلدين الاستغلال الأمثل لثرواتهما.

تكمن أهمية الاتفاقية، في ضوء الصراعات المتاخمة لسواحل المتوسط، وفي ظلّ تقدير تقرير هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، العام 2010، بوجود 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي في هذه المنطقة، وكذلك 1.7 مليار برميل من النفط، وعلى خلفية ذلك سارعت الدول المعنية وهي: قبرص، واليونان، ومصر، ولبنان، وإسرائيل؛ بإعادة النظر في مشاريع التنقيب.

اقرأ أيضاً: اتفاقية مصر واليونان... هل تقطع الطريق على أردوغان؟

 جاء رد الفعل التركي ليكشف مسار تلك الاتفاقية، التي أعقبت ترسيم الحدود فيما بين إيطاليا واليونان، ما وضع حواجز وموانع قانونية أمام الأطماع التركية في شرق المتوسط، فضلاً عن كون الاتفاقية تمنح القاهرة وأثينا القدرة على مجابهة التحركات التركية غير المشروعة في مياه المتوسط، وتفتح الطريق أمام آفاق جديدة للتعاون الإقليمي؛ لتعظيم الاستفادة من ثروات شرق المتوسط، في ظل عضويتهما في منتدى غاز شرق المتوسط.

 

قطع الاتفاق المصري اليوناني الطريق على اتفاقية أردوغان مع السراج من الناحية القانونية

وفي هذا السياق يرى سفير مصر السابق في تركيا، عبد الرحمن صلاح، أنّ توصل مصر واليونان لاتفاق ترسيم الحدود البحرية وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بين البلدين، "خطوة مهمة لتمكين الشعبين المصري واليوناني من الاستفادة الكاملة من الموارد الطبيعية المتاحة في مياه المتوسط، وتسهيل المشروعات المشتركة بينهما، لنقل وتسييل وتسويق الغاز الطبيعي بين دول منتدى شرق المتوسط المنتجة، وأسواق جنوب ووسط أوروبا المستهلكة للطاقة".

وأكد صلاح لــ"حفريات" أنّ هذا الاتفاق، توّج ما سبق للبلدين إعلانه بشأن اتفاق تركيا مع حكومة السراج في ليبيا، "كونه لا يستند إلى أيّ أسس قانونية أو جغرافية، ويتجاهل حقوق دول شرق المتوسط الأخرى، والتي رفضت كلها الاعتراف بهذا الاتفاق؛ الذي منح بمقتضاه السراج، الذي لا يملك قانونياً سلطة عقده، لأردوغان ما لا يستحق، متجاهلاً وجود جزر وأراضي تابعة لليونان وقبرص بين شواطئ ليبيا وتركيا".

كما أثبت الاتفاق المصري اليوناني، وفق صلاح، أيضاً فشل أردوغان، في فرض أمر واقع بالقوة على دول شرق المتوسط، التي اتفقت فيما بينها على تقاسم الموارد، وفقاً للقانون الدولي، ولن تصمت إزاء محاولات تركيا التحرش بها، بالتنقيب عن مصادر الطاقة داخل مناطقها الاقتصادية الخالصة، والتعرض لقطعها البحرية التي تحمي مقدراتها، أو تخضع لمحاولات الابتزاز التركية الأخرى، باستخدام اللاجئين أو جماعات الإسلام السياسي الإرهابية، التي تؤويها أنقرة على أراضيها؛ لزعزعة الاستقرار على ضفتي المتوسط.

اقرأ أيضاً: مفاتيح لفهم موقف مصر مما يجري في ليبيا

ويضيف صلاح أنّ "تركيا تحولت إلى قاطع طريق، يقوم بابتزاز الأطراف الأخرى في شرق المتوسط، ولعلها أدركت الآن عدم جدوى تلك السياسات، التي لن تجلب سوى مزيد من الخسائر لشعبها، ومزيد من العزلة الإقليمية والدولية لنظامها، ما يقتضي تراجع أردوغان عن العديد من الخطوات التي هدفت إلى زعزعة استقرار المنطقة".

سقوط التسويغ القانوني لاتفاق أنقرة والوفاق

قطع الاتفاق المصري اليوناني الطريق على اتفاقية أردوغان مع السراج من الناحية القانونية، وجعلها بلا معنى، وهو ما يتفق مع تقدير الدكتور أحمد قنديل، رئيس برنامج دراسات الطاقة، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والذي يرى، في حديثه لـ"حفريات" أنّ الاتفاقية المصرية اليونانية لترسيم الحدود البحرية، جاءت في ضوء وحدة المصالح والأهداف المشتركة، نتجت عن اتفاق أردوغان- السراج، والذي يمثل انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي، واتفاقية الأمم المتحدة للبحار؛ حيث هددت باستقطاع مساحات كبيرة من مياه اليونان الإقليمية، لصالح الأطماع التركية؛ ومن خلال ذلك سعت القاهرة إلى ترسيم حدودها البحرية مع اليونان، لنيل حق استكشاف الثروات الطبيعية في هذه المنطقة، الأمر الذي يعد مطلباً رئيسياً للشركات الدولية، للشروع في أعمال التنقيب عن مصادر الطاقة.

دينس: روسيا تدرك أنّ زيادة انتشار النفوذ التركي بالمنطقة قد يؤدي إلى تعقيد المشهد

وأضاف قنديل أنّ "تحرك مصر واليونان خلال الفترة المقبلة،  يعتمد على تجاهل مذكرة التفاهم التركية الليبية، باعتبارها باطلة، كونها تخالف اتفاق الصخيرات في البند الثامن من المادة الثامنة، والذي ينص على ضرورة عدم عقد أيّ اتفاقيات دون موافقة مجلس النواب، وبالتالي فهي اتفاقية غير شرعية". وتابع أنّه يمكن فهم الموقف العصبي من جانب أردوغان، "من خلال تواصل سعيه نحو عسكرة شرق المتوسط، بنقل الميليشيات والمرتزقة إلى ليبيا، فضلاً عن محاولاته المستمرة للتغلب على الأزمات الداخلية، في ظل انخفاض شعبيته في الداخل، بسبب دخول الجيش التركي في عدد من بؤر الصراع".

وعلى ضوء ذلك يرى قنديل أنّه من غير المتوقع أن يتوقف الصراع على تخوم مسرح أحداث شرق المتوسط، فــ"أردوغان لن يميل نحو التهدئة في المدى المنظور، كون تركيا تسعى حثيثاً نحو تعظيم أيّ احتمالات للاستفادة من ثروات المنطقة، وسط تناقضات المواقف الدولية والأوروبية، بيد أنّ تحرك القاهرة لإبرام الاتفاقيات، وإعلان الرئيس سرت والجفرة خطاً أحمر، استنفر المواقف الدولية للضغط على أردوغان، فضلاً عن إعلان أثينا عدم استبعاد أيّ اجراءات لمواجهة أطماعه".

الدور الروسي واحتمالات التفاهم أو المواجهة

يمكن القول إنّ موقف روسيا يعتمد استراتيجية المراقبة عن بعد لتطورات الصراع في المنطقة؛ قبل التدخل بشكل حاسم للحفاظ على مصالحها، وضمان استمرارية ضخ الغاز لدول أوروبا، مع التطلع إلى نصيب وافر من كعكة المتوسط، وفق رئيس المركز الدولي للتحليل السياسي والتنبؤ، دينيس كوركودينوف، الذي يقول إنّ وزارة الخارجية الروسية لم تبد بوضوح موقفها من الاتفاقية الموقعة بين القاهرة وأثينا، بشأن ترسيم الحدود البحرية، "إلّا إنّه يمكن استخلاص عدد من الاستنتاجات من السياق العام لاستراتيجية السياسة الخارجية لروسيا؛ إذ إنّ موسكو تولي اهتماماً متعاظماً لشرق البحر المتوسط، وفق سياسة تقوم على تعزيز نفوذها في المنطقة، كما تدرك جيداً حقيقة أنّ مطالبات أنقرة الإقليمية لليونان، تشكل تهديداً للأمن الإقليمي، على خلفية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية المبرمة ببن تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية، بيد أنّ اتفاق أثينا/ القاهرة، نسج شكوكاً حول جدوى الاتفاق التركي الليبي".

 

سفير مصر السابق في أنقرة: تركيا تحولت إلى قاطع طريق يبتز الأطراف الأخرى في شرق المتوسط

ويشير كوركودينوف في حديثه لــ"حفريات" إلى أنّ روسيا تدرك أنّ زيادة انتشار النفوذ التركي المنطقة، قد يؤدي إلى تعقيد عملية تطوير المكامن النفطية، فضلاً عن إغلاق طرق التجارة البحرية، "حيث لا تزال موسكو تطالب بمواقع مهمة في تلك المناطق، بينما الكرملين ليس مستعداً لمعارضة أنقرة علانية في نزاعها مع اليونان، خشية أن يضر ذلك بالتفاهمات الروسية التركية في سوريا"، مشدداً على أنّ "روسيا تتحرك حثيثاً لتوسيع دائرة مصالحها في شرق البحر المتوسط، لكن يبدو أنّ تحقيق ذلك يمر عبر تفاهمات مع أنقرة".

القاهرة على خط صناعة توازنات القوى

دخلت القاهرة بقوة على خط الأزمات المحتدمة في الشرق الأوسط، انطلاقاً مما تفرضه مقتضيات الأمن القومي العربي، لمواجهة التطلعات التركية، ما ملأ فراغاً كبيراً، ووضع حداً للتغول التركي، ومحاولات الهيمنة على ثروات الإقليم.

يشير اللواء السابق بالجيش المصري والمحلل السياسي، ممدوح عبدالمنعم، أنّ أزمة البحث والتنقيب عن الغاز في المتوسط، والتي استلزمت تقسيم الحدود البحرية، "ستكون سمة الأزمات خلال الزمن المنظور، ويجب الارتكاز عليها في تفسير الصراع داخل حدود الشرق الأوسط، سواء بين اللاعبين الإقليميين، أو القوى الدولية، وبينما تقل احتمالات نشوب صراعات خشنة، فإنّ فرص اندلاع المناوشات والتلويح بها ستظهر، بين الحين والآخر".

 ويقدر عبدالمنعم، في تصريحاته لــ"حفريات" أنّ تحركات تركيا لن تتجاوز حدود المناوشات والتلويح بها مع اليونان، وسيرتبط ذلك بمدى الضغط المصري على خط ترهونة-سرت، وربما يظهر ذلك من تناقض تصريحات المسؤولين الأتراك تجاه أثينا، والتي تتراوح بين التهديد بالتحرك الميداني، والدعوة إلى المفاوضات غير المشروطة.

اقرأ أيضاً: مصر تحذر تركيا من انتهاك حقوقها في المتوسط ... ما علاقة اليونان؟

ويضيف: "إنّ اليونان ستتحرك نحو التصعيد ضد تركيا من خلال الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، فضلاً عن تواصل التعاون مع القاهرة، ما سوف يوفر سيطرة كاملة على البحر أثناء عمليات البحث والتنقيب، فضلاً عن خطورة التعرض لمصالح الشركات الدولية العاملة، والدول الراعية والمالكة لتلك الشركات".

ويختتم عبد المنعم تقديره لتحرك الموقف الدولي، الذي يرى أنّه سيتأثر بما يمكن حصده من مكاسب؛ "فالموقف الأمريكي يجب النظر إليه باعتباره الضامن لما ستقدمه الدول الشرق أوسطية من تسهيلات؛ تمكنه من الفوز بجزء كبير من كعكة شرق المتوسط، ويشمل ذلك بالطبع الموقف الروسي الملامس للأحداث".

الصفحة الرئيسية