
تعيش حركة النهضة التونسية أخطر مراحلها منذ تأسيسها قبل خمسة وأربعين عامًا، بعدما انتقلت من موقع الفاعل الأكثر نفوذًا داخل المشهد السياسي إلى موقع الدفاع عن بقائها التنظيمي والسياسي في مواجهة ضغوط قضائية متصاعدة وعزلة شعبية متنامية، فالتنظيم الذي مثّل لعقود الواجهة الأبرز لمشروع الإخوان المسلمين في تونس يواجه اليوم أزمة مركبة تهدد مستقبله وتضع إرثه السياسي بأكمله تحت مجهر المساءلة.
وبحسب ما أوردته تقارير ومتابعات إعلامية تونسية، تزامنت الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس الحركة مع تطورات قضائية ثقيلة، أبرزها الأحكام الصادرة في قضية «الجهاز السري»، وهي القضية التي أعادت فتح ملفات شائكة ارتبطت باسم الحركة طوال سنوات، من بينها الاختراقات الأمنية والاغتيالات السياسية وشبهات الارتباط بشبكات التطرف والتنظيمات المتشددة.
ولم تعد أزمة النهضة مرتبطة بتراجع شعبيتها أو خسائرها الانتخابية فحسب، بل أصبحت تعكس تحولًا عميقًا في نظرة قطاعات واسعة من التونسيين إلى تجربة الإسلام السياسي برمتها، بعد سنوات من الجدل حول دور الحركة في إدارة الدولة ومسؤوليتها عن جانب من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي عرفتها البلاد خلال مرحلة ما بعد 2011.
من جماعة عقائدية إلى مشروع سياسي مثير للانقسام
وتعود جذور حركة النهضة إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي عندما نشأت تحت مسمى «الجماعة الإسلامية»، قبل أن تتحول لاحقًا إلى «حركة الاتجاه الإسلامي» ثم إلى حركة النهضة. ومنذ بداياتها ارتبط اسمها بمشروع أيديولوجي مستلهم من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما جعل علاقتها بالدولة التونسية محكومة بحالة دائمة من التوتر والشكوك.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي دخلت الحركة في مواجهات متكررة مع السلطة، وسط اتهامات لعدد من قياداتها بالسعي إلى اختراق مؤسسات الدولة وتوظيف العمل السياسي لخدمة مشروع تنظيمي عابر للأحزاب التقليدية، الأمر الذي وضعها مبكرًا في قلب الصراع حول هوية الدولة وطبيعة النظام السياسي في تونس.
ورغم سنوات المنفى والملاحقات، حافظت الحركة على تماسك بنيتها التنظيمية مستفيدة من شبكات الدعم الإخوانية الممتدة خارج الحدود، وهو ما منحها قدرة على إعادة التموضع والعودة إلى المشهد كلما تبدلت الظروف السياسية.
عشرية الحكم.. سقوط خطاب «الإسلام الديمقراطي»
مع وصولها إلى مواقع القرار عقب عام 2011، سعت النهضة إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجًا مختلفًا عن بقية فروع الإخوان في المنطقة، مروجة لفكرة التوافق والديمقراطية والانفتاح السياسي. غير أن سنوات الحكم كشفت، في نظر خصومها وقطاعات واسعة من الرأي العام، فجوة كبيرة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.
وتزامنت فترة نفوذ الحركة مع أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، إلى جانب تصاعد الاستقطاب السياسي وتنامي نشاط الجماعات المتشددة، ما دفع كثيرين إلى تحميلها مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن حالة الارتباك التي عاشتها البلاد خلال تلك المرحلة.
ومع مرور الوقت تراجعت صورة الحركة باعتبارها «النموذج الديمقراطي للإخوان»، لتحل محلها اتهامات بالمحاصصة الحزبية والسعي إلى التغلغل داخل مفاصل الدولة وتوظيف النفوذ السياسي لخدمة المصالح التنظيمية، وهو ما انعكس في تراجع شعبيتها وتآكل رصيدها الانتخابي بصورة متسارعة.
«الجهاز السري».. الملف الذي طارد التنظيم وأربك قياداته
وتمثل قضية «الجهاز السري» أخطر التحديات التي واجهت النهضة في تاريخها الحديث، إذ نقلت الجدل حول الحركة من الساحة السياسية إلى أروقة القضاء، وفتحت الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن طبيعة البنية التنظيمية التي أدارت نشاطها لسنوات.
وتشير المعطيات المتداولة في الملف إلى شبهات تتعلق بوجود شبكات موازية وتحركات خارج الأطر الرسمية للدولة، فضلًا عن اتهامات مرتبطة بتكوين وفاقات ذات طابع إرهابي واستغلال شبكات نفوذ سرية لخدمة أجندات تنظيمية.
كما أعادت القضية إلى الواجهة ملفات شديدة الحساسية، من بينها الاغتيالات السياسية وملف تسفير المتطرفين إلى بؤر النزاع، وهي ملفات ظلت تمثل عبئًا ثقيلًا على الحركة وتلاحقها سياسيًا وإعلاميًا وقضائيًا.
وأدى صدور أحكام بحق عدد من القيادات البارزة، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي، إلى تعميق عزلة التنظيم وإضعاف قدرته على تسويق رواية «الاستهداف السياسي»، في ظل تزايد المطالب بكشف مزيد من الحقائق المرتبطة بمرحلة ما بعد الثورة.
انهيار القيادة التاريخية وعزلة التنظيم
ومن أبرز مظاهر الأزمة الحالية غياب معظم القيادات التاريخية عن المشهد السياسي، سواء بسبب السجن أو الملاحقات القضائية أو الإقامة خارج البلاد، وهو ما أفقد الحركة جزءًا مهمًا من قدرتها على إدارة أزماتها المتلاحقة.
ويشير مراقبون إلى أن التنظيم الذي اعتمد لعقود على مركزية القيادة التاريخية وجد نفسه أمام فراغ واضح في دوائر القرار، الأمر الذي انعكس على تماسكه الداخلي وعلى قدرته على مواجهة التحديات السياسية والقانونية المتصاعدة.
في المقابل، لم يعد خطاب «المظلومية» الذي استخدمته الحركة لسنوات قادرًا على استقطاب التعاطف ذاته الذي حظي به في مراحل سابقة، خاصة مع تراكم القضايا والاتهامات واتساع دائرة الجدل حول أداء الحركة خلال فترة وجودها في السلطة.
كما تكشف المؤشرات المتاحة عن تراجع النفوذ التنظيمي وانكماش القاعدة الشعبية واتساع رقعة الخلافات الداخلية، الأمر الذي جعل الحركة تواجه أزمتها الراهنة بقدرات أقل مما كانت تمتلكه في السابق.
هل اقتربت لحظة الحظر؟
بات الحديث عن حظر الحركة أو حلها قانونيًا مطروحًا بصورة أكثر جدية من أي وقت مضى، خاصة في ظل التطورات القضائية الأخيرة وما رافقها من نقاشات سياسية وقانونية واسعة داخل تونس.
ويرى عدد من المراقبين أن القضية لم تعد تتعلق بأداء حزب سياسي داخل الحياة الديمقراطية فحسب، بل بمدى قانونية البنية التنظيمية التي حكمت عمل الحركة طوال العقود الماضية، وبطبيعة الشبكات والهياكل التي اتُهمت بالعمل خارج مؤسسات الدولة.
وفي حال استمرت الأحكام والإدانات في التوسع، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام إجراءات قانونية أكثر تأثيرًا على مستقبل التنظيم، بما في ذلك احتمالات إنهاء نشاطه السياسي أو فرض قيود واسعة على تحركاته وهياكله.
ويتزامن ذلك مع تحولات إقليمية أضعفت نفوذ جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، وهو ما حرم النهضة من كثير من أوراق الدعم السياسي والمعنوي التي استفادت منها خلال مراحل سابقة.
ويخلص المراقبون إلى أن الحركة بعد خمسة وأربعين عامًا من الصعود والهبوط والصدامات المتكررة، تبدو أمام منعطف قد يكون الأكثر خطورة في تاريخها، فهذا التنظيم الذي مثّل لعقود أبرز أذرع الإخوان المسلمين في تونس لم يعد يواجه أزمة انتخابية أو تراجعًا في الشعبية فقط، بل يواجه أزمة شرعية سياسية وتنظيمية تتداخل فيها الاعتبارات القضائية مع التحولات المجتمعية والإقليمية.
وبين الأحكام القضائية، وتآكل القاعدة الشعبية، وتراجع النفوذ التنظيمي، وتصاعد الدعوات إلى المحاسبة والحظر، تبدو النهضة أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة استحقاق تاريخي قد يعيد رسم مستقبلها بالكامل، ويطوي صفحة واحدة من أكثر تجارب الإسلام السياسي إثارة للجدل في تونس والمنطقة العربية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85_0.jpg.webp?itok=QEuO2sEV)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_4_0_0_2_0.jpg.webp?itok=bcMsNu4F)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B9%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=ZyKoW2DS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)







![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yil65yhb0ltnpan5hqsv.jpg.webp?itok=i4xOuWNs)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)