هل تحول الإخوان إلى طابور خامس؟

هل تحول الإخوان إلى طابور خامس؟

مشاهدة

27/07/2020

ألقت قوات الأمن المصرية مؤخراً القبض على خلية من أعضاء تنظيم الإخوان، تستهدف نشر الشائعات ضد الدولة المصرية؛ أصبح مثل هذه الأخبار أمراً معتاداً، لكن الأصعب والأعمق، هو قيام أعضاء هذه الخلية وتلك الجماعات بتبرير خيانة أوطانهم وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

يمكن لأنشطة الطابور الخامس السرّية أن تنطوي على أعمال تخريب وتضليل وتجسّس

 إنّ أخطر عدوّ تواجهه دولة ما هو خَوَنة الداخل، أو ما يُسمّى (الطابور الخامس)؛ أي هؤلاء الذين ينتمون إلى الوطن ظاهرياً وإلى غيره فعلياً، ففي علم السياسة يصف مصطلح الطابور الخامس مجموعة من الناس تعمل غالباً على محاولة محاصرة المدينة من الداخل، وتكون في صالح جماعة العدو، وأنشطة الطابور الخامس قد تكون علنيةً أو سرّيةً.

وفي بعض الأحيان تقوم هذه القوات السرّية بمحاولة حشد الناس علناً لمساعدة هجوم خارجي. ويمتدّ هذا المصطلح أيضاً إلى الأنشطة التي ينظمها الأفراد العسكريون، ويمكن لأنشطة الطابور الخامس السرّية أن تنطوي على أعمال تخريب وتضليل وتجسّس يُنفذها مؤيّدو القوة الخارجية ضمن خطوط الدفاع بكلّ سرّية.

اقرأ أيضاً: انكسارات الإخوان بالمنطقة.. منافذ مغلقة بوجه الأوهام التركية

هذا بالضبط ما يقوم به أعضاء جماعة الإخوان اليوم ضد وطنهم، ومع سقوطهم وكشف زيف انتمائهم الوطني تنفجر الأسئلة الحائرة في عقول المتابعين؛ ما الذي يجعل مواطناً مصرياً تربّى في المجتمع وتعلم فيه وتلقى قيمه الأولية فيه، يتحوّل ويقف ضدّه ويسخّر إمكانياته ليكون سبباً في خرابه ومعولاً في هدمه؟ وهل مثل هذه الخلايا هي انحراف عن أفكار الإخوان الأساسية التي أعلن عنها حسن البنا؟ أم هي تجلٍّ طبيعي والمحطة الأخيرة في دورة حياة عضو تنظيم الإخوان المسلمين؟

لم ينحرف الإخوان عن الخط الذي رسمه حسن البنا وأكده سيد قطب وطبّقه أعضاء الجماعة عبر تاريخهم

لم ينحرف الإخوان عن الخط الذي رسمه حسن البنا وأكده سيد قطب، وطبّقه أعضاء الجماعة عبر تاريخهم، فحقيقة الدور الوظيفي للجماعة هو تفتيت اللحمة الوطنية، وتحويل أيّ انتماء وكلّ انتماء، سواء للوطن أو للعرق، إلى انتماء للجماعة والتنظيم فقط، ومعاداة الوطن والوطنيين والوقوف ضدّ الوطنية كهوية وانتماء.

والدولة الوطنية حديثة الانتماء فيها (للوطن)، فنعلي اسمه ونرفع رايته ونذود عن حدوده، وتقوم مؤسساته بوظائفها الاقتصادية والاجتماعية المعروفة، وتحقق الأمن، وتحتكر في يدها السلاح، وأيّ تحويل أو تشكيك في هذه البديهيات هو بداية السقوط في بئر الخيانة، أدرك ذلك أعضاء التنظيم وقادته أم لم يدركوه، فهذا لا يغيّر من الحقيقة شيئاً.

اقرأ أيضاً: هل يكون الإخوان المسلمون في اليمن حصان طروادة لأردوغان؟

 إنّ تحويل الفرد الإخواني إلى طابور خامس أو عنصر هادم للوطن لا يتمّ بين يوم وليلة، بل عبر عملية تربوية شديدة التعقيد يتمّ فيها تغيير عقله ووجدانه وتبديل منظوره للأشياء، ومع تغيير انتماءاتهم وتوليد كراهيتهم للمجتمع وللوطن، يتمّ غرس القابلية للتحوّل، وتتمّ الجاهزية للقيام بأدوار الطابور الخامس.

اقرأ أيضاً: المرأة التي هزّت عرش الإخوان في تونس.. من هي عبير موسي؟

يبدأ الإخوان بخفض الروح الوطنية، عبر تقديم تعريف جديد للوطنية، وهذا ما قام به حسن البنا، فقد قال في رسالة (دعوتنا): "أمّا وجه الخلاف بيننا وبينهم، فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكلّ بقعة فيها مسلم يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وطنيّ عندنا، له حرمته وقداسته وحبّه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكلّ المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحسّ بإحساسهم". نلاحظ الهمز واللمز للوطنية بمعنى  الحدود الجغرافية، وأنها أمر لا يقبله الإسلام، ثم يقدّم مفهوم الوطنية لأعضاء الجماعة على أنه كل مكان فيه مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم يوضح سيد قطب كلام البنا في معالم على الطريق بقوله: "وطن المسلم الذي يحنّ إليه ويدافع عنه ليس قطعة أرض، وجنسية المسلم التي يُعرف بها ليست جنسية حكم، وعشيرة المسلم التي يأوي إليها ويدفع عنها ليست قرابة دم، وراية المسلم التي يعتزّ بها ويستشهد تحتها ليست راية قوم، وانتصار المسلم الذي يهفو إليه ويشكر الله عليه ليس غلبة جيش".

تحويل الفرد الإخواني إلى طابور خامس أو عنصر هادم للوطن لا يتمّ بين يوم وليلة

من هذا الفهم، وتطبيقاً علمياً لتعاليم حسن البنا، انطلق أعضاء تنظيمات داعش والقاعدة والإخوان، باستقدام الجنسيات المختلفة إلى مواطن القتال في سوريا والعراق واليمن وليبيا وسيناء وغيرها من المناطق الملتهبة، لمهاجمة الجيوش الوطنية لدولهم وإسقاط مؤسسات الدولة والحكومة.

كما يقوم الإخوان أيضاً بصرف المجتمع عن الالتفاف حول قيم المواطنة، ففي العام 1946عقد الطلبة المؤتمر العام الأول لهم في 9 شباط (فبراير) من العام نفسه في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، وطالبوا بإلغاء اتفاقية 1936، وجلاء الإنجليز التام عن مصر، وأسّسوا مع العمال المنتفضين لجنة أطلقوا عليها اسم (اللجنة الوطنية للعمال والطلبة)، فعارضهم الإخوان، وقاموا بتكوين (اللجنة القومية للطلبة)، وعندما دعت اللجنة الوطنية إلى الإضراب العام وإعلان يوم 21 شباط (فبراير) سنة 1946 يوماً للجلاء، رفض الإخوان دعم التظاهرات، وظلوا طوال الأزمة يعملون على تفتيت قوى الطلبة وإعاقة المظاهرات.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد الإخوان من ليبيا؟

وفي مراحل تالية من عمر الجماعة تمّ التقليل من مظاهر الوطنية والاستهانة بها، مثل تحية العلم أو الوقوف أثناء السلام الجمهوري، بزعم أنّ هذا منافٍ للشريعة الإسلامية، مدّعين أنّ الوطنية الحقة ليست الوقوف للعلم ولا تحيته بل العمل لصالح الوطن، وهذه التعاليم، وإن لم تكن مكتوبة، إلّا أنها متوارثة داخل التنظيم، وكراهية تحية العلم معروفة لديهم، هم فقط يلجؤون إليها إمّا تخفياً وتقية، وإمّا تفويتاً على مخالفيهم من إثارتها لما لها من حساسية خاصة.

يبدأ الاخوان بخفض الروح الوطنية عبر تقديم تعريف جديد للوطنية وهذا ما قام به حسن البنا

يقوم الإخوان بتقليل الروابط الوطنية بين الفرد ووطنه، وإعلاء قيمة الاغتراب داخل المجتمع، فقد دعا حسن البنا إلى عدم الاحتكام أمام القضاء، والاحتكام لقضاء الجماعة، وتوجد لجان في الجماعة للفصل في المنازعات المدنية التي بين أعضائها، حتى لا ينتمي الأفراد لمؤسسات بعيدة عن الجماعة.

وآخر مرحلة يقوم بها الإخوان لتجهيز أفرادهم لتقبّل الخيانة تحت اسم العمل للإسلام، هي توليد الكراهية ضد الوطن، بزعم أنّ هذا الوطن شعبه يعيش في جاهلية أو أنهم "عبيد بيادة"، وأنّ مؤسسات الشرطة فاسدة، ومؤسسات الجيش قاتلة، ومؤسسات القضاء ظالمة، والفساد ينتشر في أرجاء الدولة، ورويداً رويداً يجد عضو الإخوان نفسه منغمساً في عشق التنظيم وأعضاء التنظيم ويتبدل حبّ الوطن والدولة ومؤسساتها إلى كراهية شديدة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: تبعية لأردوغان وإثارة للفوضى في تونس ومزايدة على السودان

في النهاية، ماذا تتوقع من عضو الجماعة الذي تربّى على أنّ الوطن ليس بالتخوم وإنّما بالعقيدة، وأنّ الحرب تحت راية الوطن ضدّ الإسلام، ويجب أن ينضوي تحت راية واحدة هي راية الإسلام (التنظيم)، وأنّ الجنسية بالدين وليس بالدولة، وأنّ الجماعة هي التطبيق الوحيد للإسلام، ويجب أن ينتمي إليها المسلم، فهي دين ودولة، إلّا أن يكون (طابواًر خامساً)؟

اقرأ أيضاً: بعد قرار الحل.. هل تتمكن جماعة الإخوان في الأردن من استعادة توازنها؟

حتى دون أن يدرك أنه طابور خامس، سيقوم بالمهمّة بكلّ إخلاص فيصنع الشائعات ويروّجها، ويستهدف عقول ووجدان الشعب، والمحيطين به، سيسخر من القوات المسلحة بزعم أنهم جيش غير قادر على الانتصار، حتى يجاريه المتواصلون معه، ثم يحاول أن يبث الفرقة بين المصريين ونشر ثقافة التخاذل، سيهاجم كلّ من يظهر انتماءه للوطن ويحرّض عليه اللجان الإلكترونية التابعة للإخوان لتسكت صوته أو تجعله مادة لسخرية الآخرين، سيقوم الإخوان بالتركيز على الهفوات التي تقع من أفراد في مؤسسات الدولة للتشكيك فيها، ثم التركيز على قضايا ثانوية وتقديمها على أنها قضايا ذات أولوية، وأخيراً السخرية من الوطن واسمه، مثل هتاف المصريين تحيا مصر.

آخر مراحل الإخوان لتجهيز أفرادهم لتقبّل الخيانة تحت اسم العمل للإسلام هي توليد كراهية الوطن

كلّ هذه هي أدوار الطابور الخامس والقابلية للجاسوسية، يقوم بها أعضاء تنظيم الجماعة بمستويات متفاوتة، منهم من أعلن ذلك بكلّ وضوح، ومنهم من كان لسان حاله مع تركيا دون أن ينطق، مثل عصام تليمة الشيخ الإخواني، ناهيك عن آلاف التدوينات لأعضاء من الإخوان غير مشهورين، كلها ولاء لتركيا وضد الجيش وضد وطن لا يؤمنون به ولا يعترفون به ولا يدينون بالفضل له، ولأنّ التنظيم أخبرهم بأنّ تركيا وقطر تؤيدان الإسلام الإخواني صاروا في غمضة عين يعشقون كل ما يرتبط بهما، ويدافعون عنهما بالباطل، وهم مستعدّون للذود عنهما بكلّ دمائهم. حوّلتهم الجماعة إلى جواسيس وأتباع، لا يجدون حرجاً في التهليل للجيش التركي والترحيب والدعاء أن ينتصر على جيش بلادهم.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون من الدّعوة إلى العنف

هذا التاريخ الطويل في بئر الخيانة ليس حكراً على إخوان مصر فحسب، بل كلّ عضو في هذه الجماعة هو مشروع طابور خامس وجاسوس محتمل ضد وطنه في أي دولة كان، يكنّ لوطنه الشعور البغيض نفسه. المعركة مع تنظيم الإخوان ومن يقف وراءهم طويلة وتحتاج إلى نفَس طويل وقدرة نفسية هائلة على تحمّل ما تقترفه الجماعة وأتباعها، وينبغي على جميع مكوّنات المجتمع التكاتف للتصدي لفكرهم وألاعيبهم، فأخطار الإخوان لا يجدي معها أنصاف الحلول.


الصفحة الرئيسية