"الآيلتس"... حين يتحول شرط أكاديمي إلى جدار يحاصر أحلام طلبة غزة

"الآيلتس"... حين يتحول شرط أكاديمي إلى جدار يحاصر أحلام طلبة غزة

"الآيلتس"... حين يتحول شرط أكاديمي إلى جدار يحاصر أحلام طلبة غزة


13/08/2026

في غزة، لم يعد امتحان اللغة الإنجليزية المعروف بـ "الآيلتس" مجرد اختبار أكاديمي يثبت قدرة الطالب على التواصل باللغة، بل تحول بالنسبة إلى كثير من الطلبة إلى بوابة مغلقة تقف خلفها المنح الدراسية والجامعات وفرص التعليم التي يحلمون بالوصول إليها.

وبينما تتطلب برامج ومنح دولية الحصول على شهادة لغة معترف بها، يجد الطلبة أنفسهم أمام امتحان يحتاج إلى رسوم مالية، ومراكز مجهزة، واتصال مستقر بالإنترنت، وبيئة تعليمية هادئة، وهي شروط تبدو في القطاع المحاصر أقرب إلى الرفاهية منها إلى متطلبات الدراسة الطبيعية.

ووفق اليونسكو، أجبر 88 ألف طالب من طلبة التعليم العالي في غزة على تعليق دراستهم منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وذكرت المنظمة أنّ نحو 745 ألف طالب في غزة ظلوا خارج التعليم لأكثر من عامين دراسيين. 

وبحسب تقييم أجرته اليونسكو ووزارة التربية والتعليم العالي وAWRAD شمل 21 مؤسسة للتعليم العالي و38 حرماً جامعياً في غزة، خلص إلى أنّ 95% من حُرُم التعليم العالي تضررت؛ منها 22 حرماً دُمّرت بالكامل و14 تعرضت لأضرار متفاوتة. 

وتشير اليونسكو إلى أنّ مساحات التعلم المؤقتة التي تدعمها في غزة توفر خدماتها الرقمية والنفسية لأكثر من 10 آلاف طالب، بينما يستهدف الحرم الافتراضي لغزة نحو 20 ألف طالب من طلبة التعليم العالي. وهذا يعكس حجم الاعتماد المتزايد على التعليم الرقمي في ظل تدمير البنية التعليمية التقليدية. 

وفي تقرير للأمم المتحدة، أشارت OCHA إلى أنّ انقطاعات الاتصال بالإنترنت كانت تحد من فرص التعلم عن بُعد في غزة، وأدت أزمة الوقود إلى تعطيل جزء من الاستجابة التعليمية. وهذه النقطة مهمة جداً عند الحديث عن التحضير لامتحان IELTS الذي يعتمد جزء كبير من تدريبه على المصادر الرقمية. 

حلم يصطدم بالآيلتس

تقف الشابة الغزية سارة سمور (23 عاماً) أمام حلم دراسي يزداد تعقيداً مع كل منحة جديدة، إذ تصطدم بشرط شهادة "الآيلتس"، في وقت تعجز فيه عن تأمين إنترنت وكهرباء مستقرين للتحضير لامتحان يتطلب تدريباً متواصلاً وممارسة يومية.

وتقول سمور إنّها أمضت أشهراً في البحث عن منح دراسية، وأعدت سيرتها الذاتية وخطابات التوصية وبياناتها الشخصية، لكنّها كانت تصطدم مراراً بشرط اللغة، مبينة أنّ عبارة "يشترط تقديم شهادة IELTS" كانت كفيلة بتحويل حماسها إلى شعور بأنّ سنوات الدراسة والاجتهاد قد تتعطل بسبب وثيقة واحدة لا تستطيع توفيرها".

ولا تقتصر العقبة على التحضير للامتحان، إذ تشكل رسومه عبئاً إضافياً على أسرتها التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية، وتوضح سمور أنّ "دفع رسوم امتحان قد تضطر إلى إعادته، أو قد لا تتمكن أصلاً من الوصول إلى مركزه، أصبح قراراً مالياً يفوق قدرة كثير من العائلات الغزية".

وزادت أزمة الكهرباء وضعف الإنترنت من صعوبة الاستعداد للآيلتس، إذ تعتمد مواد التدريب على الاستماع والدروس الإلكترونية والاختبارات التجريبية، وتكمل سمور: "إنّها تضطر لاستغلال فترات الاتصال القصيرة لتحميل المواد، ويتكرر انقطاع الدروس بسبب ضعف الشبكة أو نفاد شحن الأجهزة، مؤكدة أنّ المشكلة ليست في غياب الرغبة بالتعلم، بل في غياب الظروف التي تتيح ذلك".

حلم يواجه الحرب واللغة

وترى سمور أنّ الحرب لم تحرم الطلبة في غزة من جامعاتهم ومدارسهم فحسب، بل أضعفت قدرتهم على المنافسة في المسارات التعليمية الدولية، وتوضح "أنّ طالباً خارج غزة يستطيع الالتحاق بمراكز التدريب وإعادة الامتحان، بينما يخوض طلبة القطاع المحاولة ذاتها وسط النزوح والخوف وانعدام الاستقرار، مطالبة بتفهّم الظروف الاستثنائية التي يدرسون فيها".

وتستعيد سمور تجربة منحة شعرت أنّها كانت مناسبة تماماً لها، بعدما امتلكت المعدل والخبرة والأنشطة المطلوبة، لكنّها اصطدمت في النهاية بشرط اللغة،  وتتابع أنّ "أكثر ما يؤلمها أنّها لم تُستبعد بسبب ضعف أكاديمي، وإنّما لعدم امتلاكها شهادة تثبت مستوى اللغة".

وترى سمور أنّ "برامج المنح الموجهة للطلبة المتأثرين بالحروب مطالبة بإيجاد بدائل مرنة لشرط اللغة، مثل المقابلات الشخصية أو الاختبارات الإلكترونية المجانية، أو قبول شهادات بديلة ومنح الطلبة المقبولين مهلة لاستكمال المتطلبات، موضحة أنّ الاستثناء يجب أن يراعي واقع الطلبة في غزة".

ورغم الإحباط، تتمسك سمور بحلمها وتواصل دراسة الإنجليزية بما يتوافر لها من إمكانات، وتحتفظ بملفات المنح التي تعذر عليها التقدم إليها، وتؤكد أنّ "خشيتها الكبرى هي أن يسبقها الوقت، وأن تتحول كل سنة جديدة إلى فرصة ضائعة، مؤكدة تمسكها بالتعليم ورغبتها في العودة لخدمة مجتمعها، وألّا تسمح للحرب بأن تدمر مستقبلها كما دمرت كثيراً من تفاصيل حياتها".

الآيلتس يعطل حلم المنحة

ويعيش الشاب محمد شعبان (23 عاماً) هذه التجربة منذ أشهر، بعدما بدأ البحث عن منحة دراسية تمكنه من استكمال تعليمه خارج القطاع، ويقول: "كنت أظن أنّ معدلي الجامعي وخبرتي والأنشطة التي شاركت فيها ستكون كافية للمنافسة، لكنني اكتشفت أنّ شهادة الآيلتس أصبحت شرطاً قد يوقف الطلب كاملاً، مهما كانت بقية مؤهلاتي".

ويشير شعبان إلى أنّ الاستعداد للاختبار في ظل الحرب يختلف جذرياً عن الظروف الطبيعية، موضحاً: "لا أملك مكاناً هادئاً أستطيع الدراسة فيه لساعات، والكهرباء والإنترنت غير مستقرة، وغالباً أبدأ درساً أو اختباراً تجريبياً، ثم ينقطع الاتصال، فأفقد التركيز والوقت معاً، فالمشكلة ليست في صعوبة الإنجليزية فقط، بل في استحالة توفير الظروف اللازمة للتدرب عليها".

ويضيف أنّ الجانب المالي يشكل حاجزاً آخر أمام الطلبة، قائلاً: "رسوم الامتحان ليست مبلغاً بسيطاً، وإذا لم أحصل على الدرجة المطلوبة من المحاولة الأولى، فإنّ إعادة الاختبار تعني تكلفة جديدة، وهذا يجعلني أتردد حتى في خوض التجربة".

ويستذكر شعبان لحظة اصطدامه بشرط اللغة في إحدى المنح، قائلاً: "وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أنّ المنحة قريبة مني، فقد كنت أستوفي معظم الشروط، لكنني عندما قرأت ضرورة تقديم شهادة IELTS أدركت أنّ الطريق قد يتوقف هنا، وكان مؤلماً أن أشعر بأنني قد أخسر فرصة دراسية لا بسبب معدلي أو قدراتي، وإنّما بسبب شهادة لم أستطع الحصول عليها".

يتمسك بحقه في فرصة عادلة

ولا يرى الشاب أنّ طلبة غزة يطالبون بإلغاء معايير اللغة، بل بإيجاد آليات أكثر عدالة تراعي ظروفهم، ويوضح: "نحن لا نقول إنّ اللغة غير مهمة، بل نريد فرصة لإثبات مستوانا بطرق أخرى، مثل مقابلة إلكترونية أو اختبار مجاني، أو السماح لنا باستكمال الشهادة بعد القبول، فالظروف التي نعيشها ليست اختياراً، ولذلك يجب ألّا تتحول إلى عقوبة أكاديمية".

ويؤكد شعبان أنّ الحرب خلقت فجوة متزايدة بين طلبة غزة ونظرائهم في الخارج، ويتابع: "الطالب في مكان مستقر يستطيع الالتحاق بدورة، والتدرب يومياً، والتقدم للامتحان أكثر من مرة، أمّا نحن فنحاول الدراسة وسط النزوح والخوف وانقطاع الكهرباء والإنترنت، لذلك لا يمكن مقارنة فرصنا بفرص طالب يعيش في بيئة تعليمية مستقرة".

ورغم العوائق، يتمسك شعبان بحلمه، ويواصل تعلم الإنجليزية، مؤكداً: "قد أتعثر بسبب الحرب، لكنني لا أريد أن أتوقف بسببها، وحلمي أن أكمل دراستي وأحصل على فرصة حقيقية مثل أيّ طالب آخر، فلا نطلب طريقاً أسهل، وإنّما نطلب ألّا تتحول الظروف التي فرضت علينا إلى جدار يمنعنا من الوصول إلى مستقبلنا".

عائق قسري أمام طلبة غزة

من جهته، يؤكد مدير مركز "مسار للغات" أحمد حمدان أنّ "شرط الآيلتس بات عائقاً حقيقياً أمام شريحة واسعة من طلبة غزة، لا لضعف كفاءتهم اللغوية، بل بسبب الحرب التي حرمتهم من بيئة التحضير المناسبة ومن القدرة على تحمل تكاليف الاختبار، ممّا يؤدي إلى خسارة منح دراسية رغم امتلاكهم المؤهلات الأكاديمية".

ويشير حمدان إلى أنّ "انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت واضطراب العملية التعليمية، إلى جانب نقص الأجهزة ومواد التدريب وارتفاع كلفة الدورات والامتحان، تجعل التحضير للآيلتس أكثر صعوبة، خصوصاً أنّ مهارات الاستماع والمحادثة تتطلب ممارسة منتظمة وبيئة تعليمية مستقرة يصعب توفيرها في ظروف النزوح".

ويوضح أنّ "الظروف الراهنة أضعفت قدرة الطلبة على الاستعداد المنتظم للاختبار، حتى لدى من يمتلكون أساساً جيداً في الإنجليزية، إذ يحتاجون إلى تدريب مكثف على نمط الامتحان وإدارة الوقت، مبيناً أنّ المشكلة لا تكمن في قدراتهم، بل في غياب الاستمرارية والموارد والبيئة التعليمية المستقرة".

ويطالب حمدان الجامعات والجهات المانحة بمرونة أكبر، عبر اعتماد اختبارات بديلة أو مقابلات لغوية إلكترونية، أو منح قبول مشروط يتيح استكمال شرط اللغة لاحقاً، إلى جانب توفير منح مجانية للامتحان ودورات تحضيرية، مؤكداً أنّ معيار القبول يجب أن يقيس قدرة الطالب على مواصلة الدراسة، لا أن يعاقبه على ظروف قهرية خارجة عن إرادته".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية