قواعد الفكر الإخواني (29): جماعة المسلمين حكر على الإخوان

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
7658
عدد القراءات

2018-07-05

على عادة غالبية الجماعات الحركية في التعسف في فهم النصوص الشرعية، توسّع الإخوان المسلمون في صكّ بعض المفاهيم التي اعتمدت فكرة التلبيس الشرعي، والتأويل المغلوط لآيات الذكر الحكيم، والسنّة النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم، في سبيل تكريس احتكار المشروعية الدينية للجماعة.

جماعة المسلمين لم تعد قائمة!

من تلك المفاهيم الخطيرة التي اعتمدها الإخوان في التنظير لشرعية الوجود والمسعى، أنّ جماعة المسلمين لم تعد قائمة منذ انتهاء الخلافة، التي عدّوها فريضة الإسلام الكبرى الغائبة، التي يأثم من لا يسعى لاستعادتها، حيث لا فرق لدى الإخوان بين خلافة أبي بكر، رضي الله عنه، أو خلافة عبد الملك بن مروان، أو هارون الرشيد، أو حتى خلافة عثمانية يقودها عبدالمجيد أو عبد الحميد، كل تلك الأشكال من الحكم هي أشكال تمثّل جماعة المسلمين التي تنبغي استعادتها امتثالاً لتوجيهات الإسلام، وتمكيناً للشريعة الغائبة، ما دامت تضمن وجودهم في الحكم.

يعتمد الإخوان في التنظير لشرعية الوجود والمسعى أنّ جماعة المسلمين لم تعد قائمة منذ انتهاء الخلافة

من تلك الكتابات التي توسّل بها الإخوان؛ كتاب منسوب لباحث يمني حاز درجة الماجستير من جامعة بالمملكة العربية السعودية، في نهاية السبعينيات، قبل أن تطبع الجماعة تلك الرسالة في كتاب تحت عنوان "الطريق لجماعة المسلمين"، الكتاب ينطلق من تلك الفرضية التي نتحدث عنها؛ وهي غياب جماعة المسلمين، أو الكيان السياسي الذي يجسّد وحدة أبناء الدين الواحد، في قفز على تطور واقع الناس والدولة وبروز الدولة الوطنية التي طوت تاريخ الدولة الدينية في الشرق أو الغرب.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (28): الوطنية انتماء للتراب

يتجاهل الكتاب، أو البحث، هذا الواقع، مؤكداً أنّ جماعة المسلمين هي "الجماعة التى تتبرأ من كلّ الحكومات، ولا تعترف بالدول التي لا تحكم بالإسلام"، وهو ما ينفصل عن منطق سعيد حوى، أحد منظري الجماعة، الذي يقول في كتابه "المدخل لجماعة الإخوان المسلمين": "وبما أنّ ولاة الأمر في الأمة اليوم، بين كافر أو منافق أو فاسق، لا تصح موالاتهم، فأقرب جهة يجب أن يعطيها المسلم ولاءه هي أكمل الجماعات الإسلامية الموجودة في عصرنا الحاضر"، وهو ما يصل بالقارئ أو المستهدف بالتجنيد إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي تتحقق فيها، بحسبهم، شروط جماعة المسلمين؛ فالسلفيون وجماعاتهم يهتمون بأمور التوحيد والعقيدة وتشغل لديهم الجانب الأكبر، بينما يهملون فقه الدعوة وفقه الحركة، ولا يجيدون قراءة الواقع، بحسب الإخوان، بينما الجهاديون يستعجلون المواجهة مع الأنظمة، ويبدّدون طاقاتهم في معركة خاسرة، كان هذا وصف الإخوان لسلوك الجماعة الإسلامية في مصر قبل مبادرة وقف العنف.

المفارقة أنّ الإخوان بعد "ثورة 30 يونيو" العام 2013 تورّطوا فيما هو أبعد من سلوك الجماعة الإسلامية؛ عندما أطلقوا طاقة عنف في المجتمع المصري، عبر كياناتهم المسلحة؛ كحسم، ولواء الثورة، وغيرها من عناوين عنف أسموه عمليات نوعية.

تفسيرات تخدم أهداف الجماعة

تتوالى المصادر التي تؤكد ما ورد في كتابات مثل: "الطريق لجماعة المسلمين" وكتاب "المدخل" لسعيد حوى، وكتاب عبد الله عزام "الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية"؛ الذي حمل اسماً حركياً للمؤلف هو "صادق أمين"، الذي يغزل على المنوال نفسه، منطلقاً من تفسير مغلوط للآية 104 من سورة آل عمران: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ  وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

الإخوان تورّطوا فيما هو أبعد من سلوك الجماعة الإسلامية عندما أطلقوا طاقة عنف في المجتمع المصري

تتحدث الآية عن بعض أدوار داخل الدولة الحديثة لوظيفة الدعوة والإرشاد، وتعهد حالة الامتلاء الروحي لدى المجتمع، عبر هيئة تنهض بتلك الوظيفة، فتجسد بحالها ومقالها وسلوك أبنائها القدوة للناس في أخلاقهم وسلوكهم، عبر فئة الدعاة، تلك الوظيفة التي أصبحت تنهض بها الدولة في واقعنا، عبر إنفاقها على المساجد ومنابر الدعوة وتأهيل الدعاة عبر المؤسسات الدينية الرسمية، التي تقدم الداعية المسلح بأدوات العصر المشتبك مع قضايا مجتمعه، المعني بمساعدة الناس في تهذيب سلوكهم ليكونوا أكثر تجسيداً لما تحدث عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، القائل: "إنّما بُعِثْتُ لِأُتَمّمَ مَكَارِمَ الأَخلاقِ".

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (27): براغماتية العلاقة مع الغرب

يختطف الإخوان وغيرهم هذا الدور، ليجعلوا الآية الكريمة محرّضة على تشكيل كيان حركي يتناقض مع مسيرة المجتمع، ويقسم فئاته بين كافر ومنافق، مقابل فئة واحدة مختارة، يعدّ أفرادها أنفسهم جماعة المسلمين الداعية إلى صحيح الدين، والمستقيمة على أحكامه.

 

 

التغذي على العزلة الشعورية

تزخر كتابات الإخوان بتلك المقولات التي تتغذى على العزلة الشعورية والوجدانية، التي أصّلتها كتابات حسن البنا وسيد قطب، من قبيل ما يقوله البنا لأتباعه: "أنتم صحابة رسول الله، ولا فخر، وحملة لوائه من بعده"، بينما يتحدث سيد قطب عن الجيل القرآني الفريد، الذي يعيد تجسيد الإسلام في الواقع، بعد أن غاب.

تزخر كتابات الإخوان بالمقولات التي تتغذى على العزلة الشعورية والوجدانية وأصّلتها كتابات البنّا وسيد قطب

يحاجج كلّ من سيد قطب والبنا بأنّ الإسلام لم يعد موجوداً، وأنّ الأمل معقود على جماعة الإخوان في استعادته، عبر تلك الجماعة المسلمة التي تسمّي نفسها "الإخوان"، بطبيعة الحال؛ وعندما يُسأل الإخوان: هل أنتم جماعة المسلمين؟ يقولون بمراوغة وتقية اعتادوها: لا نحن جماعة من المسلمين، لكننا نسعى إلى إيجاد جماعة المسلمين الغائبة، التي لا توجد لديهم إلا عبر دولة يحكمونها.

 

 

تكفير ضمني

تحفل كتابات الإخوان بما يزكي إيمان أعضاء الجماعة، ويجعلهم فوق المجتمعات التي يعيشون فيها؛ حيث يشعر الإخوان بدونية هذا المجتمع في التصور والسلوك، مقارنة بهم هم؛ فهم الأقدر على فهم الإسلام، والأكثر استقامة على مراده وأحكامه، فالإيمان بهذا الدين لديه إيمانان، كما يزعم البنا: "والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ؛ أنّه عندهم إيمان مخدر نائم في نفوسهم، لا يريدون أن ينزلوا على حكمه، ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين".

تحفل أدبيات الجماعة بما يزكي إيمان أعضائها ويجعلهم فوق المجتمعات التي يعيشون فيها

ورغم أنّ الإيمان مسألة قلبية لا يراه إلا الله، إلا أن البنا يعطي نفسه هذا الحق الإلهي، فيجعل أتباعه أصحاب الإيمان الحق الحي الصحيح، بينما الآخرون ممن لا ينتمون إلى جماعته، إيمانهم ميت أو مخدّر، لا قيمة له.

يحتقر الإخوان إيمان الناس، بينما يزكّون إيمانهم هم، باعتبارهم من يمثلون جماعة المسلمين، الأمر الذي ينطوي على تكفير ضمني لمن لا يشاركهم التصوّر أو الأفكار، يفعل الإخوان ذلك بلا تحفظ أو تفكير، فاعتقاد العضو الإخواني بأنّ الأبواب إلى الله لا تمر عبر جماعته حصراً، وأنّه تعالى أعلم بمن اتّقى، سيضع الجماعة في عينيه في حجمها الطبيعي؛ جماعة تطرح شكلاً من أشكال متعددة للتدين، جماعة من المسلمين تقترب أو تبتعد من حقائق الدين، لكنها قطعاً ليست جماعة المسلمين، فهذا مصطلح فقهي سياسي أبعد بكثير مما يعتقد الإخوان، خاضع هو أيضاً للتطوّر.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (26): غياب نهج المراجعة

عندما يتضح الحجم الحقيقي للجماعة يصبح الانتماء إليها، أو إلى غيرها سواءً، الأمر الذي يتحسب له الإخوان ويخشونه؛ لأنّه يحول الجماعة من جماعة ربانية اختار الله لها قيادتها وأفكارها، إلى جماعة أسّسها بشر يتلبسون بالخطأ، ويستزلهم الشيطان، كما يفعل مع كلّ الخلق، تجمعهم الأطماع البشرية كما تجمعهم الأهداف الإلهية، وهو ما أكده الحقّ، تبارك وتعالى، عندما تحدث عن صحابة حول الرسول وفي حياته، بقوله تعالى: {مِنْكُم مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ"، هكذا كان الصحابة، وهكذا سيبقى الإنسان المسلم بين وحي السماء ونداءات الأرض؛ لذا سمّي إنساناً، سنّة كونية دبّرها الخالق، ويريد الإخوان أن يغيّروها بسنن تتوافق مع أهدافهم.

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: