"حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

"حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
11332
عدد القراءات

2019-11-13

رغم محاولته تجاوز المحنة التي تعرّض لها، وما تزال آثار ندوبها تحفر في نفسه، إلا أنّ عمر (اسم مستعار)، وهو في العقد الثاني من عمره، الذي تمكّن من الهروب عبر وسطاء ومهرّبين، ما تزال تطارده المخاوف والهواجس، ويتبدى ذلك في نبرة حديثه القلق، خاصة في ظلّ الوضع المأزوم الذي تعيشه منطقته المحتلة، من قبل القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها في عفرين، شمال غرب سوريا.  ويشترك مع عمر، في القلق، كثيرون من أبناء سوريا، ممن يخضعون لسيطرة تلك العناصر، لا سيما أنّ باقي أفراد أسرته ما يزالون موجودين في إحدى القرى التابعة لمناطق سيطرة القوات التركية، بعد أن هجروا من منازلهم، وصادرها المستوطنون والمسلحون الغرباء، حسبما يذكر.
الأرض لغير أهلها
يقول عمر لـ "حفريات": "تعرّضت المنطقة التي سيطر عليها الجيش التركي، في شمال وشرق سوريا، إلى عوامل التغيير الديموغرافي الممنهج، بمساعدة الفصائل الموالية لهم، ووفق الأرقام التي تمّ توثيقها من نشطاء محليين؛ فإنّ 60% من قاطني قرية "شيخ الحديد" الحاليين، هم من المستوطنين وعوائل الفصائل المرتزقة.

يخشى الأكراد في مناطق سيطرة الأتراك وفصائلهم الحديث عبر الهواتف مع ذويهم عن أية وقائع تتصل بالأحداث في عفرين

بعد احتلال عفرين، فرض فصيل "شهداء سليمان شاه"، الموالي للجيش التركي، أو ما يعرف بـ "العمشات"، تبعاً لاسم قائده المعروف بـ "أبو عمشة"، نفسه على الناحية، حسبما يروي الشاب العشريني، بينما يقوم بانتهاكات يومية؛ كالخطف والسرقة وفرض الإتاوات على أصحاب الأراضي الزراعية، ومعاصر الزيتون، ناهيك عن تغيير أسماء بعض الساحات بأسماء تركية أو عربية، ومن بينها وضع اسم الرئيس التركي، مثلاً؛ باللغتين: العربية والتركية، على إحدى الساحات الرئيسة، في وسط المدينة، والتي كانت تعرف بساحة "السراي"، وكذلك وضع اسم إحدى المعارك التي نفّذها الجيش التركي؛ إذ جرى تغيير اسم ساحة "كاوا" (البطل الأسطوري لدى الأكراد) إلى "غصن الزيتون"، و"نيروز" (عيد رأس السنة الكردية) إلى "صلاح الدين".

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
تمكّن الشاب العشريني من الخروج من عفرين، بواسطة سماسرة ومهربين إلى الشهباء، حسبما يوضح لـ "حفريات"، وذلك بعد سيطرة فصيل العمشات على منطقته، والتي فيها نحو 18 قرية، تخضع جميعها لسيطرة الجيش التركي؛ حيث يتمركز في إحدى المدارس، فضلاً عن بعض النقاط الحدودية.
تعرّضت المنطقة التي سيطر عليها الجيش التركي إلى عوامل التغيير الديموغرافي الممنهج

نهب وسرقة الحجر والبشر
تقع ناحية شيخ الحديد، غرب عفرين، ويصل عدد المنازل فيها إلى نحو 1400 منزل، بحسب المصدر ذاته، بيد أنّ العائلات المالكة لها، والتي كانت تقطن فيها، لم يعد بمقدور أحد منها المكوث فيها، وذلك بعد سيطرة المسلحين عليها، وقد تعرّض هو نفسه للاعتقال مرتين، ودفع الفدية المطلوبة ليفرج عنه، حتى قرّر في المرة الثالثة، الهروب خوفاً من مصير مجهول يلاحقه، خاصة بعدما تمّ اختطاف أحد أقرانه، وظهر بعد شهر جثة، رغم أنّ أسرته دفعت الفدية المطلوبة.

محاولات التنكيل بالأكراد وسلب ونهب ثرواتهم وفرض الإتاوات عليهم تهدف لخلق فجوة اجتماعية ونفسية مع المستوطنين

كما يؤكّد، في شهادته التي سجّلها، وقوع حالات عديدة لسرقة أعضاء البشر، عقب قتلهم، أو أثناء اضطرارهم للعلاج في مستشفيات أنقرة، خاصة مستشفى "إفرين"؛ حيث تكرّرت لعدة حالات موثقة بين لاجئين سوريين، تعرضوا لأزمات صحية، أن عادوا بعدها جثة هامدة، ومن بينهم؛ رجل خمسيني أصيب بجلطة دماغية، وبعد وفاته حاولت الأسرة أن تتفقد جثمانه بمجرد وصوله، لكنّ عناصر الجيش التركي المرافق له رفضت إصرار العائلة على فحص الجثة.

وثمّة حالة أخرى، تمكّنت فيها عائلة المفقود من الكشف على الجثة؛ إذ اتّضح لها وجود جراحة ممتدة في الرأس، ومنطقتي الصدر والمعدة، دونما سبب طبي واضح ومباشر، يتّصل بالحالة المرضية التي تعرض لها.

اقرأ أيضاً: هل يفسد الأكراد التحالف التركي القطري الدافئ؟
وإلى ذلك، تشير الجمعية الدولية لمكافحة الاتّجار بالأعضاء، مقرّها إسطنبول، إلى أنّه ثمة أمور كثيرة تحدث بالتجاوز للإطار الشرعي والقانوني، من بينها عمليات زراعة الأعضاء، والتي تجري بطرق ملتوية، بينما تتصاعد وتيرتها يومياً، في ظلّ صمت حكومي تركي أشبه بالتواطؤ، بحسب وصفها.
ومن جهته، يكشف تقرير لمفوضية اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، والصادر قبل عامين، أنّ هناك ما يقرب من 17 ألف طفل، لاجئ سوري، اختفوا في ظروف غامضة، وثمة ترجيحات لدى البعض، بأن يكونوا قد تعرضوا لعمليات اختطاف، لجهة سرقة أعضائهم.
هناك ما يقرب من 17 ألف طفل لاجئ سوري اختفوا في ظروف غامضة

الخوف يرهن حياة الأكراد
في أثناء اللقاء بالشاب وتوثيق شهادته، كان يجري اتصالاً مع شقيقه الذي هرب من عفرين إلى مدينة تل رفعت، شمال حلب، والذي رفض التحدث مع أيّة جهة، أو وسيلة إعلامية، حول ما تعرّض له في عفرين، وتفاصيل ما يجري فيها، بينما تدخّل الوسيط المرافق، والذي بدوره ترجم بعض الجمل والعبارات الكردية؛ فأوضح أنّ الخوف الذي خلّفه الوجود التركي هائل، وسيكون ميراثاً من الصعب التحرّر منه، بسبب "المرتزقة"، بحسب وصفه، الذين يعملون لحساب الفصائل المحتلة، وبعضهم أقارب وذوو أهالي عفرين، لكنّهم تحت ضغط التعذيب والخطف، يحاولون النجاة بأنفسهم ويفعلون ذلك بشكل قسري، ورغماً عنهم.

اقرأ أيضاً: العملية التركية في سوريا: هل ارتكب حلفاء تركيا جرائم حرب ضد الأكراد؟
ويضيف الوسيط ( الذي فضّل عدم ذكر اسمه) لـ "حفريات": "يخشى الأكراد في مناطق سيطرة الأتراك وفصائلهم الحديث، عبر الهواتف وغيرها، مع ذويهم الموجودين في مناطق أخرى، خاصة فيما يتّصل بوقائع عن الأحداث في عفرين، وذلك بعدما جرت حوادث اختطاف واعتداء على العديد منهم، بتهمة "نشر الأكاذيب"، حيث تقوم القوات التركية والفصائل التابعة لها، بوضع أجهزة ترصد المكالمات، وكذا، محادثات تطبيقات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يضطرهم لعدم نقل ما يجري في الداخل".

الرصاص ثمن المقاومة!
يشير الصحفي الكردي، سردار درويش؛ إلى أنّ المخطط التركي  يبدو واضحاً، منذ اللحظة الأولى؛ إذ يسعى للتغيير الديموغرافي في عفرين، بصورة يمكن رصدها بدقة؛ حيث بدأت بجلب عوائل المسلحين إلى عفرين، وتهجير سكانها الأصليين، ثم إلحاقهم في منازل الأكراد المهجرين، ومن ثم نقل النازحين من حمص والغوطة، وغيرهما، إلى عفرين، وأخيراً، وهو ما يعدّ الأخطر؛ إصدار هويات عامة للمستوطنين، وسكان عفرين الأصليين، من الكرد والعرب، دون تمييز بين مقيم ونازح ولاجئ، وذلك بعد إغلاق مكاتب المهجرين، بهدف منح الشرعية للمسلحين والمستوطنين والفصائل، عبر تزوير الهويات الجديدة وتغييرها، لجهة توطينهم في منازل المدنيين الكرد.

ويضيف لـ "حفريات": "في قرية قرمتلق بعفرين، أجبر فصيل العمشات عشرات العائلات على هجرة منازلهم ومصادرتها منهم، بغية وضع عوائل من إدلب في منازلهم عوضاً عنهم، والأمر ذاته، تكرر في حوادث تكاد تكون متطابقة بتفاصيلها، في جنديريسة، شمال غرب حلب، بيد أنّ العائلات في قرية كوتانلي، والتي رفضت تسليم منازلها، اضطُّرت إلى مواجهة الرصاص الحي".

 

 

في حديث مسجل لـ "حفريات"، يوضح إبراهيم إبراهيم، الناطق باسم مجلس سوريا "مسد"؛ أنّ ما تقوم به تركيا في شمال وشرق سوريا، عبارة عن تغيير كامل وجذري، للبنية الثقافية والتربوية والتعليمية لتلك المنطقة التي تحتلها؛ إذ تنتشر سياسة "التتريك" العثماني، في المناهج التعليمية وفي المعاملات الإدارية، حيث قامت الحكومة التركية من خلال وسطائها المحليين، بإلغاء بطاقات الهوية والوثائق الثبويتية وإصدار غيرها.
وفي أثناء إعداد التحقيق، اطلعت "حفريات" على مجموعة من بطاقات الهوية، التي شرعت الحكومة التركية والفصائل الموالية في على إصدارها، في المناطق الخاضعة لسيطرتها، ومن بينها عفرين ودرع الفرات؛ إذ تتضمّن البطاقات الجديدة معلومات غير صحيحة أو دقيقة، بحسب نشطاء محليين؛ حيث إنّها تتعمّد تجاهل ما يتصل بمحل القيد الأصلي، وتدرج الجميع ضمن السكان المحليين، دون تمييز واضح بين الحالات الثلاث الموجودة، وهم: النازحون واللاجئون والسكان الأصليون.

في ظلّ الانفلات الأمني وإطلاق أنقرة يد الفصائل ظهرت جرائم كالخطف مقابل فدية بحسب تصريح المستشار الكردي مسعود فوزي لـ"حفريات"

وجرى في السابع عشر من شهر أيار (مايو) العام الحالي، إلغاء إدارة شؤون المهجرين، من قبل المجلس المحلي في عفرين، التابع لأنقرة، بحسب الناطق باسم مجلس سوريا، بيد أنّ القصة لا تقف عند هذا الحدّ؛ إنّما تتجاوزه إلى ما هو أعقد من ذلك، ويمسّ، بصورة مباشرة، محاولات بتر الصلات التي تربط السكان الأصليين بمناطقهم، في عفرين، أو تلك التي وقعت تحت الاحتلال التركي، كما تعدّ جزءاً من مشروع التوطين الجديد، الذي تسعى له أنقرة وأذرعها المتباينة، لجهة تغيير التركيبة السكانية وتصفية هوية أفرادها؛ إذ ليس ثمة تمييز في هذه البطاقات الجديدة بين السكان المحليين والمهجرين والنازحين، ويتمّ تسجيل الجميع باعتبارهم ضمن السكان الأصليين.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
وبحسب ما يظهر في بطاقات الهوية، التي حصلت "حفريات" على نسخة منها؛ فإنّ بطاقات الهوية الجديدة، التي جرى إصدارها مؤخراً، باللغتين: العربية والتركية، دونما سبب واضح لإضافة اللغة الأخيرة، تختلف عن تلك الهويات التي كان يحملها أهالي وسكان عفرين بالسابق، وكانت تشمل البيانات الأصلية عنهم؛ كالاسم الثلاثي ومكان الولادة؛ إذ جرى تغيير بعض البيانات، واستبدال بعضها الآخر ببيانات مختلفة، تحديداً، تبديل جهة القيد الأصلي، المعروفة في بطاقات الهوية السورية بـ "الأمانة"، أو "أمانة السجل المدني"، بمحل القيد الحالي، وتسجيله بحسب منطقة نزوحه، وتقييده بـ "الأمانة" الجديدة التي هاجر إليها، دون مراعاة لتوضيح منطقته الأصلية، ناهيك عن بطاقات أخرى، ليس فيها بيانات تتصل بمحل القيد أو الولادة من الأساس، وهو ما يعني فرض حالة التهجير القسري، وتجاهل القيد الأصلي للأفراد، وإلغاء هوياتهم الحقيقية.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
ويضيف إبراهيم: ثمّة حقد تاريخي من تركيا بميراثها العثماني للعديد من شعوب المنطقة، خاصة الكرد والعرب، وهذا واضح في مجريات الأحداث الجارية، والتي لا تختلف عمّا جرى منذ قرون، من خلال الجرائم التي ارتكبتها في ظلّ الإمبراطوية العثمانية، وبالتالي ليس ثمة جديد حول ما يقوم به أردوغان، والذي يعمد إلى إحياء الممارسات العثمانية بعدوانيتها.
بيد أنّ الآلية ربّما هي التي تغيرت، بحسب إبراهيم؛ إذ أصبح الشعب الكردي حقلاً لمفاهيمه الإبادية، وبدأت من تدمير قرى ومدن تركية ذات أغلبية كردية، واعتقال أهلها وقتلهم، وامتدّت الآن إلى شمال وشرق سوريا، خلال الحرب السورية؛ حيث تمارس الحصار العسكري، إضافة إلى القمع والإرهاب الفكري والأيديولوجي، عبر دعم مجموعات إسلامية جهادية راديكالية، باتجاه عفرين، ناهيك عن نهب الاقتصاد الوطني السوري، والأموال والممتلكات الخاصة، بواسطة عناصرها الميليشياوية المسلحة، في ظلّ غياب الدور الإقليمي والعالمي.

اقرأ أيضاً: الأكراد الأوروبيون ينتفضون ضدّ العدوان التركي
ومن بين أبرز عمليات مصادرة المنازل، استيلاء فصائل المعارضة السورية المسلحة، المدعومة من تركيا، على منزل عائلة المصور الصحفي، رودي سعيد، إبان العملية المعروفة بـ "نبع السلام"، في مدينة سري كانيه (رأس العين)، شمال وشرق سوريا، حسبما أعلن رودي سعيد، المصور في وكالة "رويترز"، عبر تغريدة على حسابه الخاص في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".
وأردف في تغريدته؛ أنّ الفصائل المتشددة تستولي على العديد من المنازل العائدة للكرد والعرب من الأهالي في المدينة.
وذكر سعيد في تغريدته: "استولت تركيا والفصائل المدعومة من قبلها على منزلي لأنني كردي القومية؛ حيث ترى أنقرة في كلّ شخص كردي خطراً عليها، في حين لم ترَ تركيا في وجود زعيم داعش والإرهاب بالقرب من حدودها أيّ خطر".

 

المنازل للمستوطنين!
وفي حديثها لـ "حفريات"، تؤكّد لامار (اسم مستعار)، في العقد الرابع من عمرها، أنّ فصيل العمشات يهدّد الأهالي الذين يرفضون الحصول على الهويات المستخرجة لهم من المجلس المحلي، والذي تشكّل بواسطة الجيش التركي، بدفع غرامات مالية، تصل إلى مئة ألف ليرة سورية (زهاء 195 دولاراً أمريكياً)، إضافة إلى السجن، وهو ما يجبرهم على الخضوع للمتغيرات، والحصول على الهوية الجديدة، بدلاً من تكبّدهم الغرامة المالية، أو الحبس.
وتسرد في شهادتها تفاصيل محاولة عودة بعض أقاربها إلى منزلهم، في قرية شيخ الحديد، بعد اضطرارهم الخروج منها، وتنقّلهم بين عدة مدن وقرى، في ظلّ الاحتلال التركي لعفرين؛ حيث تعرّضوا في رحلة العودة إلى جملة من العوائق، بدأت عند محاولة اجتيازهم الحواجز الأمنية لـ "المرتزقة"، بحسب وصفها، وتقصد الفصائل الموالية للجيش التركي؛ حيث كانت تطالبهم بدفع مبالغ مالية، قدرت بنحو 50 ألف ليرة سورية، حتى تمكّنوا من الوصول للقرية.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
بيد أنّه بمجرد وصولهم للحدود الإدارية للناحية، تصدّى فصيل العمشات لهم، وكانت معهم عائلات أخرى وصلت لتوّها؛ حيث سمحوا بدخولهم بشرط دفع مبلغ 50 ألف ليرة سورية أخرى، كما لم يتسنَّ للجميع الوصول لمنازلهم التي هجروها؛ حيث إنّ العديد من المنازل تحوّلت إلى عائلات للمستوطنين ومقار عسكرية وأمنية.
الأكراد في قاموس أردوغان.. أكبر من مجرد قوم
ويوثّق الناشط القانوني والحقوقي الكردي، بسام الأحمد، الانتهاكات في عفرين، وقد حدّد فصيل العمشات نسبة 25%، على المحاصيل الزراعية للأراضي التي يمتلكها السوريون الأكراد، في مناطق سيطرتهم، تكون مخصصة لفصيله العسكري، بينما نسبة 10%، يحصل عليها المجلس المحلي الخاضع، بصورة مباشرة، لسلطات الاحتلال التركي، وقواته العسكرية، إضافة إلى ضريبة من كلّ عائلة تبلغ قيمتها نحو 50 ألف ليرة سورية بعد نهاية الموسم.
ويؤكّد في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ محاولات التنكيل بالأكراد، وسلب ثرواتهم ونهبها، وفرض الإتاوات عليهم، بحسب وصفه، تدخل ضمن حيل عديدة، لجهة وضعهم في ظروف اقتصادية مأزومة وضغوط متباينة، بهدف خلق فجوة اجتماعية ونفسية مع المستوطنين، ما يدفع الكرد للهجرة، وتثبيت عمليات التغيير الديموغرافي؛ حيث يضطر الأهالي الذين لا يتمكنون من سداد تكاليف الزراعة، نتيجة فقدان نسبة 40% من الإنتاج، كضريبة مفروضة بشكل قسري عليهم، ناهيك عن مصاريف الإنتاج التي تتراوح بين 30 إلى 40%، إلى أن لا يبقى لهم سوى نسبة ضئيلة، لا تتجاوز 20% من الإنتاج، وهو ما لا يكفي مصاريف العيش في ظلّ الاحتلال.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
ومن جهته، يقول الباحث الكردي، المستشار مسعود فوزي، إنّ شرق الفرات جزء من الأراضي السورية، وقد تمّ احتلال هذه المنطقة من قبل الميليشيات التابعة للجيش التركي؛ حيث طردت المواطنين، وهجّرت مئات الآلاف منهم، فاستطاعت تركيا، بمشاركة فصائل الجيش الوطني الموالية لها، وأكثر عناصرها هم ممن كانوا مرتبطين بتنظيم داعش، والتحقوا بتلك القوى بعد التصدعات التي حصلت في صفوفهم، وهزيمتها على يد الكرد، السيطرة على عفرين، وبسط نفوذها الأمني، وسط انتهاكات جمّة قامت بها الفصائل من نهب وسلب وخطف، واستيلاء على ممتلكات المدنيين، الأمر الذي دفع الأكراد إلى مغادرة عفرين.

 

ويؤكد لـ "حفريات" أنّ "الجيش التركي، منذ سيطرته على المنطقة، سرعان ما ترك بعض فصائل الجيش الوطني تنهب وتعتقل، لإرهاب أهلها وتهجيرهم، إضافة إلى مصادرة تلك الفصائل ممتلكات المدنيين الذين لاذوا بالفرار، مع اقتراب المعارك من قراهم، وتحويل منازلهم الى مقرات عسكرية، وجعلها مستودعات لتخزين البضائع المسروقة والسلاح، أو مساكن لإيواء مقاتلي الفصائل وأسرهم".
وفي ظلّ الانفلات الأمني، وإطلاق أنقرة يد الفصائل، ظهرت جرائم عديدة، كالخطف مقابل فدية، بحسب المستشار الكردي؛ إذ يُختطف أحد المدنيين ميسوري الحال، ويُشترط لإطلاق سراحه، دفع مبلغ مالي يتراوح بين ألف و١٠ آلاف دولار أمريكي، بحسب الوضع المادي للشخص المخطوف؛ إذ تتركز عمليات الخطف على المدنيين الأكراد، وترتبط بالمعلومات المتوفرة عن ثرائهم وقدراتهم المالية، وليس بانتمائهم إلى الوحدات الكردية.
وبسؤاله عن وقائع التهجير والتوطين المستمرين في عفرين وتبعاتهما، يجيب فوزي: "يشكّل نقل المهجرين قسراً من الغوطة وحمص ودرعا إلى عفرين، خطة تركية تهدف إلى توطينهم بشكل دائم، الأمر الذي ساهم في تغيير التركيبة السكانية القومية، في عفرين، لصالح العرب والتركمان؛ حيث جرى تهجير أكثر من 200 ألف نسمة قسرياً، ودون أن يتمكنوا من العودة، بل وإسكان عشرات الآلاف الآخرين، من مهجّري الغوطة وغيرها، بدلاً منهم، في سياق سياسة تركية ممنهجة، تهدف لإحداث تغيير ديموغرافي عميق، وتخفيض نسبة الكرد إلى 35%، وهو الرقم الذي لطالما تحدث عنه أردوغان مراراً ويسعى لتحقيقه".

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الأمم المتحدة تحاول إنهاء الاقتتال في ليبيا.. ما هو رد أردوغان؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة وقف الاقتتال في ليبيا وإعادة طرفي النزاع إلى طاولة الحوار تستمر تركيا في إرسال المرتزقة والعتاد لميليشيات الوفاق في الغرب الليبي لتغذية الصراع؛ حيث أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ الحكومة التركية نقلت نحو الأراضي الليبية، دفعة جديدة تضم 400 مقاتل من الفصائل السورية الموالية لأنقرة، وبذلك ترتفع أعداد المرتزقة الذين وصلوا إلى الأراضي الليبية حتى الآن، إلى نحو 11,600 مرتزق من المقاتيلي في الفصائل السورية، في حين أنّ عدد المجندين الذي وصلوا المعسكرات التركية لتلقي التدريب بلغ نحو 2500 مجند.

 

 

وفي السياق ذاته، جرى توثيق مقتل 12 مقاتلاً من مرتزقة أردوغان خلال المعارك إلى جانب "حكومة الوفاق" ضد "الجيش الوطني الليبي"، ووفقاً لإحصائيات المرصد السوري، فقد بلغت حصيلة القتلى في صفوف الفصائل الموالية لتركيا جراء العمليات العسكرية في ليبيا، نحو 351 مقاتلاً بينهم 20 طفلاً دون سن الـ 18، كما أنّ من ضمن القتلى قادة مجموعات ضمن تلك الفصائل، وفق ما أورده المرصد على موقعه الإلكتروني.

الأمم المتحدة تعلن قبول كل من حكومة الوفاق والجيش الليبي استئناف مباحثات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية المرتبطة بها

بالمقابل، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، قبول كل من حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي استئناف مباحثات وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية المرتبطة بها بناءً على مسودة الاتفاق التي عرضتها البعثة على الطرفين خلال محادثات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في 23 شباط (فبراير) 2020.

وأكدت البعثة، في بيان نشر عبر وكالة "فرانس برس"، أنّ عودة الطرفين للحوار تمثل استجابة لرغبة ونداءات الأغلبية الساحقة من الليبيين الذين يتوقون للعودة للحياة الآمنة والكريمة بأسرع وقت ممكن.

وقال البيان: "تأمل البعثة أن ترافق استجابة الطرفين وقف الأعمال القتالية، والحد من التعبئة العامة وممارسة خطاب الكراهية بغية الوصول إلى حل يعيد للدولة مؤسساتها ومكانتها وللشعب ما يستحقه من استقرار ورفاه. كما تأمل البعثة أن تستجيب جميع الأطراف، الليبية والدولية، لرغبة الليبيين في إنهاء القتال وأن يمثل استئناف محادثات اللجنة العسكرية بداية لتهدئة على الأرض وهدنة إنسانية لإتاحة الفرصة أمام التوصل لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، ولتمكين السلطات المختصة من تركيز جهودها على مواجهة تداعيات وخطر جائحة كورونا (كوفيد-19)، علاوة على تسهيل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الملحّة من قبل الجهات المحلية والدولية".

 

 

وشدد البيان على ضرورة التزام الطرفين بتفويض ممثليهم في المفاوضات تفويضاً كاملاً يمكنهم من استكمال اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنجز جزء كبير منه في الجولتين السابقتين.

المرصد السوري: الحكومة التركية نقلت نحو الأراضي الليبية دفعة جديدة تضم 400 مقاتل من الفصائل السورية الموالية لأنقرة

وطالبت البعثة الدول الداعمة لطرفي النزاع بالتقيد باحترام ما اتفقت عليه ضمن مخرجات مؤتمر برلين، وقرارات مجلس الأمن المتعددة خاصة القرار 2510 (2020) وقرار حظر السلاح ووقف جميع أشكال الدعم العسكري بشكل نهائي.

وشكرت البعثة كل الدول التي عملت على إنجاح العودة للمفاوضات العسكرية، والمساعي الرامية لعودة المفاوضات السياسية لإنهاء النزاع في ليبيا، وتأمل أن يستمر هذا الدعم خلال فترة المباحثات القادمة لضمان نجاحها.

وقالت إنها تتطلع للبدء في الجولة الجديدة من المفاوضات عبر الاتصال المرئي نظراً لما يمليه الواقع الجديد، تأمل أن تسود المباحثات نفس الروح المهنية والجدية والمسؤولية التي ميزت الجولتين الأولى والثانية في جنيف.

ميدانياً، أكد الناطق باسم الجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، أنّ القوات الجوية توفر مظلّة فوق منطقة غريان إلى منطقة حوش الستين وبير الغنم باتجاه العزيزية لمنع تجمع الميليشيات.

 

 

وأضاف المسماري، خلال مؤتمر صحفي استثنائي عقده أمس بمدينة بنغازي، أنّ سيطرة الجيش على منطقة الأصابعة، غربي البلاد، سبقه شن سلسلة غارات جوية استهدفت الميليشيات للتمهيد للسيطرة على المدينة، مبيناً أنّ أهالي المنطقة رحبوا بدخول الجيش لها، وفق ما أوردت صحيفة "بوابة أفريقيا".

اقرأ أيضاً: تقارير يونانية: رصد قطع بحرية تركية قرب ليبيا

وتحدث المسماري عن معركة طرابلس قائلاً: إنّ المعركة الكبرى في طرابلس بدأت قبل العيد بيوم بعمليات عسكرية كبيرة تمثلت في إعادة التمركز على أنها هزيمة للجيش لكنها في الواقع مكّنت القوات المسلحة من التموضع في مناطق مهمة لتدمير الجماعات الإرهابية.

وأشار المسماري إلى أنّ السلاح الأول لقوات الوفاق المدعومة من تركيا هو الطائرات المسيرة التي أصبح الجيش يسقطها بسهولة حيث حاولوا الوصول لترهونة إلا أنّ منظومة الدفاع الجوي هناك قوية فتمكنت من إسقاطها وكذلك إحباط محاولة وصولهم للأصابعة.

اقرأ أيضاً: تمرد وعصيان بصفوف مرتزقة أردوغان في ليبيا.. وتجنيد للأطفال مقابل 3 آلاف دولار

وأردف الناكق باسم الجيش أنّ أغلب قادة الميليشيات الليبية والسورية تم القضاء عليها، موضحاً أنّ تجنيد مرتزقة أردوغان لليبيا ينقسم لثلاث فئات؛ الأولى جاءت بفتوى شرعية من الغرياني وأمثاله وتضم جبهة النصرة وبقايا تنظيم داعش وما إلى ذلك، أما الفئة الثانية فتتبع الجيش الوطني السوري الموالي لأردوغان حيث تم التنسيق مع قادة الفصائل المسلحة في سوريا لإرسال المرتزقة إلى ليبيا وأن يتم قطع المرتبات عنهم، أما الفئة الثالثة فهي فئة من المخيمات السورية في تركيا والذين يتم إرسالهم مقابل الغذاء.

 

 

وحذّر المسماري من أنّ نجاح أردوغان في معركة ليبيا سيؤدي إلى إرسال سوريين وليبيين إلى دول أخرى، منوهاً إلى أنّ الجيش لا يخوض حرباً ضد المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج وإنما بدأت معركته ضد الإرهاب منذ العام 2014، مشيراً إلى أنهم "جاؤوا بالسراج على رأس المجلس الرئاسي بليبيا لأنه شخصية هشة يمكنهم إدارتها بالريموت كونترول"، متسائلاً "هل هناك رئيس دولة عاقل يأتي بالغازي إلى أرضه؟".

وفي الرجوع الى التدخل التركي في ليبيا، تصاعدت التحذيرات الدولية من أن يؤدي تدخل أردوغان العسكري إلى تحويلها إلى "سوريا أخرى".

اقرأ أيضاً: قيادي إخواني منشق يكشف خطة التنظيم وأردوغان لاحتلال ليبيا

وأكدت مصادر إعلامية بريطانية لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية، أنّ الدعم الذي يقدمه نظام رجب طيب أردوغان لحكومة  طرابلس، لن يُكسبها الدعم الشعبي، أو يُمكنها من تحقيق أي تقدم على المسارين؛ العسكري أو السياسي.

وقالت المصادر، إنّ حكومة فايز السراج "التي لا تبدي اكتراثاً يُذكر بدماء الليبيين، فقدت مبررات وجودها حتى في نظر أنصارها"، وستظل موصومة بأنها "مفروضة من الخارج"، في إشارة إلى أنها انبثقت عن اتفاق الصخيرات الذي تم التوصل إليه في أواخر عام 2015 برعاية الأمم المتحدة، ولم تنجح منذ ذلك الحين في إقناع مواطنيها بقدرتها على تمثيلهم.

 

 

وفي تصريحات نشرتها الصحيفة، أشارت المصادر إلى أنّ على رأس أسباب فشل حكومة السراج في تحقيق هذا الهدف، إفساحها المجال لدولة، مثل تركيا، لانتهاك سيادة ليبيا، ونشر عسكريين على أراضيها، بل وجلب آلاف من المرتزقة من الخارج إلى هناك.

وأضافت أنّ حكومة الوفاق فتحت الباب أيضاً أمام تحول ليبيا إلى جزء من مخطط أردوغان لتوسيع نفوذ نظامه في منطقة الشرق الأوسط، في إطار محاولاته للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من موارد الطاقة في المنطقة شرق المتوسط.

اقرأ أيضاً: أطماع تركيا تتخطى ليبيا سعياً لاحتواء دول الساحل والصحراء

وأكد التقرير أنّ نظام أردوغان "سيظل يشكل في أغلب الأحوال حجر عثرة، على طريق أي جهود تستهدف إسدال الستار على الصراع الدموي الذي تشهده ليبيا"، مُشيراً إلى أنّ أي تسوية من شأنها إعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية، لن تصب في صالح تركيا "في ضوء أنّ ذلك سيقود إلى تقليص نفوذها على وكلائها المحليين هناك".

وشدد على أنّ الفارق بين تركيا والدول الأخرى المهتمة بالأزمة الليبية، يتمثل في أنّ أنقرة دخلت هذا البلد المطلّ على البحر المتوسط لـ "تبقى على الأرجح"، باعتبار أنّها تعتبر دعمها لحكومة السراج "أداة جيوسياسية، تستعين بها في سباقها المحموم على موارد الطاقة في شرق المتوسط".

للمشاركة:

إستراتيجيات اللوبي التركي في الدول العربية

2020-06-02

بعد أن غادرتها قبل قرن من الزمن أخذت تركيا بالعودة إلى المنطقة العربية بخطىً حثيثة منتهزة الفرصة لإحداث تأثير فعّال في العلاقات مع الدول العربية بوجه عام، والخليجية والمصرية بوجه خاص مستعينة بلوبي مؤسّسي يعمل بدأب لهذه الغايات، التي يرى البعض أنّها تتجاوز أهدافها المعلنة، حتى من قبل بعض الدول العربية ومنها مصر، اتهمت تركيا بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية؛ لأنّها تصرفت كما لو أنّ ما يحدث في كل بلد هو شأن تركي داخلي.
هيمنة القوة الناعمة
بهدف تعزيز النفوذ وتوسيع رقعة الانتشار، يعتمد اللوبي التركي على عدة محاور للعمل، أهمّها تلك التي تشرف عليها حكومة أنقرة ذاتها، أو الجمعيات الخاصة والمنظمات التي يتولاّها رجال أعمال مقربون من الدولة، أو تحت ستار مؤسسات خيرية؛ كالخدمة والتمويل، أو عبر أذرعها الإعلامية والفنية، التي مثّلت قوة ناعمة في الاتصالات الثقافية والاقتصادية، لإعادة خلق نسخة جديدة من الإمبراطورية العثمانية من شمال إفريقيا إلى الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى.
والأدوات ذات الطابع الرسمي، تقوم عليها شخصيات تنتمي إلى مستويات رسمية في الدولة، أو حركات ذات طابع فكري تعتمد على افتتاح الجمعيات الخيرية والمدارس كوسيلة لإنجاح جهودها، مثل مدرسة صلاح الدين، أو مجلة حراء، التي كان أول إصدار لها في العام 2005، وهي مجلة تركية تصدر باللغة العربية، وقامت بعقد عدد من الورش والندوات والمؤتمرات.

يعتمد اللوبي التركي على عدة محاور للعمل أهمّها تلك التي تشرف عليها حكومة أنقرة ذاتها

تعتبر "جمعية رجال أعمال تركيا والدول العربية" هي المثل على تلك الجمعيات التي يشرف عليها أردوغان للتغلغل إلى الدول العربية، وتهدف إلى إنشاء علاقات مع المؤسسات الاجتماعية والتجارية العربية والدخول فيها، وتعزيز علاقات الصداقة والتفاهم والشراكة المنشأة على المصالح المشتركة من وسائل الإعلام التجارية ورجال الأعمال والشركات التجارية على حد سواء في الدول العربية وتركيا، مع تطوير المعرفة الاجتماعية والتجارية بين الأعضاء، مع السعي إلى تبادل المعلومات والمعرفة في التعليم، والجوانب العلمية والتكنولوجية وغيرها.
وإضافة إلى هذه الذراع المهمة هناك العديد من المنظمات الأخرى المنوط بها غايات مشابهة كجمعية رجال الأعمال الأتراك "الموصياد".
كما استغلت تركيا الإعلام والفن كقوة ناعمة، نظراً لما له من دور فاعل وعميق في الترويج لأي سياسة أو نظام سياسي، واتّجهت إلى إنشاء عدد من المؤسسات والمكاتب في عدد من الدول العربية، ومنها قناة trt التركية التي تعبر عن الثقافة التركية في شتى المجالات، كالفن والعلم والسياسة ونقلها إلى العالم العربي، وقد تم افتتاحها ومكاتبها العاملة بالدول العربية بموجب قرار حكومة حزب العدالة والتنمية لتدعيم التواصل الثقافي بداية شهر نيسان (أبريل) 2010، وهي تابعة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في تركيا[1].

 

عقلية الراعي والرعية
وبعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، أعاد تأسيس العلاقات من جديد، وهذا ما عبّر عنه أحمد داوود أوغلو، حين قال: لعلّ الغالبية الساحقة من الكيانات العربية مالت عند تناول الحضور التركي في المنطقة إلى تقديم وصفات مكررة لوقائع الصراع بين العلمانية والإسلام في تركيا، لكننا نعيد تأسيس العلاقات العربية على أرضية عقلانية، بما يخدم المصالح المتبادلة بين الطرفين، وقضايا السلم الإقليمي [2].
ما يقوم به أردوغان في المنطقة العربية، وآخره زيارته للسودان، يخدم مشروعه الضخم القائم على إعادة الدولة العثمانية، وهذا ما عبّر عنه أكرم حجازي، بقوله "إنّ الموقف الثابت أنّ سؤال التاريخ لا يمكن أن ينفصل عن الواقع وسؤال المصير؛ إذ إنّ إسطنبول عاصمة العالم ما تزال حاضرة في الذهن التركي، يدرك أردوغان الآن أنّ إسقاط السلطة في تركيا على كافة أنحاء الشرق الأوسط هو أمر محفوف بتعقيدات محبطة، ولأجل ذلك قد تبذل تركيا قصارى جهدها لزيادة التجارة مع جيرانها في الشرق، لكن حجمها لا يزال بعيداً عن حجم تجارة تركيا الكبيرة مع أوروبا، والتي تغرق الآن في حالة ركود[3].

تعتبر منظمة تيكا إحدى المؤسسات التركية الناشطة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية لتحسين صورة تركيا

ويقول ربيع الحافظ: "يعتقد أردوغان، وأحمد داود أوغلو، أنّهما يمكن أن يشكّلا بنجاح نقاطاً في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويوفّرا معادلة ميدانية تجعل من توفير آلية تواصل إقليمية، مطلباً حتمياً؛ لأنّ تركيا ترى جوارها اليوم هم رعايا الدولة العثمانية لكن حاجتها إليهم يجعل ثمة صيغة تخدم هذه المصلحة، مما جعلها تفتح حدودها، وهي خطوة تفتح الرتق الاجتماعى للدوران"[4].
أحمد داوود أوغلو

البعد التجاري والاقتصادي
ثمة بُعد مهم في نشأة اللوبي التركي في المنطقة العربية، ومنها الخليج ومصر، وهو البعد الاقتصادي، فتجارة تركيا مع جيرانها المباشرين، زادت بشكل كبير، مما دفع لانخراط تركيا لمشاركة جيرانها، ودفع المجتمع المحلي للمساهمة في الانخراط مع السياسة الاقتصادية التركية في المنطقة، فساهمت مؤسسات تابعة للحكومة، وأخرى خاصة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التجارة الخارجية لتركيا، وفي التعاون مع الدول المجاورة.
يذكر كمال كيرشجي، الأستاذ في جامعة بوغازتش، أنّه في العام 2005، تم افتتاح سلسلة سوبر ماركت راموستور ميغرو الفرعية القابضة، التي تعود ملكيتها لرجل الأعمال التركي، كوتش، 54 فرعاً في الدول المجاورة، وأدارت ما يقل عن 22 محل سوبر ماركت، كما أنّ هناك استثمارات متزايدة في عدة دول عربية، منها مصر، التي استثمرت فيها تركيا في المنسوجات، وافتتحت المصانع التركية أفرعاً لها بمصر، كما أنّ بعض الشركات افتتحت فروعاً أخرى، مثل "أولكر" المتخصصة في قطاع الأغذية، وشركة "غاما" في قطاع التشييد، وبنك "يابي كريدي" الموجود في دول مجلس التعاون الخليجي[5].

جمعية رجال أعمال تركيا والدول العربية أبرز مؤسسات التغلغل التركي إلى الدول العربية

وأشار كيرشجي، إلى أنّ المجتمع المدني ساهم بمنظماته في الأنشطة والمشاريع التي قامت بها الدولة التركية، ومنها منظمة الصناعيين المستقلين، وجمعية رجال الأعمال (الموصياد)، ومجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، وجمعية المصدرين الأتراك، والاتحاد التركي للغرف (توب)، و"توسياد"، والاتحاد التركي لرجال الأعمال والصناعيين (توسكون).
وهدفت تركيا من قيام مؤسساتها من الانتقال إلى دول الجوار العربية، إلى صناعة أكبر قدر من التفاعل بين نخبة رجال الأعمال الأتراك والعرب، وعلى سبيل المثال عمل الاتحاد التركي للغرف (توب) بشكل وثيق جداً مع الحكومة، على تعزيز العلاقات التجارية[6].

جمعية رجال الأعمال الأتراك تحمل مفاهيم فكرية وسياسية ودينية تقوم بخدمتها

جمعية رجال الأعمال الأتراك

وهي جمعية وإن حملت الطابع التجاري والاقتصادي، إلا أنها تحمل مفاهيم فكرية وسياسية ودينية تقوم بخدمتها والدعاية لها عبر أنشطتها بالداخل والخارج، وتقدم دعماً لمؤسسات مدنية أخرى تسير في ركاب أهدافها.
الجمعية اليوم أكبر تجمع اقتصادي في تركيا، عدد أعضائها نحو 2650 شخصاً، يمثلون آلاف الشركات، ولها 28 فرعاً في تركيا، و30 مركز ارتباط حول العالم، ومنها عدة أفرع في الكويت وقطر.
والجمعية لها أهداف داخلية هي زيادة الفاعلية الاقتصادية الداخلية وتعزيز مكانة رجال الأعمال الأعضاء والشركات التركية في الاقتصاد العالمي، أما أهدافها الخارجية فهي نقل التجربة التركية إلى البلدان العربية والإسلامية، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلاد العربية والإسلامية وبين تركيا، وكان هذا هو الهدف الأساسي لمنتدى رجال الأعمال الدولي الذي أسسته الجمعية، لربط رجال الأعمال الأتراك بالعالم الإسلامي.

الموصياد، مهمتها إعطاء معلومات للحكومة التركية عن الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي

جمعية الموصياد

هي جمعية مهمتها الأساسية إعطاء معلومات للحكومة التركية حول الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي[7].
ويجتمع مسؤولو الجمعية مع المسؤولين العرب ووزراء الاقتصاد كي يجمعوا المعلومات حول المزايا التنافسية لكل بلد، والإعاقات التي تعوق التجارة البينية بين كل بلد وكيفية رفع حجم التجارة، فحكومة أردوغان تسمع للمجتمع المدني في تركيا وتستفيد من التقارير والأبحاث التي تعدها هذه المؤسسات [8].
ستار العمل الإنساني والخيري
اتخذت تركيا مؤسسات البعد الإنساني، كوسيلة للتمدد الإقليمي، والتأثير على منطقتها اقتصاديا وثقافياً، عن طريق "التأثير الواضح"، وبجعلها كنموذج يحتذى بها، وتعتبر منظمة "تيكا" التركية واحدة من تلك المؤسسات التركية الناشطة في مجال تقديم المساعدات الإنسانية، بهدف دعم مشروع الصعود التركي الإستراتيجي الإقليمي، وتحسين صورة تركيا في الكثير من البلدان، والتعريف بها في بلدان أخرى بعيدة وصغيرة، من الصعب تحديد موقعها على الخارطة.
تجاوزت قيمة مشاريع "تيكا" في العام 2012 مثلاً 3.5 مليار دولار، فيما قدمت مساعدات بنسبة 46% للبلدان الشرق أوسطية، و30% لبلدان إفريقية، و18% لبلدان آسيوية.

استغلت تركيا الإعلام والفن كقوة ناعمة للترويج لأي سياسة أو نظام

وهناك أمثلة أخرى على هذا اللوبي مثل "رئاسة الشؤون الدينية" و"الهلال الأحمر التركي" ومركز "يونس أمره" الثقافي و"رئاسة أتراك المهجر"، لكن الأهم تبقى مؤسسة "تيكا" الإنمائية التي تحمل العبء الأكبر في مشروع تركيا الاستراتيجي نحو الخارج.
تسير جمعية الدفاع عن المظلومين mazlum-d في نفس السياق، وهى جمعية ناشطة بحقوق الإنسان، منذ العام 1994 يتولاها مجموعة من المحامين[9].
أما عن "وقف الحاج عمر صابانجى" فهو وقف تابع لمجموعات صابانجي التجارية، وهو واحد من أضخم المؤسسات الوقفية الخيرية بتركيا.
وهذه المجموعة بالتعاون مع وزارة السياحة التركية تمول مهرجان "اضنا الدولى المسرحي"، وتقيم مسابقة للرقص الشرقي، وكذلك تدعم مهرجان أنقرة الموسيقي، ولها نشاطات متنوعة بالأخص في دول الخليج ومصر وسوريا.
وتقوم مؤسسة محمد الفاتح الخيرية، وكذلك جمعية ياردم "يد المساعدة"، بأداء الدور نفسه.
أما اتحاد المنظمات الإسلامية الأهلية في العالم الإسلامي، فهو اتحاد يقع مقره الرئيسي باستانبول، وهو مؤسسة لها وجود بدول مجلس التعاون، ويقيم مؤتمراته في عدد من الدول ومنها الكويت.

جمعية الموصياد مهمتها الأساسية إعطاء معلومات للحكومة التركية حول الميزات الاستثمارية في كل بلد عربي أو إسلامي

تعتبر مؤسسة الإغاثة والمساعدات الإنسانية التركية أهم جمعية في هذا اللوبي التركي، إذ تتعاون مع عدد من المنظمات العربية، وتتداخل مع اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية في لبنان، ومع الشيخة حصة بنت خليفة آل ثاني، والرئيس التنفيذي لجمعية قطر الخيرية، يوسف الكواري، الموضوع على قوائم الإرهاب العربية.
أما مركز العلاقات التركية، فهو مركز يعني بالتعاون مع بعض المنظمات الخيرية المنتشرة في العالم العربي، ويقوم مسؤولوه في عدة دول عربية باستقطاب الشباب بحجة التدريب المشترك على مراقبة الانتخابات، والعملية الديمقراطية.
ونظم هذا المركز مبادرة "أنا الحرة" بالتعاون والشراكة مع حركة "نساء ضد الانقلاب"، و"حركة التضامن المصري، رابعة"، وقاموا بوقفات احتجاجية في اسطنبول[10].

 

مؤسسات البعد الثقافي والفني
نظراً للتأثير الواضح للثقافة، والقوة الناعمة، فقد عني أردوغان بها، ومنها الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون، وهي جمعية أقامها نخبة من الأكاديميين والإعلاميين والمثقفين الأتراك والعرب، في مبادرة لربط شعوب وبلدان العالمين؛ التركي والعربي، وتتخذ من العاصمة التركية أنقرة مقرّاً رئيسياً لها، لكنها تقيم عدداً من أنشطتها على المستوين؛ السياسي والاقتصادي في عدد من العواصم العربية.
هذا بالإضافة إلى تعاون ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻷ‌ﺑﺤﺎﺙ ﻟﻠﺘﺎﺭﻳﺦ ﻭﺍﻟﻔﻨﻮﻥ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻣﻴﺔ (ﺍﺭﺳﻴﻜﺎ) مع عدد من المراكز العربية، ومنها ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﻛﻲ ﻓﻲ ﻋﻤﺎﻥ في القيام بأنشطة ثقافية داخل الدول العربية.

أكاديمية 12 شهر تستخدم كستار لتقديم دعوات لشباب عرب ترشحهم منظمات موالية لتنظيم الإخوان داخل مصر

أما أكاديمية 12 شهر التركية، فهي مؤسسة غير حكومية تستخدم كستار لتقديم دعوات للشباب في بعض الدول العربية، ومنها مصر، حيث يتم اختيارهم بعناية شديدة وترشحهم منظمات وجمعيات موالية لتنظيم الإخوان داخل مصر.
ويتم التعامل مع المؤسسة، وفق مراقبين، من خلال منسق داخل الدولة المستهدفة، بإرسال استمارات الدعوة لزيارة تركيا والحصول على التأشيرة داخل مطار إسطنبول دون تكلفة عناء ذهابهم للسفارة التركية بالقاهرة، وتجرى الاتصالات التليفونية به قبل السفر من طرف واحد، ويتراوح عدد وفد الشباب في كل دورة بإسطنبول وأنقرة بين 30 و40 شاباً، وتبدأ الدورة الأولى لمدة أسبوع، وفي حالة إبداء الشباب قدرة على التفاعل في الدورة التدريبية يتم دعوتهم لدورة أخرى متقدمة لمدة أسبوعين على نفقة المؤسسة التركية للدورتين.

الهوامش:
________________________________________
[1]دينا عبدالعزيز، التنافس التركي الإيرانى تجاه الترويج لنموذجهما السياسي في المنطقة العربية، مجلة رؤيا التركية، صيف 2013
[2] أحمد داوود أوغلو، العمق اإاستراتيجي، السياسة التركية في إطار العلاقات مع العالم العربي، الحياة اللندنية 8/9/2010
[3] أكرم حجازى، العلاقات العربية التركية، أسئلة التاريخ والمصير، المنار ص29، عدد إبريل، 2011
[4] ربيع عبد الحافظ، تركيا في مهمة ثقافية صعبة، مجلة رؤية، عدد يناير 2012
[5] كمال كيرشجي، تأثير تركيا الواضح وتحول منطقة الشرق الأوسط، رؤية التركية، شتاء 2012
[6] المصدر السابق، ص81
[7] ترك برس

[9]سعد عبدالمجيد، مؤسسات المجتمع المدني في تركيا، عدد أكتوبر 2009
[10]http://www.ahram.org.eg/NewsQ/340639.aspx

للمشاركة:

الإخوان المسلمون.. تواطؤ وتخوين للرأي الآخر

2020-06-01

واصلت منابر الإخوان المسلمين في مصر خطابات الكراهية ضد الجيش والدولة المصرية؛ ففي تعليقه على العملية الأخيرة للجيش المصري في سيناء ضد الإرهابيين، قال القيادي الإخواني هيثم أبو خليل "الداخلية بتعيد على أهالي سيناء عيدية خاصة، وتصفية وإعدام ميداني لـ 21 من المواطنين المصريين المختطفين والمختفين قسرياً"، وهو ما يعبر عن تصور مشين، وغير منطقي، يصر الإخوان على الترويج له باستمرار.

عاد الجناح الثاني للإخوان المسلمين في السودان بزعامة عادل إبراهيم إلى إطلاق التصريحات الموالية لميليشيات الوفاق

وفي سياق آخر، تداولت جماعة الإخوان، أخباراً تزعم أنّ وزارتي الداخلية والصحة ترفضان الكشف عن حقيقة ظهور حالات إصابة بفيروس كورونا في مراكز الاحتجاز الشرطية، مشيرة إلى أنّ منظمة "كوميتي فور جستس" الحقوقية، تمتلك معلومات عن أول حالتي وفاة مؤكدتين، نتيجة الاشتباه في إصابتهما بالفيروس في السجون المصرية.

ومن الجدير بالذكر أنّ "كوميتي فور جستس" ليست منظمة أمميّة، وإنّما جمعية مستقلة لحقوق الإنسان مقرها جنيف، ولا يعرف لها مصدر تمويل، وليس لديها أيّ مراسلين أو باحثين ميدانيين في مصر، بالإضافة إلى أنّ المدير التنفيذي للجمعية، هو أحمد مفرح، أحد أبرز أعضاء جماعة الإخوان المسلمين!

دعم ميليشيات الوفاق.. محاولة أخيرة للسيطرة على ليبيا

على الرغم من الدعم الخفي والمعلن لميليشيات الوفاق، من قِبل الأذرع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، كشف انسحاب الجيش الليبي التكتيكي من قاعدة الوطية اللثام عن أيديولوجيا خبيثة، من شأنها الإجهاز على مقدرات الدولة الوطنية بكل مؤسساتها، لصالح أجندة خارجية انتهازية، برعاية المحور التركي/ القطري.

اعتادت حركة مجتمع السلم منذ فترة الانحياز لسياسات أردوغان حتى لو تعارضت مع ثوابت الدولة الجزائرية

ففي مصر، أشادت جماعة الإخوان المسلمين بالتدخل العسكري التركي في ليبيا، واعترف موقع "إخوان أونلاين"، أنّ التدخل التركي نجح في تغيير المشهد على الساحة العسكرية، وإنقاذ حكومة الوفاق، ما أوقف تقدّم الجيش الليبي، مع سرد جملة من الادعاءات، بهدف الدعاية للجيش التركي، الذي نجح على حد زعم الإخوان، في تدمير 4 منظومات للدفاع الجوي تابعة للجيش الليبي، دون عرض مشاهد أو حتى بقايا لأثر هذه الهجمات التركية المزعومة، وقد تأكد أنّ الجيش الليبي الذي انسحب من الوطية، عاد بكامل معداته وعتاده العسكري دون أيّ خسائر.

اقرأ أيضاً: نائب بريطاني ينتقد تعيين الإخوانية توكل كرمان في فيسبوك.. هذا ما قاله

وفي تونس، فشل رئيس حركة النهضة الإخوانية، راشد الغنوشي، في تمالك انفعالاته بعد أحداث الوطية، وضرب عرض الحائط بالثوابت السياسية للدولة التونسية، حيث سارع رئيس مجلس النواب، يوم الثلاثاء الموافق 19 أيّار (مايو) الجاري، إلى تهنئة فايز السراج، باستعادة "الوطية"، معرباً عن ارتياحه لعودة القاعدة العسكرية القريبة من حدود تونس إلى "الشرعيّة"، على حد زعمه، وهو ما أثار نوبة من السخط في أوساط المعارضة المدنية في تونس، وتصاعدت حدة الاحتجاجات في مواجهة تحركات الغنوشي الخارجيّة، حيث أعلنت كتلة الدستوري الحر مواصلة الاعتصام بالبرلمان، مع الدخول في إضراب تدريجي عن الطعام، اعتراضاً على رفض مكتب البرلمان عقد جلسة استجواب للغنوشي.

هذا وقد حاول خليل البرعومي، المكلّف بالإعلام في حركة النهضة، تبرير ما أقدم عليه رئيس الحركة، زاعماً أنّ موقف النهضة من الأزمة في ليبيا، هو موقف الدولة التونسية، ومؤكداً أنّه من الطبيعي أن يتصل رئيس مجلس نواب الشعب، برئيس الحكومة "الشرعيّة" في ليبيا، في إطار دعم تونس لاستقرار ليبيا.

اقرأ أيضاً: تعرف إلى أشهر الشخصيات النسائية في تنظيم الإخوان المسلمين

جدير بالذكر أنّ الموقف الرسمي للدولة التونسية، والذي أعلنت عنه مؤسستا الرئاسة والجيش في أكثر من مناسبة، هو الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف، ما يعني أنّ حركة النهضة باتت تعمل لصالح أطراف أخرى، بعيداً عن الخط الرسمي للمؤسسات السيادية في الدولة.

ومن تركيا، شنّ مرتزقة أردوغان من الإخوان الهاربين، حملة مكثفة للضغط على مؤسسة الرئاسة التونسية؛ فتحت عنوان: "يُراد لتونس أن تناصر حفتر، وهي لن تفعل" وجّه حمزة زوبع رسالة إلى رئيس تونس، زجّ فيها ببعض الدول، زاعماً أنّ معارضي حركة النهضة، هم حفنة من العملاء، وهو ما يُمثّل إهانة للحركة المدنية التونسية، المصطفة في مواجهة مشروع التمكين، الذي ينال من سيادة بلدهم، الذي دفع ثمناً غالياً لنيل إرادته المستقلة، وكان الأولى بزوبع أن يتحدث عن الجهة التي تستخدمه، وعن الخيانة التي يدفعها مقابلاً.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: أوهام ومناورات وعنصرية ضد المرأة.. هذه آخر أزماتهم

وفي السودان، عاد الجناح الثاني للإخوان المسلمين، بزعامة عادل إبراهيم، إلى إطلاق التصريحات الموالية لمليشيات الوفاق، واصفاً المشير خليفة حفتر بـ "مجرم الحرب".

وفي الجزائر، اعتبر المكتب التنفيذي لحركة مجتمع السلم (حمس)، الذراع السياسي للإخوان المسلمين، المنعقد يوم 18 أيّار (مايو) الجاري، أنّ ما يحدث في ليبيا له تأثير كبير على مصالح الجزائر، وأنّ الاندحار والهزائم الكبرى للجيش الليبي، المدعوم، على حدّ زعم البيان، خارج إطار القانون الدولي، من قوى خارجية وصفها بالانقلابية، هي بشائر خير يجب دعمها ومساندتها، وهو ما يعني أيضاً تجاهل سياسة الحياد التي تنتهجها الجزائر، ومحاولة توريطها في صراع خارجي، لصالح مشروع سياسي تركي / قطري، يسعى إلى تمكين الإخوان في المنطقة، للسيطرة عليها بالوكالة.

يحاول الناشط الإخواني في مجال التعليم شكيب بن مخلوف تدشين نموذج تعليمي يحمل منهج الجماعة وتسويقه في المنطقة العربية

جدير بالذكر أنّ حركة مجتمع السلم اعتادت منذ فترة، الانحياز لسياسات أردوغان، حتى لو تعارضت مع ثوابت الدولة الجزائرية، وهو ما تجلى بوضوح إبان الأزمة التي فجرها أردوغان في كانون الثاني (يناير) الماضي، حين أعلن أنّه طلب من الرئيس الجزائري وثائق تثبت عدد ضحايا الاستعمار الفرنسي من الجزائريين، وهو ما ردّ عليه رئيس وزراء الجزائر آنذاك، أحمد أويحيى، قائلاً؛ "نقول لأصدقائنا الأتراك لا تتاجروا بنا"، ما أثار امتعاض عبد الرزاق مقري، رئيس "حمس"، والذي تضامن مع الموقف التركي، وأعلن صراحة ضرورة الدفاع عن تجربة حزب العدالة والتنمية.

الإخوان يرفضون المعارضة.. ولا يقبلون النقد

في تونس، واصلت حركة النهضة الإخوانية صراعها السياسي مع المعارضة، واصفة كل من ينتقدها بالخيانة والعمالة، مع الدفاع المستميت عن تحركات الغنوشي المريبة؛ فتساءل القيادي بالنهضة، عامر العريض: "ما مصلحة تونس في حملة تقودها دول ومنظمات خارجية معروفة بعدائها للثورة التونسية وبدورها المشبوه.. أليس من العار الانخراط في حملة تشويه خارجية؟"، وقال عماد الخميري؛ "هناك دعوة مشبوهة تستهدف مؤسسات الدولة لجر البلاد إلى الفوضى"، بينما أكد  نور الدين البحيري، رئيس شورى النهضة أنّ المستهدف ليس راشد الغنوشي، وإنّما مجلس نواب الشعب، والتجربة الديمقراطية، كما قال القيادى بالنهضة رفيق عبد السلام: "من يتصور أنّ تونس لقمة سائغة، سيختطفها عبر الانقلابات وبث الفوضى، وعبر تحريك الأذرع السياسية والإعلامية، في الداخل والخارج فهو واهم". ما يعني وضع الحركات والأحزاب السياسية بين اختيارين: إمّا أن توالي أو تصبح خائناً للوطن! هذه هي الديمقراطية في تصور حركة النهضة الإخوانية.

وفي المغرب، استنكر سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (المصباح)، الذراع السياسي للإخوان المسلمين، الأصوات المعارضة لحكومته، حيث أكّد يوم 22 أيّار (مايو) الماضي، أنّ المعارضة تحاول استهداف كل ما هو سياسي، في مقابل تمجيد كل ما هو غير سياسي، وأنّها - أي المعارضة - تسعى  إلى القضاء على الحياة الحزبية، والمؤسّسات السياسيّة. كما هاجم الأصوات المطالبة بحكومة وحدة وطنية.

اقرأ أيضاً: هكذا استثمر "الإخوان" بالتدين الشعبي لدى فلاحي مصر

وفي الجزائر، وصف عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم، الأقلام الصحفية التي انتقدته في الفترة الأخيرة، بالحثالة، وذلك بعد رفضها الاقتراح الذي قدمه، بتجريم استخدام أيّ لغة أجنبية في المؤسسات الحكومية.

إخوان أوروبا والتمدّد الأيديولوجي

في السويد، أكّد الناشط الإخواني في مجال التعليم، شكيب بن مخلوف، أنّه بصدد تدشين مشروع كبير لتعليم الأطفال في المغرب، بالتعاون مع السويسري هانزجورك هوبر، لافتاً إلى أنّ التكاليف الشهرية تصل إلى حوالي 40 ألف يورو، مناشداً أصحاب النوايا الحسنة تقديم الدعم، في محاولة لتدشين نموذج تعليمي يحمل منهج الجماعة، والعمل على تسويقه في المنطقة العربية.

وفي دبلن، وضع المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، صورة الداعية الإخواني يوسف القرضاوى على بطاقات التهنئة بعيد الفطر، ونفس الأمر قام به مجلس مسلمي أوروبا، في إعلان صريح عن هيمنة الإخوان ومنهجهم على المراكز الإسلامية في القارة العجوز.

يذكر أنّ القرضاوي هو مؤسس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، الذراع الديني المهيمن على المراكز الإسلامية في أوروبا.

اقرأ أيضاً: لماذا قدّم الإخوان 3 تفسيرات مختلفة لرسالة التعاليم لحسن البنا؟

وفي أوكرانيا، تواصلت محاولات منظمة الرائد الإخوانية، تجميل صورتها، حيث قامت يوم 21 أيّار (مايو) الماضي، بتوزيع آلاف الطرود الغذائية والوجبات، وتقديم مساعدات وهدايا بمناسبة عيد الفطر، وهو ما فتح الأبواب من جديد حول مصادر التمويل.

يذكر أنّ السلطات الأوكرانية تلاحق عناصر المؤسسة الإخوانية من آن لآخر، كما سبق لها تفتيش مقراته أكثر من مرة.

للمشاركة:



تونس: تصاعد الاحتجاجات ضد الغنوشي قبل مساءلته برلمانياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

تصاعدت الحركات الاحتجاجية في تونس ضد زعيم حركة النهضة الإخوانية ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، وخرجت من أروقة البرلمان إلى الشارع التونسي، الذي اتخذ موقفاً يتسق مع موقف كتل برلمانية في ما يتعلق بالمطالبة بعزل الغنوشي لمحاولته توريط تونس في الصراع الليبي.

الاتحاد العام التونسي للشغل يطالب بعزل الغنوشي، ويؤكد أن مرتزقة أردوغان تهدد الأمن القومي

وفي هذا السياق، أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل، بياناً شديد اللهجة، يندد بما تقوم به تركيا بنقل آلاف الإرهابيين من الجبهة السورية إلى ليبيا، مما يشكل تهديداً مباشراً لأمن تونس واستقرارها، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

وقال الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، سمير الشفي: "أصدرنا بياناً على اعتبار أنّ ما يحصل في ليبيا يهمنا، خاصة وأنّ هناك قوى تقوم باستقدام آلاف الإرهابيين من المشرق العربي إلى المغرب العربي، أي من سوريا إلى ليبيا".

وتابع: "هذا تهديد واضح للأمن القومي العربي، والأمن القومي الوطني التونسي".

وفي سياق متصل، أكد الأمين العام لحزب المسار، فوزي الشرفي، يوم الجمعة الماضي، خلال استضافته في برنامج "هات الصحيح" على قناة "نسمة" أنّ راشد الغنوشي "ليس رئيس التونسيين بل هو رئيس إداري للبرلمان". 

وتابع الشرفي قائلاً: إنّ رئيس التونسيين متواجد في قرطاج وانتخبه 2 مليون 700 تونسي.

الشرفي: الغنوشي  ليس رئيس التونسيين بل هو رئيس البرلمان ويجب أن يلتزم بموقفه من القضية الليبية

وبخصوص جلسة مساءلة الغنوشي المزمع عقدها غداً، اعتبر رئيس حزب المسار أنّ الجلسة ستكون لتحديد موقف البرلمان من القضية الليبية ويجب عليه أن يلتزم بهذا الموقف.

هذا وتتوالى الانتقادات للغنوشي، من داخل حركة النهضة الإخوانية، حيث دعا عضو مجلس شورى حركة النهضة القيادي، زبير الشهودي، الغنوشي، إلى اعتزال السياسة والانسحاب من المشهد السياسي.

وقال الشهودي، خلال حضوره ضمن برنامج حواري على قناة محلية مساء أمس "أنصح الغنوشي بالتنحي عن رئاسة الحزب واعتزال السياسة نهائياً، بعد استقالة عبد الفتاح مورو ورحيل الباجي قائد السبسي، لم يعد لك مكان، انسحب" .

كما شدّد على أنّه "لا مجال لانتخاب الغنوشي من جديد رئيساً للنهضة في مؤتمرها القادم"؛ لأنّ "الحزب ليس قائماً على شخص الغنوشي وهو قادر على الاستمرار بدونه"، مشيراً إلى أنّ الغنوشي عندما عاد من لندن وجد الحزب حاضراً وقائماً بذاته، ولم يتعرض مثل أبناء النهضة للاضطهاد، بحسب تعبيره. وقال إنّ "النهضة لها زعيم وليس الزعيم له النهضة".

زبير الشهودي: أنصح الغنوشي بالتنحي عن رئاسة الحزب واعتزال السياسة نهائياً

يذكر أنّ مسألة خلافة الغنوشي على رأس حركة النهضة، تعد من أبرز النقاط الخلافية داخل الحزب؛ حيث يدفع شقّ بالحركة باتجاه التجديد للغنوشي رغم أنّ القانون الداخلي للحزب يمنع ذلك، بينما يطالب الشقّ الآخر بضرورة تنحّيه وانسحابه وبعث دماء جديدة في قيادة الحزب.

وفي الفترة الأخيرة تعرض الغنوشي لموجة انتقادات برلمانية، وحملة للمطالبة بمساءلته، نجحت في تحديد جلسة برلمانية في الثالث من حزيران (يونيو) الجاري.

وأتت حملة الانتقادات تلك على خلفية تخطيه "صلاحياته الدستورية"، بحسب ما اتهمه عدد من النواب، على صعيد العلاقات الخارجية مع أطراف ددولية، لا سيما تركيا، كما وجهت له انتقادات وتساؤلات حول ثروته ومصادرها.

للمشاركة:

تقارير يونانية: رصد قطع بحرية تركية قرب ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

كشفت تقارير صحفية يونانية، عن رصد 6 فرقاطات تابعة للبحرية التركية وناقلة نفط، بين جزيرة كريت اليونانية وليبيا في منطقة مخصصة للتدريبات البحرية.

ووفقاً لصحيفة "كاثيميريني"، اليونانية؛ فإنّ عدد السفن العسكرية التركية في المنطقة يتجاوز سفن الاتحاد الأوروبي المشاركة في عملية "إيريني"، التي أعلن عنها الاتحاد الأوروبي في 31 آذار (مارس) الماضي، قبالة سواحل ليبيا.

وتهدف عملية "إيريني"، التي تعني "السلام" باللغة اليونانية، إلى فرض حظر الأسلحة الذي أقرّته الأمم المتحدة، وقد عبّرت أنقرة عن قلقها البالغ من تنفيذ الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي عملية "إيريني" للسيطرة على تهريب السلاح التركي إلى الميليشيات الإرهابية في ليبيا، وكذلك لمنع عمليات الاتجار بالبشر عبر البحر المتوسط، وهو ما يُساهم في تطويق مآرب تركيا التي اعتبرت العملية الأوروبية لا تتمتع بأرضية قانونية وتصب في صالح قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

كشفت صحيفة كاثيميريني اليونانية عن رصد 6 فرقاطات تابعة للبحرية التركية وناقلة نفط بين جزيرة كريت اليونانية وليبيا

وتُقدّم تركيا الدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني الليبية وميليشياتها المتشددة، ومقرها طرابلس، في صراعها مع الجيش الوطني الليبي.

وكان نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، وفي لهجة تصعيدية جديدة تستعجل الحصول على مكاسب النفط الليبي، شدّد على أنّ تركيا لن تسمح بغموض جديد في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وأنها تقوم بدورها بناء على طلب من الحكومة الليبية، بحسب موقع "أحوال" التركي.

كما أعلن وزير الطاقة التركي، فاتح دونماز، عن نية بلاده بدء عمليات التنقيب عن النفط داخل الحدود البحرية، التي تم تحديدها بموجب اتفاق غير مُعترف به دولياً مع حكومة الوفاق الليبية، في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر، مشيراً إلى أنّ سفينة التنقيب الجديدة "كانوني" ستبحر في البحر المتوسط للقيام بأول مهمة لها هذا العام.

يُذكر أنّه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية اتفاقية بحرية مثيرة للجدل، تتجاهل المياه الإقليمية لجزيرة قبرص المقسمة وعدد من الجزر اليونانية، وتمنح تركيا نفوذاً في شرق المتوسط.

للمشاركة:

إلى متى ستبقى أزمة أطفال تنظيم داعش تراوح مكانها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

تواصل الدول الغربية رفضها استعادة أبناء أعضاء تنظيم داعش من الأصول الأوروبية، في الوقت الذي يقبع فيه حوالي 900 طفل منهم في معسكرات اعتقال مليئة بالمرض في شمال شرق سوريا.

نيويورك تايمز: الدول الغربية تواصل رفضها استعادة أبناء أعضاء تنظيم داعش من الأصول الأوروبية

ولفتت صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أنه في الشهر الماضي، عندما كانت فتاة فرنسية تبلغ من العمر 7 أعوام على وشك الموت إذا لم تتلق رعاية طبية عاجلة، أرسلت فرنسا طائرة طبية نقلتها إلى باريس لتلقي العلاج، تاركة وراءها والدتها، وشقيقين وأخت.

وكانت إعادة الفتاة، هي الاستثناء النادر، لكنها دليل على قدرة البلدان على إعادة أطفالها عندما تريد، وفقاً للمدافعين على حقوق الإنسان.

وقالت الباحثة البارزة في مكافحة الإرهاب في "هيومن رايتس ووتش" ليتا تايلر: "عندما يتعلق الأمر بردود حكومات مثل فرنسا التي تتحدث عن حقوق الإنسان، أخرجت طفلة واحدة، فلماذا لا تأخذ الأسرة بأكملها؟".

وترى جماعات حقوق الإنسان أنّ ترك الأطفال في سوريا يهدد صحتهم العقلية والجسدية ويخاطر بتلقينهم أيديولوجيا تنظيم داعش، التي يتم اتباعها على نطاق واسع في المخيمات ويمكن أن تخلق جيلاً جديداً من الجهاديين العنيفين.

ويفتقر الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية الكافية، وغالباً ما يكون هناك نقص في الغذاء والمياه النظيفة، وتتفشى الأمراض المعدية وتقتل العشرات في الشهر، كما تتزايد المخاوف من الإصابة بفيروس كورونا، ولكن لم يتم تأكيد أي حالات لعدم وجود اختبارات، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، يعيش بعض الأطفال في المخيمات منذ أعوام، وتوفي 9 منهم، على الأقل، من أبوين أوروبيين لأسباب يمكن الوقاية منها خلال الفترة الماضية، وهناك بعض البلدان استرجعت أطفالها، فقد أعادت روسيا وكوسوفو وتركيا وأوزبكستان وكازاخستان أكثر من 100 امرأة وطفل لكل منهم، لكن معظم الحكومات الغربية كانت مترددة في ذلك، مشيرة إلى عقبات مثل صعوبة تأكيد الأبوة، وخطر إرسال دبلوماسيين إلى منطقة حرب وعدم الرغبة في فصل الأطفال عن أمهاتهم.

جماعات حقوق الإنسان: ترك أطفال داعش يهدد صحتهم العقلية والجسدية ويخاطر بتلقينهم أيديولوجيا التنظيم

وكان تنظيم داعش عندما استولى على أرض واسعة في العراق وسوريا في عام 2014، معلناً أنّها "خلافة إسلامية"، تدفق عشرات الآلاف من أتباعه من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العديد من الغربيين الذين أحضروا معهم أطفالًا أو أنجبوا بعد ذلك.

وتم اعتقال أولئك الذين نجوا من الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة ضد التنظيم الذي انتهى قبل أكثر من عام، وتم حبس الرجال في السجون المؤقتة والنساء والأطفال في المخيمات.

وبينما تثير إعادة البالغين إلى وطنهم أسئلة صعبة حول مدى إدانتهم وخطورتهم، قامت شبكة من النشطاء والمحامين والأقارب في أوروبا وأمريكا الشمالية بالضغط على الحكومات لإعادة الأطفال إلى منازلهم، بحجة أنهم لم يختاروا الذهاب إلى سوريا ويجب عليهم ألا يحملوا ذنب آبائهم.

وعلى الرغم من الصعوبات، أعادت 20 دولة بعض الأطفال إلى الوطن، كما أفاد مسؤول في الخارجية الأمريكية أن واشنطن كذلك أعادت 15 طفلاً لكنه لم يذكر عدد الأطفال المتبقين.

ودعت القوات الكردية التي تدير المخيمات إلى إعادة جميع الأجانب إلى بلادهم، بحجة أنهم لا يستطيعون احتجازهم إلى أجل غير مسمّى في منطقة غير مستقرة، لكن الحكومة الفرنسية تعتبر النساء اللواتي انضممن إلى "الدولة الإسلامية" مقاتلات يجب محاكمتهن حيث ارتكبن جرائمهن المزعومة، أي في سوريا أو العراق.

للمشاركة:



لماذا لا يمكننا أن نثق بالإخوان المسلمين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

علي قاسم

النائب البريطاني إيان بيزلي ليس الشخص الوحيد الذي وقف ضد شركة فيسبوك في قرارها تعيين الناشطة اليمنية توكل في مجلس حكمائها، وقال إنه قرار “لا يمكن تصديقه”. ولكنه قد يكون من أوائل السياسيين الذين احتجوا على القرار بناء على الانتماء الأيديولوجي لتوكل.

أن تكون ديمقراطيا، يجب أن تقبل الآخر المخالف، قد تبدو هذه بديهية يجب ألا نختلف حولها، إلا أنها بديهية ليست صحيحة دائما، على الأقل ليس في كل الظروف.

قبول الآخر المخالف يجب أن يكون مشروطا بمطلب بسيط وواضح لا لبس فيه، الآخر الذي نتحدث عنه يجب أن يقبل بنا ويحترم خياراتنا، طالما لم يمس بأذى.

قد نختلف حول مسائل تتعلق بالسياسة، وأخرى تتعلق بالاقتصاد، إلا أن الاختلاف ينتهي عندما يتعلق الأمر بقضايا إنسانية واجتماعية وكل ما يتعلق بالحرية الشخصية.

من حق حزب العمال البريطاني أن يشكك بحزب المحافظين، مثلا، في حال تعلق الأمر بسياسة الحكومة البريطانية في العراق أو سوريا. ومن حقه أن يخاصمه حول قضايا تتعلق بالضرائب أو النمو أو زيادة الرواتب، ولكن غير مسموح له بأن يفرض الحجاب على النساء، أو يمنع مصليا من التعبد، أو يتدخل بقائمة الطعام؛ يحلل كذا، ويحرم كذا.

القرار الذي نتحدث عنه هو تعيين فيسبوك مجلس رقابة يضم عشرين عضوا، وهو حسب الشركة نفسها هيئة مستقلة يحق لها إصدار أحكام على سياسات فيسبوك، والمساهمة في الإشراف على المحتوى، وسماع الطعون في القرارات الحالية.

الهيئة المستقلة، التي أطلق عليها البعض “المحكمة العليا” لفيسبوك، يحق لها إلغاء قرارات الشركة، بما في ذلك قرار الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ، بشأن ما إذا كان يجب السماح بحجب أنواع معينة من المحتوى على فيسبوك وإنستغرام.

وكان انتشار خبر تحدث عن نية فيسبوك إنشاء الهيئة، قد أثار جدلا كبيرا على أعلى المستويات، واعتبره حقوقيون بمثابة أن يكون المدعى عليه، في قضية جنائية، قادرا على اختيار المحكمة والقاضي وهيئة المحلفين.

“من اختار هؤلاء الأشخاص العشرين لهذا المنصب؟ إنها شركة فيسبوك وهذا ليس عدلا”.

ومن بين الذين أثار قرار زوكربيرغ  سخريتهم جون نوتون، مؤلف كتاب “من غوتنبرغ إلى زوكربيرغ: ما تحتاج إلى معرفته حقا عن الإنترنت”، الذي شبه الأمر كما لو أن شركة أكسون العملاقة قررت إنشاء “أعلى محكمة للبت في قراراتها بفتح أو إغلاق مصافي النفط ومستوى انبعاث ثاني أكسيد الكربون الذي ستسمح به”.

قرار الرئيس الأميركي ترامب، الخاص بتجريد مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وفيسبوك، من الحصانة القانونية التي تتمتع بها في ما يتعلق بالمحتوى والنشر، وتصريحاته بأن هذه المواقع “بات لديها نفوذ يجب مواجهته”.. جاءا أيضا بعد موجة الغضب العارمة التي أثارها تعيين توكل في مجلس حكماء فيسبوك.

هذه الهيئة المتخفية تحت ادعاءات كبيرة، ليست بالنسبة لنوتون أكثر من مجموعة من شخصيات “تدافع عن فيسبوك نفسه وليس عنا وعما نريد قوله، بل إن بعضهم بقبولهم الاشتراك في اللجنة قد التزموا بتأييد الغرور المفرط لزوكربيرغ حول الأهمية المركزية التي يحظى بها فيسبوك في العالم“.

القضية كما طرحها نوتون وحقوقيون معه تحتمل الجدل، قد نتفق مع ما ساقوه من قرائن وحجج، أو نتفق مع كثيرين رأوا في الهيئة أداة فعالة لحماية محتوى موقع فيسبوك وإنستغرام. الشيء الذي لا يقبل الجدل ولا يمكننا الاتفاق حوله هو تعيين توكل عضوا في الهيئة.

وقال منتقدون إن شركة فيسبوك بهذا التعيين تمنح تنظيم الإخوان المتطرف فرصة للسيطرة على محتواه. من لا يعرف توكل سيفاجأ بحجم الاحتجاج الذي أثاره تعيينها عضوا في المجلس، خاصة بعد الإطلاع على سيرتها الذاتية.

توكل، التي منحتها أنقرة الجنسية التركية، منذ سنوات، كانت عضوا بارزا في حزب التجمع اليمني للإصلاح، يعتبره البعض ذراعا سياسية لجماعة الإخوان المسلمين، ولا تزال آراؤها تعكس توجهات هذا الحزب.

ويسجل عليها أنها اتخذت مواقف داعمة للإخوان في مصر، ومناهضة للتحالف العربي في اليمن، وهو التحالف الذي يقاتل من أجل دعم الحكومة الشرعية للبلاد، لاستعادة السلطة من الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.

ومن أكثر ما يثير الجدل في مواقفها السياسية هو موقفها بعد اغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على أيدي ميليشيا الحوثي 4 ديسمبر 2017.

كتبت كرمان حينها على تويتر “نهاية مؤسفة للمخلوع علي صالح، ما كنا في الثورة السلمية نتمناها له على هذا النحو، لكن أحاطت به خطيئته وذاق وبال أمره”.

كنا نتوقع من حاملة لجائزة نوبل للسلام أن تندد بالاغتيال، فهو عمل خارج عن القانون وجريمة، إلا أن ميولها السياسية غلبت ادعاءاتها الحقوقية، فاختارت عبارة خشبية للشماتة بصالح، وهو فعل لا يصح أن يصدر عن شخص يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان.

تدعي توكل أن لا علاقة لها بالإخوان المسلمين، متوارية خلف سيرة ذاتية تقول إنها صحافية، وسياسية، وناشطة حقوقية يمنية، تقود منظمة “صحافيات بلا قيود” التي شاركت في تأسيسها عام 2005.

في عام 2011، أطلق عليها بعض اليمنيين اسم “المرأة الحديدية” و”أم الثورة”. شاركت في الحصول على جائزة نوبل للسلام لعام 2011، لتصبح أول يمنية، وأول امرأة عربية، وثاني امرأة مسلمة تفوز بجائزة نوبل، بالتقاسم مع الرئيسة الليبيرية، إلين جونسون سيرليف، والناشطة الليبيرية ليما غوبوي.

إذا كان زوكربيرغ ومستشاروه ضللوا بسيرة مثل هذه، ولم يربطوا بين توكل وميولها الأيديولوجية ومنحها الجنسية التركية، رغم أنها لم تتعرض للاعتقال سوى ساعات قليلة، حيث تم إيقافها يوم 23 يناير عام 2011 ليفرج عنها في اليوم التالي، فإن الدول التي اكتوت بنار الإخوان لن تضللها القائمة الطويلة، ومن بينها جائزة نوبل.

هل يمكن لشخص يعيش في ظل أردوغان المتهم عالميا بقمع المعارضة، أن يدافع عن حرية المحتوى ويقرر ما ينشر وما يحجب في الموقع الاجتماعي الأشهر، الذي بنى شهرته منذ البداية على حرية الرأي؟

أحزاب إسلامية عديدة، في دول عربية وإسلامية، اختارت أن تتوارى خلف أسماء تحجب حقيقة كونها جزءا من حركة الإخوان المسلمين، ودفعت إلى الصفوف الأمامية بقيادات تسوق للحرية والديمقراطية، بوصفها قناعا يسهل وصولها إلى الحكم.

ولكن ماذا بعد الوصول إلى الحكم؟ لدينا تجارب عديدة يمكن من خلالها تقديم إجابة، لن تكون حتما لصالح تلك الأحزاب، التي أجادت التمسكن، وما إن تمكنت حتى أظهرت مخالبها الحادة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فرض السيادة مصلحة حيوية، المخاوف فارغة، وانهيار السلطة فرصة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

