قواعد الفكر الإخواني (30): الإنكار تهرباً من المسؤولية

الإخوان المسلمون

قواعد الفكر الإخواني (30): الإنكار تهرباً من المسؤولية

مشاهدة

15/07/2018

"لله ثم للتاريخ.. أسجل شهادتي في زمن علماء الكهنوت والتلون والرمادية؛ أنّ الإخوان على خير عظيم ونفع، أصلح الله بهم الكثير ولهم أخطاء لا تقطع ولاءهم".

فقرة من تغريدة طويلة للداعية الكويتي الإخواني، طارق السويدان، يمارس فيها طقساً سلوكياً يمارسه أفراد جماعة الإخوان وقياداتها تاريخياً، بدأب منقطع النظير، هو طقس الإنكار والتحلل من مسؤولية الأفعال، بالتزكية الصريحة والضمنية لأفكار وسلوك كلّ أعضاء الجماعة.

الداعية الكويتي الإخواني، طارق السويدان

جماعة تنتصر بأخطائها

الجماعة التي ردّد بعض أعضائها أنّها تنتصر حتى بأخطائها، تحرص دوماً على تلقين أعضائها هذا السلوك كابراً عن كابر؛ حيث بقي الآلية المفضلة لمواجهة الفشل الذي حاصر الجماعة ومشروعها الوهمي.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (29): جماعة المسلمين حكر على الإخوان

لم يرصد كثيرون حالة الإنكار التي تلبّست الجماعة، إلا بعد خروجها من حكم مصر، إثر ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، التي أطاحت بأحلامهم؛ حيث بقي خطاب الجماعة، الذي خرج عن منابرها الإعلامية في قطر وتركيا، نقلاً عن مسرح رابعة العدوية، الذي كان بمكانه وتركيبة الحضور فيه لوناً حاداً من ألوان التناقض مع المجتمع المصري، والقطيعة مع ثوابته وخصائصه الأصيلة.

خططت قيادة الجماعة إلى سحب المؤمنين بمشروعها والمتعاطفين معها، ليكونوا في مقدمة جبهة المواجهة، وعبر عملية غسيل  أدمغة مكثفة وممنهجة وخطباء مختارين بعناية رغم المظهر العشوائي الذي قصدت الجماعة أن يبدو المشهد عليه.

حالة فريدة من الانقطاع

تم تعزيز حالة القطيعة مع المجتمع المصري، بكل مؤسساته ووسائل إعلامه؛ بل والانقطاع عن العالم كله، ووسائل الإعلام الدولية، التي حرصت الجماعة على وسم من لا يتبنى منها أجندتها بأنّها هي الأخرى جزء من مؤامرة كبيرة على المشروع الإسلامي للجماعة، الذي ترتعد منه فرائص القوى الكبرى في العالم!

الجماعة التي ردّد بعض أعضائها أنّها تنتصر حتى بأخطائها تحرص دوماً على تلقين أعضائها هذا السلوك

وعبر الدعاية المكثفة وحملات التشويه الممنهج لكل الأصوات الإعلامية المتمايزة عن خطاب الجماعة، لم يعد المجتمعون في "رابعة" يسمعون سوى خطاب الجماعة الذي كرّس حالة فريدة من الانقطاع، وإنكار كلّ ما يحدث في الواقع.

فمحمد مرسي، الرئيس الإخواني المعزول، المتهم بالتخابر مع دولة أجنبية، سيعود للقصر بعد 48 ساعة، وجنود المارينز يقتربون من السواحل المصرية لإعادة الرئيس المنتخب.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (28): الوطنية انتماء للتراب

يعلو التكبير ميدان رابعة وتتواصل دعاية الجماعة في أنّ عودتها للحكم تقترب، وتسمع عبارات من قبيل "الانقلاب يترنح"، في إشارة إلى ثورة 30 يونيو، بالتعريف الإخواني، الذي يأتي هو الآخر لوناً من ألوان الإنكار اللفظي لحدث بصرفه عن حقيقته عبر استخدام لفظ آخر في وعي الإخوان وحدهم.

ظلوا يرددون في قنواتهم بالدوحة وإسطنبول أنّ مرسي صامد في محبسه وسيعود

بحور الدعاية السوداء

ظلّ الإخوان ينكرون كل ما جرى عبر خمسة أعوام كاملة، انتهت فيها ولاية مرسي التي لم تكتمل، عبر إجراءات دستورية وقانونية، وانتخاب رئيس جديد لدورتين، فيما تتواصل دعاية الإخوان عن انقلاب يتداعى وشرعية مرسي التي تتأكد.

غرق الإخوان في بحور من الدعاية السوداء، التي تتحدث عن واقع آخر مغاير تماماً لما يعيشه المصريون والعالم، وظلوا يرددون مع مذيعي "التوك شو" في قنواتهم، في الدوحة وإسطنبول، أنّ الرئيس مرسي صامد في محبسه وسيعود.

لم تنكشف حالة الإنكار التي تلبّست الجماعة مثلما حصل بعد خروجها من حكم مصر

تلخّص تلك المشاهد، التي تابعها العالم عبر وسائل الإعلام، جانباً من حالة الإنكار التي عاشتها قيادات الجماعة، التي ظلت تصف كل ما جرى بالبطلان، وأنّهم عائدون للحكم، وظلّ كثير من أعضاء الجماعة يخادعون أنفسهم بتلك الدعاية، أو المخدر النفسي الذي حرصت قيادات الجماعة على تقديمه بانتظام لهم، بالشكل الذي قد يعتقد معه البعض أنّ حالة الإنكار تلك تعكس عرضاً نفسياً جماعياً، ربما بسبب صدمة الخروج السريع من الحكم لجماعة منّت نفسها بوجود طويل في حكم مصر، يكافئ أعوام عمرها، لكنّ التاريخ يقول إنّ عرض الإنكار لازم الجماعة منذ النشأة.

تهيئة احترازية

عندما يقول حسن البنا لأعضاء الجماعة في مطلع الأربعينيات، وقبل الصدام مع أية حكومة، أو اعتقال أحد من أعضائها أو قيادتها: "ما تزال دعوتكم مجهولة بين الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها، ستلقى منهم عداوة شديدة، وستدخلون في طور الابتلاء، وستعذّبون، وتعتقلون، وتطردون من أعمالكم، وقد يطول بكم زمن هذا الامتحان".

طالما ردّد الإخوان دون ملل أنّهم دعوة الحق في مواجهة عالم توافق كله على الباطل

يريد البنا أن يصرف أذهان الأعضاء عن أنّ ما سيلاقونه بفعل الصدام مع الحكومات والأنظمة، هو جزاء مكافئ لجريمتهم، يريد تعويدهم على حالة الإنكار في مواجهة الفعل، والتملص من المسؤولية، فعندما ترتكب جريمة، الطبيعي أن تنال العقوبة المناسبة برضا وتسليم، لكنّه يريد تحصين أتباعه من التفكير فيما يفعلونه أو يتورطون فيه من جرائم، بأنّ يقول لهم إنّ إدراك الآخرين لما تفعلونه سيجلب لكم العقوبات والمشكلات، ساعتها لا تقعوا في اتّهام النفس بارتكاب الخطأ؛ بل الخطأ سيبقى عند من عاقبكم لأنّكم دعاة حق وهم دعاة باطل، وهكذا تمضي مسيرة الإخوان، فترتكب الجماعة كل الخطايا والجرائم التي تعود عليها بالنكال والعقوبات، من كل حكومة ونظام سياسي ملكي أو جمهوري، دون أن تقف لحظة وتتهم نفسها.

مناكفة التاريخ

بدأت الجرائم بتشكيل تنظيم سري على خلاف الدستور والقانون، يعمل كدولة داخل الدولة ينازعها اختصاصاتها، ويهدف للقفز على الحكم في اللحظة المناسبة.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (27): براغماتية العلاقة مع الغرب

أنشأ هذا التنظيم السرّي ميليشيا عسكرية سمّاها النظام الخاص، ظلت جرائمها قيد السرية، ولم يعرف أحد من أعضاء الجماعة، من جناح التنظيم المدني، شيئاً عن جرائمها، ولم يعترف الإخوان أبداً بجرائم النظام الخاص، الذي أفصح حسن البنا عن هدفه الحقيقي من تأسيسه، عندما كشف تصفح مكتبته الشخصية عن إعجابه بفرقة الفتوة التي نشأت في العصر العباسي، لتكون تشكيلاً عسكرياً سرياً جاهزاً لاستغلال أية فوضى تضرب الحكم للقفز إلى سدة الخلافة.

لم يضمن التنظيم للإخوان البقاء إلا عبر تربية عناصره على ممارسة الإنكار

شكل البنا هذا الجهاز السري ليلعب هذا الدور، ولم يعرف أحد السرّ؛ حيث بقي الإخوان يتحدثون على هذا التنظيم باعتباره ذراع الجماعة العسكري الذي حارب اليهود والإنجليز في فلسطين، ولم يعترف أحد من أعضاء الجماعة بجرائمه، رغم اعتراف بعض قيادتها في الداخل المصري بجرائمهم، التي نالت من أحد أعضاء التنظيم نفسه المهندس سيد فايز، الذي قتل بطرد حلوى مفخخ هو وطفلة جارته.

لم يعترف الإخوان بأنّ إصرارهم على الجمع بين الدعوة والسياسة أو الحكم كان مشياً على خطين لا يلتقيان، وكأنّهم لم يقرأوا أبداً كتاب التاريخ.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (26): غياب نهج المراجعة

ظلّ الإخوان يرددون دون ملل نحن دعوة الحق في مواجهة عالم توافق كله على الباطل، وسنبقى نحن ننافح عن الحق، دون أن يقفوا لحظة ليتعرفوا حقيقة أنفسهم، فضلاً عن التعرف إلى الواقع والتاريخ، لذا؛ بقيت كل نتائج أفعالهم لا تدفعهم إلى اتهام النفس أو التفكير في أفعالهم أو مآلاتها.

الشعوب تعرض عنهم وتكرههم؛ لأنها شعوب جاهلة بحقائق دينها، هذا هو لسان حال الإخوان، ألم يقل البنا لهم: "سيقف جهل الشعب بحقيقة دعوتكم عقبة في طريقكم"، الأزمة في الناس والمجتمع إذاً! وليس في الإخوان أو أفكارهم وهذا ذاته ما ردّده السويدان في تغريدته.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (25 ): طبقية تكشف فصام الجماعة

والأنظمة السياسية، ملكية كانت أم جمهورية، تعاديهم لأنها تخشى من نجاحهم في تحقيق الرفاهية والتقدم، وواقعهم في كلّ البلدان التي شاركوا في حكمها أو حكموها منفردين، أسطع من رابعة النهار، أما العالم الذي يتهمهم بأنهم حركة غير واقعية، ترزح في الوهم وتتجاهل الواقع، ولا تعرف إمكاناتها، ولا تدرك تعقيدات العالم، فهم يتهمونهم بأنهم كارهون للدين ولأهله، يباشرون عداوتهم التي حدّث عنها القرآن: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اَلْيَهُوْدُ وَلا اَلْنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.

جدال لا يتوقف

جدال لا يتوقف، من كل إخوانيّ بصدق، فهو يتمترس خلف مقولات القيادة، يردّدها دون كلل أو ملل، فلا يترك نفسه للتفكير الحرّ لحظة، وإلا غادر أسوار الجماعة وجنتها.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (24): العزلة الشعورية عن المجتمع

لم يضمن التنظيم للإخوان البقاء إلا عبر تربية عناصره على ممارسة الإنكار، الذي يضمن عدم اتهام الجماعة لأفكارها أو مشروعها أو سلوكها، لن يعترف الإخوان أبداً بخطأ، فهم أهل الحق الذين لا يتلبسون بخطأ أو نسيان، ومهما خاصمهم الواقع والتاريخ والتجربة، فسيبقون يتهمون الجميع إلا أنفسهم، معتصمين بالإنكار سبيلاً للبقاء، ولن يفتحوا باباً يخرج منه الأعضاء بالتفكر أو التأمل، في الأفعال أو المآلات، أو مسؤوليتهم عن شيء من ذلك.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية