قواعد الفكر الإخواني (32): حسن البنا يصنّف الناس برؤية إخوانية

الإخوان المسلمون

قواعد الفكر الإخواني (32): حسن البنا يصنّف الناس برؤية إخوانية

مشاهدة

08/08/2018

لا يستطيع المراقب أن يتعرف على أفكار جماعة الإخوان الحقيقية، دون أن يقرأ بعناية رسائل حسن البنا، المؤسّس والمنظّر الأوحد لأفكارها، ومن بين تلك الرسائل التي كشفت التناقض بين القول والعمل، والشوفينية التي لازمت الجماعة منذ النشأة، تبرز رسالة "دعوتنا" التي كتبها البنا في العام 1932 أو 1933؛ أي بعد أعوام قليلة من النشأة.

الغموض والسرية

يبدأ حسن البنا رسالة "دعوتنا" بمقدمة عاطفية تنسجم مع مرحلة التمهيد التي لم تخفِ الرغبة في التمكّن والكشف عن الحدية التي تغلّف تصوره، يقول تحت عنوان مصارحة "نحب أن نصارح الناس بغايتنا وأن نجلّي أمامهم منهاجنا، وأن نوجّه إليهم دعوتنا في غير لبس ولا غموض، أضوأ من الشمس وأوضح من فلق الصبح وأبين من غرة النهار".

يمكن ملاحظة الإفراط في استخدام المفردات التي تركّز على الصراحة والوضوح في ثوب البلاغة، في محاولة لنفي تهمة الغموض في أفكار الجماعة وسلوكها وما تدعو إليه منذ نشأتها؛ الغموض الذي كان دوماً الأساس المقصود الذي توسّلت به الجماعة في البقاء، مع السرية التي تبقى أهم المحدّدات التي حافظ على تقاليدها التنظيم الهرميّ، الذي يتم تداول المعلومات فيه عبر حلقة ضيقة جداً ظلت تضيق في التنظيم من الجمعية العمومية إلى الأعضاء إلى المكاتب الإدارية للمحافظات في مصر، إلى مكتب الإرشاد، قبل أن تُختزل فيما يسمى أمانة المكتب التي ضمت خلصاء المرشد ممن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، ولطالما رفع التنظيميون في قيادة الجماعة شعار المعرفة على قدر الحاجة، في سياق عسكرة التنظيم التي كشفت أننا أمام حالة حزبية صريحة حرص البنا أن ينفيها في رسالته.

الغموض كان دوماً أساس بقاء الجماعة والسرية أهم المحدّدات التي حافظ عليه تنظيمها الهرميّ

تمتد العبارات في نفس السياق؛ فتحت عنوان براءة يقول "ونحب مع هذا أن يعلم قومنا وكل المسلمين قومنا أنّ دعوة الإخوان المسلمين بريئة نزيهة، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية، واحتقرت المنافع المادية وخلفت وراءها الأهواء والأغراض، ومضت قُدماً في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه".

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (31): ازدواجية الخطاب والسلوك

"يكاد المريب يقول خذوني" مثلٌ يكاد ينطبق على حال البنا مع الكلمات السابقة؛ فهو ينفي مسبقاً اتهام الجماعة بتأكيده أنّها من تمثل الإسلام الصحيح، ويتابع هذا المعنى تحت عنوان "عاطفة": "ونحب أن يعلم قومنا أنّهم أحبّ إلينا من أنفسنا، وأنّه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء، وأن تزهق ثمناً لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغناء"، لكن يشهد سلوك الجماعة أنّها ما ضحّت بشيء إلا في سبيل الحكم، وأنّها عندما خُيّرت بين أمن البلاد واستقرارها في مصر في أعقاب خروج الشعب والمؤسسات عليها في 30 حزيران (يونيو) 2013، أو الفوضى والخراب والحرب الأهلية، اختارت بحسم ودون تردد الخيار الثاني.

تصنيف الناس برؤية إخوانية

عاطفة الإخوان ظلت نحو الحكم والسيطرة على العقول والقلوب، وما أنفقت الجماعة مالاً أو أنفساً إلا في هذا السبيل منذ النشأة وحتى اليوم، ونصّبت من نفسها الحاكم على العقائد والأفكار أيضاً، وقرّرت أن يكون الناس في مواجهة ما تطرحه؛ فيكون المؤمنون من ينضمون لها باعتبارهم المجاهدين الذين جمعوا بين العمل والإيمان "فهذا ندعوه أن يبادر بالانضمام إلينا والعمل معنا، حتى يكثر به عدد المجاهدين ويعلو بصوته صوت الداعين، ولا معنى لإيمان لا يتبعه عمل ولا فائدة في عقيدة لا تدفع صاحبها إلى تحقيقها والتضحية في سبيلها".

عاطفة الإخوان ظلت نحو الحكم والسيطرة وما أنفقت الجماعة مالاً أو أنفساً إلا في هذا السبيل

ويواصل البنا تصنيف الناس بين هذا المؤمن أو المتردد الذي يصفه بأنه "شخص لم يستبن وجه الحق ولم يتعرف في قولنا معنى الإخلاص والفائدة فهو متوقف متردّد" .

أما الشخص الثالث في تصنيفهم فهو النفعي الذي يسأل عما سيجنيه من مال أو منفعة، فيجيبه البنا بأّنّهم لا يعدونه سوى "بثواب الله إن أخلصت والجنة إن علم الله فيك خيراً"، بينما يردّ على الصنف الرابع الذي سمّاه المتحامل ويصفه بأنّه "شخص ساء فينا ظنه وأحاطت بنا شكوكه وريبه، فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم ولا يتحدث عنّا إلا بلسان المتحرّج المتشكّك"، واصفاً ذلك الشخص بالغرور والشك كشأن كل من لا يتبع سبيل الجماعة وفكرها.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (30): الإنكار تهرباً من المسؤولية

يتابع البنا استخدام المفردات الدالة على كنه خطابه الحدي المتعالي على إيمان "الآخرين" ومزكياً إياه لدى أتباعه؛ "والفرق بيننا وبين قومنا في الإيمان أنّه عندهم إيمان مخدّر نائم في نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا على حكمه، ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنّه إيمان ملتهب مشتعل قوي في نفوس الإخوان المسلمين".

 

استهداف روابط الوطنية

يتحدث البنا بعد ذلك في نفس الرسالة تحت عنوان "وسائل" مركّزاً على دور الدعاية واستخدام فنون هذا العصر في التواصل، مدركاً لأهميتها في الدعاية للدعوات والأفكار؛ كالمجلات والجرائد والمسارح والسينما والراديو، فيقول "لهذا كان من واجب أهل الدعوة أن يحسنوا تلك الوسائل جميعاً حتى يأتي عملهم بثمرته المطلوبة"، وقد تصوّر حسن البنا أنّه قادر بذلك على هدم كل الدعوات والأفكار لحساب دعوته باعتبار أفكاره الميزان الذي يزن بها أي دعوات "وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر وفرّقت القلوب وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا".

تعتبر الجماعة الناس مؤمنين إذا انضموا لها باعتبار الإخوان المجاهدين الذين جمعوا بين العمل والإيمان

وفي هذا السياق تقصّد البنا ضرب فكرة الوطنية التي اعتبرها مجرد ردة فعل على الاستعمار، وسعى إلى قتلها في النفوس بجعلها في مواجهة مع الدين "أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة عليه أن يبذل نفسه وماله في سبيل أدائها، تلك هي هداية البشر بنور الإسلام ورفع علمه خفاّقاً في كل ربوع الأرض".

 

ما يطرحه حسن البنا هو قتل كل الروابط الوطنية والقومية، يقول في حسم "اعلمْ، أيّدك الله، أنّ الإخوان المسلمين يرون الناس بالنسبة لهم قسمين: قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه وآمن ببعثة رسوله وما جاء به، وهؤلاء تربطنا بهم أقدس الروابط رابطة العقيدة، وهي عندنا أقدس من رابطة الدم ورابطة الأرض؛ فهؤلاء هم قومنا الأقربون، الذين نحن إليهم ونعمل في سبيلهم ونزود عن حماهم ونفتديهم بالنفس والمال في أي أرض كانوا، ومن أي سلالة انحدروا، وقوم ليسوا كذلك ولم نرتبط معهم بهذا الرباط فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا ونحبّ لهم الخير ما كفّوا عدوانهم عنا".

تقصّد البنا ضرب فكرة الوطنية التي اعتبرها مجرد ردة فعل على الاستعمار وسعى إلى قتلها في النفوس

يواصل البنا تناقضاته الفكرية حين يقول إنّ الإجماع على أمر فرعى متعذر، فكيف أجمعَ على أنّ الإمامة من أصول الدين ثم يلبّس ذلك قائلاً: "إنّ الناس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى الخليفة وشرطه الإمامة فيقضى بينهم ويرفع حكمه الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي ثم يعرضون قضيتهم عليه".

وبطبيعة الحال يرى البنا نفسه المؤهل لهذا الدور، الذي سيسعى لتحقيقه كما حدّد في ختام رسالته الذي يدور حول أركان ثلاثة: أوّلها المنهاج الصحيح الذي يدّعي أنّه أخذه من الكتاب والسنة، والعاملون المؤمنون الذي وجدهم في أعضاء الجماعة، والقيادة الحازمة الموثوق بها ويزكّي البنا نفسه بالقول "وقد وجدها الإخوان المسلمون كذلك فهم لها مطيعون وتحت لوائها يعملون".

 

الصفحة الرئيسية