مفاتيح لفهم موقف مصر مما يجري في ليبيا

مفاتيح لفهم موقف مصر مما يجري في ليبيا

مشاهدة

04/08/2020

ترجمة مدني قصري

تخشى القاهرة، من بين أمور أخرى، الوجود التركي على حدودها الغربية؛ حيث ليبيا المجاورة في حالة حرب.

أعطى النواب المصريون، في 20 تموز (يوليو) 2020، الرئيس عبد الفتاح السيسي، الضوء الأخضر لتدخّل عسكري محتمل في ليبيا، إذا واصلت قوات حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، تقدّمها نحو شرق البلاد الذي تسود فيه قوات المشير خليفة حفتر.

يرفض المحللون فرضية حرب المواجهة في ليبيا، ويقدّر حسن نافعة بأنه من المستبعد جداً أن تدخل مصر في حرب مباشرة، ورسالة الرئيس السيسي سياسية أكثر منها عسكرية

فهكذا وافق البرلمان المصري بالإجماع على إرسال "عناصر من الجيش المصري في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية، للدفاع عن الأمن القومي المصري"، فإذا لم يتم ذكر ليبيا بشكل مباشر، فقد تركّزت المناقشات على هذا البلد المجاور، بعد أن ناقش النواب "التهديدات التي تواجه الدولة" في الغرب؛ حيث تشترك مصر في حدود مسامية (يسهل اختراقها) في قلب الصحراء مع ليبيا، التي تعيش حالة حرب.

الصراع على السلطة بين قوتَين متنافستَين

منذ سقوط نظام معمر القذافي، عام 2011، غرقت ليبيا في حالة من الفوضى وصراعات متعددة الجبهات، والتي أصبحت أكثر تعقيداً؛ بسبب الوجود المتزايد للجهات الفاعلة الدولية. ليبيا، التي لديها أكبر احتياطي نفط في أفريقيا، يمزقها صراع هيمنة بين قوتين متنافستين: حكومة الوفاق، ومقرها طرابلس (العاصمة الليبية)، والفريق خليفة حفتر، الجنرال السابق في عهد القذافي، الذي يسيطر على الشرق وجزء من الجنوب.

كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أعلن، في 16 تموز (يوليو)، خلال اجتماع مع ممثلي قبائل شرق ليبيا

الأول مدعوم من تركيا، التي لديها قوات هناك، والثاني من مصر المجاورة والإمارات العربية المتحدة وروسيا.

القاهرة تدعم خليفة حفتر منذ عام 2014، وهو التاريخ الذي جمع فيه قوة في شرق ليبيا، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة.

وكان عبد الفتاح السيسي قد أعلن، في 16 تموز (يوليو)، خلال اجتماع مع ممثلي قبائل شرق ليبيا، أنّ مصر لن تظلّ "خاملة" أمام "تهديد مباشر" لأمنها القومي وأمن ليبيا، وهي الكلمات التي دانتها على الفور حكومة الوفاق، التي تسود في طرابلس، العاصمة الليبية.

اقرأ أيضاً: هل نجح أردوغان في تحويل ليبيا إلى معقل جديد للإرهابيين؟

وعلى العكس من ذلك؛ تمّ دعم الخطوة من قبل البرلمان المتمركز في شرق ليبيا الذي يدعم خليفة حفتر، وكانت الغرفة قد طلبت من القاهرة المساعدة مباشرة قبل بضعة أيام، ومنذ ذلك الحين أيّد زعماء القبائل الليبية، الرئيس السيسي، من أجل التدخل.

خطة أشاد بها معسكر حفتر

طلب البرلمان الليبي من القاهرة، في منتصف تموز (يوليو)، التدخل عسكرياً لمواجهة تركيا، في بيان صدر ليلة 13 إلى 14  تموز (يوليو)، قال البرلمان المنتخب في الشرق، عام 2014K والذي يضمّ أساساً مؤيدين لحفتر: "على القوات المسلحة المصرية التدخل لحماية الأمن القومي، الليبي والمصري، إذا رأت تهديداً وشيكاً لأمن بلدينا. وأضاف البيان: "ندعو إلى جهود متضافرة بين البلدين الشقيقين، ليبيا ومصر، لضمان هزيمة المحتل الغازي (تركيا)، والحفاظ على أمننا القومي المشترك".

كان هذا البيان ردّاً من البرلمان على خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في20  حزيران (يونيو)، هدّد فيه بالتدخل في ليبيا، كردّ فعل على التدخل التركي المباشر، ووصف سرت بـ "الخط الأحمر"، محذراً في ذلك قوات حكومة الوفاق الوطني، وقد رحّب رئيس مجلس النواب بقرار مصر الأخير، بحسب المتحدث الرسمي.

سرت "الخط الأحمر"

كانت مصر قد حذّرت، في حزيران (يونيو)، من أنّ أيّ تقدّم من قبل القوات الحكومية في طرابلس قد يؤدي إلى تدخل عسكري مصري، وقد ركّزت حكومة الوفاق الوطني، التي شجبت هذا الموقف، ووصفته بأنّه "إعلان حرب"، جهودها في اتجاه سرت، الواقعة تحت سيطرة المارشال حفتر.

اقرأ أيضاً: بالتفصيل.. تقرير يرصد العدد الضخم لمرتزقة تركيا في ليبيا

وتعدّ القاهرة سرت، المطلة على حقول النفط الليبية، وتقع في منتصف الطريق بين طرابلس غرباً وبنغازي شرقاً "خطاً أحمر"؛ فهي مسقط رأس معمر القذافي، وهي بوابة لموانئ تصدير النفط التي يسيطر عليها الموالون لحفتر.

المعركة بين المعسكرين تدور الآن حول هذه المدينة الرئيسة، وقد اقتربت القوات الحكومية في طرابلس من سرت، التي تأمل استعادتها من قبضة الجيش الوطني الليبي التابعة للمارشال حفتر.

الفوضى الليبية... تهديد على أبواب مصر

كانت الحدود المصرية الليبية، الطويلة والنفيذة (والتي يسهل اختراقها)، مصدر قلق كبير للقاهرة، منذ سقوط زعيم الثورة الليبية، معمر القذافي؛ فعلى مرّ السنين، عزت مصر العديد من الهجمات إلى المقاتلين الإسلاميين الذين دخلوا أراضيها عبر هذه الحدود البرية، وقد شنّت مصر بالفعل غارات جوية فوق ليبيا.

في منتصف تموز (يوليو)؛ أكّد يزيد صايغ، مدير الأبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أنّ القاهرة "قلقة من حكومة الوفاق الوطني، وترى في تورّط تركيا في الحرب الليبية، تهديداً خطيراً"، ويأتي دعم مصر لحفتر "من الأمل في أن يتمكن من ضمان حدود مشتركة آمنة ومستقرة".

وأصرّ النواب الموالون لحفتر، والمؤيدون مؤخراً لتدخّل مصري، على القول إنّ "الأخطار التي يشكلها الاحتلال التركي لليبيا تشكّل تهديداً مباشراً لبلدنا وللبلدان المجاورة، خاصة مصر".

القاهرة - أنقرة: 7 أعوام من العداوة

تسود بين مصر وتركيا علاقات متوترة منذ إقالة الرئيس الإسلامي المصري، المدعوم من أنقرة، محمد مرسي، عام 2013.

أكّد الباحث يزيد صايغ، مدير الأبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، أنّ القاهرة قلقة من حكومة الوفاق الوطني، وترى في تورّط تركيا في الحرب الليبية تهديداً خطيراً

ففيما كانت قوات حكومة الوفاق الوطني في حالة سيئة قبل بضعة أشهر فقط، فقد غيرت الوضع بمضاعفة الانتصارات العسكرية، بفضل الدعم التركي، لقد نشرت تركيا طائرات بدون طيار وعسكريين في ليبيا، وهكذا تمكنت حكومة الوفاق الوطني من صدّ هجوم الرجل القوي في شرق ليبيا، الذي بدأ في نيسان (أبريل) 2019 ضدّ طرابلس، واستعادة السيطرة على كامل شمال غرب البلاد.

في حزيران (يونيو)؛ بعد تقدّم قوات حكومة الوفاق ضدّ قوات الفريق حفتر على الأرض، اقترح الرئيس المصري وقف إطلاق النار، وسحب المرتزقة، وتفكيك الميليشيات في ليبيا، لكنّ أنقرة وحكومة الوفاق رفضتا هذه الخطة.

تهديد حقيقي أم موقف مبدئي؟

وفق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)؛ فإنّ الجيش المصري، وهو واحد من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط، لديه ما يقرب من 450000 رجل، وهو واحد من المستفيدين الرئيسين من المساعدات العسكرية الأمريكية (1,15  مليار يورو سنوياً)، على وجه الخصوص لمحاربة التمرد الإسلامي في سيناء (شمال شرق مصر).

يرفض المحللون فرضية حرب المواجهة في ليبيا، وقدّر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، حسن نافعة، في حزيران (يونيو) 2020؛ أنّه "من المستبعد جداً أن تدخل مصر في حرب مباشرة"، إنّ رسالة الرئيس السيسي "رسالة سياسية أكثر منها عسكرية: مصر تقف إلى جانب حلفائها".

اقرأ أيضاً: المسماري يكشف عدد الجنود الأتراك في ليبيا... ما هي مهمتهم؟

يرفض المحللون فرضية حرب المواجهة في ليبيا، وقدّر نافعة، في حزيران (يونيو) 2020؛ أنّه "من المستبعد جداً أن تدخل مصر في حرب مباشرة"، إنّ رسالة الرئيس السيسي رسالة "سياسية أكثر منها عسكرية: مصر تقف إلى جانب حلفائها".

حكومة الوفاق الوطني غير مهيئة لاستعادة سرت

من جانبه، حلّل جليل الحرشاوي، الباحث في معهد كلينجينديل Clingendael"" في لاهاي، في  منتصف شهر تموز (يوليو)، الوضع قائلاً: إنّ "رغبة القاهرة السياسية في تدخل مصري الظاهرة والرسمية تظل ضئيلة للغاية"، مخففاً من مدى التصعيد اللفظي، وأضاف هذا الخبير إنّ "أساس الحماية التي تمّ وضعها (من قبل الموالين لحفتر) للحفاظ على سرت، حماية تمّ توفيرها من قبل المرتزقة الروس والسوريين، واغنر (ميليشيا معروفة بأنّها قريبة من الرئيس فلاديمير بوتين)، بمساعدة وثيقة من بعثة إماراتية ما تزال جدّ نشطة على المستوى اللوجيستي، فحتى إن قالت حكومة الوفاق الوطني إنّها مستعدة لاستعادة سرت، كما يوضح جليل الحرشاوي؛ "فهي غير مهيئة لذلك حقًاً"، لأنّ عليها أوّلاً "عبور حقل من الألغام المضاد للأفراد، المنتشرة غرب سرت".

القاهرة تحذّر الأمريكيين

قالت كلوديا جازيني، من مركز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية ""International Crisis Group (ICG)، في حزيران (يونيو)؛ إنّ القاهرة تتمنى، من خلال هذا الموقف، إرسال تحذير "للأمريكيين"، الذين ما يزال موقفهم بشأن هذه المسألة غامضاً، من أجل إظهار التهديد الذي تشكّله، بحسب مصر، زيادة وجود الأتراك في هذا البلد.

وكان عبد الفتاح السيسي قد تحادث، في 20 تموز (يوليو)، قبل وقت قصير من تصويت البرلمان، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وحول هذا اللقاء؛ صرّح البيت الأبيض، في بيان بعد المقابلة الهاتفية، بأنّ "الزعيمَين أكّدا على ضرورة وقف التصعيد الفوري في ليبيا، خاصة من خلال وقف إطلاق النار، وتحقيق تقدم في المفاوضات الاقتصادية والسياسية"، وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك: "لا يوجد حلّ عسكري للأزمة الحالية في ليبيا، وهناك حاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار".

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

francetvinfo

الصفحة الرئيسية