معظم الحجج ضد فرض القانون في الغور، في طريق ايالون وفي كتل السامرة، بنيامين وعتصيون، هي مخاوف فارغة. الحجة المنطقية الاساس هي ان الوضع الحالي اكثر راحة لإسرائيل، لأنه واضح ان فرض القانون سيثير ردود فعل ستضر بإسرائيل، بهذا القدر أو ذاك. المحذرون يبالغون، واحيانا يزورون، ولكن لا شك أننا سنضطر للصراع ضد رام الله وحماس، اوروبا، الاردن، الامم المتحدة ولاهاي.
فما لنا والمشاكل إذن، حين تكون كل السيطرة في ايدينا؟ لأنه توجد لنا هنا مصلحة حيوية. «العالم» ردعنا، ولكن حتى دون دعم ترامب، ما كان يمكننا أن نؤجل الى الابد فرض القانون (صحيح أنه دون ترامب سندفع أثمانا باهظة). اسرائيل ملزمة بأن تفصل بريا بين الفلسطينيين الذين في الضفة وبين العالم العربي، وان تثبت بالنص هذا الفصل بشكل يقتلع كل فرضية بأن يكون قابلا للارتداد.
ترى الحركة الوطنية الفلسطينية في العالم العربي جبهة داخلية تخدمها في مواصلة المعركة التاريخية لإلغاء تقرير المصير لليهود. استراتيجيتها هدامة: تطوير هجرة ستنتقل بالتدريج الى اسرائيل وتهز داخليا طابعها اليهودي. لا يوجد سبيل آخر لهم رفضهم الرمزي (عدم الاعتراف بالدولة القومية اليهودية في بلاد إسرائيل) والعملي منذ اكثر من ربع قرن بعد اتفاقات اوسلو. من هنا تنبع مصلحتنا المضادة: احباط خطتهم الديمغرافية، التي تعتمد على الاغلبية العربية المطلقة في المنطقة، من خلال تطوير الهجرة والولادة، منع الهجرة العربية من محيطنا الى بلاد اسرائيل الغربية كلها والتثبيت الديمغرافي والقانوني في اسرائيل في حدود واضحة على نهر الاردن. وعليه فإن اسرائيل ملزمة بأن تستوطن وتعظم اجتماعيا واقتصاديا المحاور الثلاثة المهمة الى الغور: محور العفولة – بيسان وجنوبا، محور رأس العين – ارئيل وشرقا ومحور القدس - البحر الميت عبر «معاليه ادوميم». ان فرض القانون في الغور، في هذه المحاور وفي الكتل الاستيطانية الى جانبها هو شرط حيوي لسيطرة اسرائيلية لا نزاع فيها في الحدود الامنية على نهر الاردن. وحده فرض القانون سيسمح بشق طرق وسكك حديد والتنمية في هذه المجالات الحيوية بكل قوة دولة اسرائيل ومؤسساتها.
كل هذا ضروري ليس فقط لإحباط الرؤيا المغرضة لخلفاء ياسر عرفات وامين الحسيني، من أجل استبدالها برؤيا تنمية، بل ايضا من اجل فتح فتحة للسلام مع الفلسطينيين. لا يوجد اي احتمال للسلام، طالما كان الوضع الجغرافي – الاستراتيجي والديمغرافي يسمح لهم بمواصلة الاحلام الهدامة حتى وان كانت بعيدة. وستطهر الاجواء من كوابيس كهذه مع فرض القانون – بما في ذلك بالطبع منح المواطنة لكل السكان في الاماكن التي يفرض عليها القانون – وعندها ستتاح تسويات سياسية اردنية – فلسطينية.
ان الدولة الفلسطينية ليست قابلة للعيش حتى في كامل الارض التي كانت تسمى ذات مرة «الضفة الغربية». فكل غايتها ستكون الضعضعة الديمغرافية لدولة اسرائيل، من خلال الارهاب والهجرة عبرها الى داخل اسرائيل، وبعد ذلك اثارة تمرد الفلسطينيين في الاردن. ان فرض القانون سيضع سكان «الضفة الغربية»، امام الخيار: إما الاكتفاء بمواطنة في «دولة ناقص»، كما يقول نتنياهو، او الارتباط بالاردن، الذي يرتبط معظم سكانه معهم بعلاقات عائلية، عشائرية وقومية متفرعة وعميقة. هذا شأنهم. ليست اسرائيل هي التي تقرر. ولكن من الحيوي ان تقرر اسرائيل حدود الخيار الفلسطيني: اسرائيل سترسم الحدود. وهي سترفض توطين من هم خارج هذه الحدود. وهي ستمنع بحزم هجرة عربية الى بلاد اسرائيل الغربية كلها (ما سيفترض ترتيبا قانونيا!). ان مجرد وجود الأردن، الذي معظم سكانه فلسطينيون، يسحب الارضية من طلب افتراضي ان توطن اسرائيل سكان الضفة: مفتوحة الطريق امامهم للارتباط بالاردن، وهو افضل بكثير من السلطة الفاسدة والوحشية التي اقامتها هنا «م.ت.ف» انهيار محتمل للسلطة ليس تهديدا، بل العكس.
وبالتالي، فإنه من كل التخويفات من فرض القانون، فتلك التي تبدو ثابتة اكثر تتعلق بالاردن. ولكنها لا ترجح الكفة. المملكة تخاف اكثر من دولة فلسطينية مهزوزة ومتآمرة على ضفة الاردن، وهي تخاف من ارهاب سني ومن تآمر ايراني من سورية ومن العراق. فهل ستخاطر بشرخ مع اسرائيل، شريكتها امام كل هذه تلك التي توفر لها الماء والغاز. يحتمل أن يقف الاردن ضد اسرائيل، كي يرضي رعاياه الفلسطينيين وخوفا من ان تتجه وتهزها مسألة المكانة السياسية للضفة الغربية. ولكن عدم استقراره هو ظاهرة دائمة، سواء فرضنا القانون أم لا، وهذا بالذات سبب وجيه لأن نثبت انفسنا على ضفة نهر الاردن.

مصدر الترجمة عن العبرية: آفي بارايلي - "إسرائيل اليوم"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

عن المشهد الليبي والموقف الأممي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

إميل أمين

ما الذي يجري على الأراضي الليبيّة في الأسابيع الأخيرة؟ هل هو فصل جديد من فصول المؤامرة الدوليّة كما يؤمن البعض أم أنه تطوُّر طبيعي لحالة تجمع ما بين التخاذل الأمميّ والانشغال الكونيّ، لا سيّما بسبب الجائحة الكبرى كوفيد-19؟

غالبًا الجواب هو مزيج من الأمرين معًا، لا سيّما وأن الجرح الليبيّ مفتوح في الجسد العربيّ والمتوسّطي منذ عقد تقريبًا، ومن غير طبيب نطاسي قادر على أن يصف الدواء، رغم سهولة تشخيص الداء.

داء ليبيا الأكبر يتمثّل في أجندة صُنّاع ورُعاة الإرهاب الأصوليّ الذي طُرِدَ في يونيو 2013 من الباب المصريّ، وها هم يحاولون من جديد القفز مرّة أخرى إلى المنطقة عبر الشبَّاك الليبيّ، علّهم يدركون ما قد فاتهم، ويعيدون تكرار المشهد من غير أن يصل إلى أسماعهم ما قاله كارل ماركس ذات مرّة من أن التاريخ لا يعيد نفسه ذلك أنه لو فعلها لأضحى في المرة الأولى مأساة وفي الثانية ملهاة.

عدّة أسئلة تستحقّ التوقّف أمامها والتفكّر في إجابات شافية وافيه لها، تبدأ من عند الأمل الضائع في أن يلتئم شمل الليبيّين على كلمة سواء، وهل فات الميعاد؟

أغلب الظنّ أن الجواب نعم، لا فائدة تُرجَى من توحيد جهود الليبيّين، وهذه حقيقة صادمة، فالشقاق والفراق بينهما ليس أيديولوجيًّا  يقبل فلسفة المؤامرات، بل صراع مع رؤى ذات ملمح وملمس دوجمائيّ، ولو منحولاً، وهي الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، يرى أصحابه أنّهم يملكون الحقيقة المطلقة، ويحتكمون على سلطة المنح والمنع الإلهيّة، وهذه هي الكارثة وليست الحادثة.

هل ترك صُنّاع الإرهاب الأصليّون المشهدَ الليبيّ على هذا النحو عمدًا ليجدوا لهم موطئ قدم لإكمال سيناريوهات قائمة وقادمة منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟

مؤكد أن في الأمر سرًّا، وإن كان مكشوفًا من الجميع ، سرَّ جماعات الإسلام السياسيّ التي يتمّ التلاعب بها من قِبَل كيانات دوليّة منذ خمسينات القرن العشرين وحتى الساعة، وهذه قضيّة أخرى، وإن كانت موصولة بالصراع الدائر على الأراضي الليبيّة.

قبل بضعة أيّام تحدّث وزير خارجية فرنسا "جان إيف لودريان" عن تحوّل ليبيا إلى سوريا أخرى، ومحذِّرًا من التدهور السريع للأوضاع هناك، وبما يفيد نشوء وارتقاء مستنقع آخر على شاطئ المتوسط، قريب من أوربا من جهة، ويمثّل نقطة انطلاق كارثيّة في الجسد الأفريقي من جهة ثانية، والسؤال: لماذا؟ وما العمل؟

باختصار غير مخلّ، تنحو ليبيا اليوم لأن تصبح أرض معارك بالوكالة بين الشرق والغرب، وكأننا نعود من جديد إلى زمن الحرب الباردة، ومن غير المصدّق أن يعيد النظر إلى صور الأقمار الاصطناعية الأمريكية للطائرات الروسية المتقدّمة  على الأراضي الليبيّة، أو ما تقول إنها كذلك، وهو أمر يسير على الأمريكيّين تحديده حتى ولو أزال الروس العلامات الخاصّة بهم من عليها.

هل هذا ما قصده "لودريان" بقوله إن ليبيا مستنق سوريّ آخر؟

في واقع الأمر نحن أمام ثلاثة مشاهد متّصلة بالمأساة السيزيفيّة الليبيّة، التركيّ، والأوربيّ، والأمريكي، أما المشهد الروسي فله وضعه الخاصّ.

تركيا، باختصار غير مخلّ، تعيش مرحلة الأوهام الإمبراطوريّ، وتحاول إحياء إمبراطوريّتها الظلاميّة الغابرة، وهو ما أخفقتْ فيه في سوريا ، ولا يزال يصر الأغا الموتور على تنفيذه في ليبيا، لا سيّما وأنه بالقرب من أراضيها هناك جائزة كبرى من النفط والغاز، يريد العثمانلي أن يبسط هيمنته عليها.

يعزف أردوغان الذي تشير التقارير الطبية إلى أنه يعاني من حالة صرع من جراء مرض خبيث في المعدة، في مراحله الأخيرة، على أوتار الخلافة الإسلاميّة، وليتها كانت الخلافة الرشيدة، بل خلافة القاعدة وداعش، وبقيّة عرائس المسرح التي تحرّكها القوى الماورائيّة، وتجعل منها أبطالاً من كارتون على مسرح دامٍ يدفع الليبيّون ثمن العرض صباح مساء كلّ يوم من دمائهم وثروات بلادهم.

المثير في المشهد أنه يجري على مرأى ومسمع من أوربّا، تلك التي باتت عجوزًا جدًّا إلى الدرجة التي يبدو معها وكأن أردوغان يبتزّها ومن غير مقدرة على أن تدافع عن مصالحها، بل إن بعض دولها مثل إيطاليا التي تدعم الوفاق والسرّاج، تتغاضى عن الإرهابيّين الذي حطّوا برحالهم من سوريا إليها مباشرة ليعيثوا فيها فسادًا.

هل باتت أوربا عاجزة عن لَجْم أردوغان أم أنّها تلعب على الحبلين، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي في نهاية الأمر إلى خسائر محقّقة لها، وبخاصة إذا استمرّ التوسُّع الإرهابيّ التركيّ على الاراضي الليبيّة.

البُعد الثالث هو الموقف الأمريكيّ، والذي يصيب المتابع المحقِّق والمدقّق بصداع كبير في الرأس من جرّاء التغيُّرات والتقلبات، فلم نعد ندري مع أيّ صفٍّ واشنطن  ، وهل رأي البيت الأبيض هو نفس توجّه الخارجيّة، وما إذا كان الاثنان يتّسقان مع رؤى جنرالات البنتاجون أم أنه لا توجد رؤية أمريكية من الأصل؟

الشاهد أنّ صور الطائرات الروسية الأخيرة تبين لنا أن هناك في الداخل الأمريكي مَنْ يرفض أن تكون لروسيا سيطرة أو سطوة، وهذا ما يمكن للمرء أن يتفهّمه في ضوء التنافس الجيوسياسيّ على الأرض بشكل واضح.

أما الغير مفهوم فهو موقف أو مواقف على الأصح واشنطن من دعم الوفاق كلّما اقترب المشير حفتر من الإطباق على الإرهاب في الغرب الليبيّ، وكأنهم يريدون أن لا يخرج من المعركة فائزٌ أو مهزوم، وأن يظلّ المشهد على هذا النحو مرّة وإلى أن تتحقّق أغراض غير مرئيّة.

روسيا التي قبلت المهانة حين تدخَّلَ الناتو لإسقاط القذافي وخسرت الكثير من نقاط ارتكازها على المتوسط، من الواضح أنها لن تسمح بتكرار الخطأ، ولديها حساباتها الكبرى.

السؤال الآن: أين العالم العربيّ؟

مؤكّد أن هناك بقيّة باقية من إرادة عربية قادرة على استنقاذ ليبيا والليبيّين، ومن غير رهانات خاسرة على أطراف أمميّة كل منها يسعى إلى  تحقيق مصالحه من غير مراعاة لصالح ليبيا أو الليبيّين.

في بعض الأحايين تكون هناك حاجة لمبضع جرّاح ماهر وبصورة سريعة لإنقاذ حياة المريض، وربّما تسبّبت كورونا في تأخير عمليّة الإنقاذ، لكنّ الطرح يجب أن يكون نصب أعين العرب.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية