قواعد الفكر الإخواني (27): براغماتية العلاقة مع الغرب

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
9998
عدد القراءات

2018-06-25

تبدو محاولة استقصاء حقيقة العلاقة بين الإخوان المسلمين والغرب، وتحرير حقيقتها، أمراً صعباً، بالنظر إلى تركيبة الجماعة النفسية والحركية التي حرصت على إنتاج خطاب مزدوج، يستبطن العداوة التي تنفيها دوماً الممارسات على أرض الواقع.

ازدواجية الخطاب والممارسة

يجد المراقب للعلاقات الإخوانية الغربية نفسه مرتبكاً وسط أدبيات مكتوبة تدعي العداوة، والطموح الإخواني لكيان دولي تحت راية "الخلافة"، بعد أن تتبدد وحدة معسكرات الغرب لحساب وحدة إسلامية ظلّوا يحلمون بها عبر كتاباتهم، كما ورد ضمن رسالة حسن البنا "الإخوان المسلمون تحت راية القرآن": "ما مهمتنا إذاً نحن الإخوان المسلمين؟ أما إجمالاً؛ فهي أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة، وحضارة المنافع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي، صلى الله عليه وسلم، وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمه مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد؛ بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها".

الخطاب الإخواني الصريح في عداوته مع الغرب يتجاور معه خطاب آخر مناقض في ممارسات الجماعة

تبدو العداوة راسخة، كما تؤكد مثل تلك النصوص التي تستلهم خطاباً هوياتياً، لكنّ هذا الخطاب يتجاور معه خطاب آخر في ممارسات الجماعة، كما عبّر عنه مقال النائب الثاني لمرشد الجماعة خيرت الشاطر "لا داعي للخوف منَّا" الذي نشرته صحيفة (جارديان) البريطانية في عددها الصادر في 23 تشرين الثاني ( نوفمبر)  2005، وفي هذا السياق نشر موقع "ويكيبيديا الإخوان المسلمين" تحت عنوان "الإخوان يرحبون بالحوار مع الحكومات الغربية دون شروط مسبقة أو وسيط" ما نصه: "أبدت جماعة الإخوان المسلمين انفتاحاً للحوار مع الحكومات الغربية، دون شروط مسبقة، بعد أن أعرب وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه عن استعداد بلاده للحديث مع أي حركة إسلامية التي تنبذ العنف وتقبل بقواعد الديمقراطية، بعد أن اعترف بأن الغرب وقع ضحية لخداع الأنظمة التي قامت بتصوير تلك الحركات على أنها "الشيطان"، وهو ما يمثل موقفاً لافتاً ومؤشراً قوياً على اعتراف الأنظمة الغربية بالإسلاميين بعد أن فشلت محاولات إقصائهم، ومحاولة من جانبها لإقامة علاقة مع تلك القوى ذات الثقل الشعبي والتي دأبت الأنظمة الحاكمة على استخدامها "فزاعة" للغرب لتكريس قبضتها على الحكم".

 

 

مع الإدارات الأمريكية

استكمالاً لنهج الجماعة منذ تأسيسها تحت أعين الاحتلال البريطاني لقطع الطريق على أي فعل وطني آنذاك، وبعد أن ورثت أمريكا نفوذ بريطانيا عقب انتصارها في الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف رحلات حج قيادات التنظيم الدولي إلى مؤسسات الولايات المتحدة، سواء البيت الأبيض والكونغرس، أو دوائر الخارجية والاستخبارات، دليلاً على عمق العلاقة بين الطرفين.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (26): غياب نهج المراجعة

في العاشر من كانون الثاني (يناير) الماضي؛ قدّم السناتور الجمهوري تيد كروز مشروع قانون جديد، تحت اسم "تصنيف الإخوان المسلمين منظمة إرهابية"، ودعا كروز، من ثم وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، إلى إجراء تحقيق، وتقديم تقرير للكونغرس حول الأسباب التي قد تحول دون إدراج الجماعة ضمن لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية.

نهج الجماعة منذ تأسيسها تحت أعين الاحتلال البريطاني جاء لقطع الطريق على أي فعل وطني آنذاك

وكما هو متوقع، لم يمر القانون الذي كان يستهدف تحجيم منظمة لم تعمل في الساحة الأمريكية منذ النشأة تحت اسم الإخوان المسلمين، كما كشف تقرير مجلة "فورين أفيرز"، في شباط (فبراير) الماضي، مشيراً إلى الطبيعة السرية للجماعة منذ تأسيسها، وذكر أنّ أعضاءها قدموا إلى البلاد منذ الخمسينيات والستينيات؛ حيث عمدوا في تلك الفترة إلى تأسيس واجهات متنوعة للجماعة، عبر منظمات مجتمع مدني، تتشارك أفكار الجماعة الأم في مصر نفسها، استهدفت أجيالاً من صفوف شبان مسلمين، ولدوا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ونجحت الجماعة في تسريبهم إلى بعض المواقع المهمة؛ لذلك لم يكن غريباً ما كشف عنه ستيفان جوركا المستشار السابق لترامب، عن أنّ أجندة ترامب الحاسمة في مواجهة الجماعات المتطرفة، ومنها الإخوان، قد تمت إعاقتها بفعل حضور أنصار الجماعة داخل الوكالات الحكومية والكونغرس والإعلام الأمريكي.

 

 

سياسة أفضل الأعداء

في محاولة استقصاء العلاقة بين الجماعة والغرب، يتبين أنّها مرت بمرحلتين: الأولى: كانت مع نشأة الجماعة في نهاية العشرينيات، وكانت بريطانيا هي السلطة الفعلية في مصر، التي لم تجد في نشأة الجماعة أي تهديد لمصالحها، كما لم يرشح من خطاب الجماعة حتى نهاية الثلاثينيات أي توجه سياسي عدائي تجاه بريطانيا، وهو ما أكدته كتابات البنا في تلك المرحلة. 

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (25 ): طبقية تكشف فصام الجماعة

يكشف مارتين فرامبتون، في معرض الحديث عن تاريخ العلاقات المعقدة والمشحونة بين الغرب والجماعة، عبر القراءة في وثائق المحفوظات البريطانية والأمريكية، في كتابه "الإخوان المسلمون والغرب: تاريخ من العداء والارتباط"؛ أنّ جماعة الإخوان معادية حتماً للغرب، مستدعياً ظروف نشأتها وخطابها المكتوب، الذي يبدو مؤشراً مضللاً في الحقيقة، معتمداً على موقف الجماعة المعلن من القضية الفلسطينية، وإسقاط الخلافة العثمانية، معتقداً أنّه رغم عدم توافق الغرب مع فكر أعضائها، لكنّهم ظلوا يتعاملون معها بصورة عادية، وهو ما يفسر ربما البرجماتية التي تعاطى بها الغرب الذي بدا أكثر استعداداً للدخول في حوار، بهدف التعاون والمنفعة المتبادلة، مؤكداً اعتقاده أيضاً بأنّ تأسيس الجماعة ودعمها بريطانياً، يدخل في سياق نظرية المؤامرة على حركات المد الثوري، أو أنظمة التحرر الوطني المناهضة للإمبريالية الغربية، وهو ما يؤكّده سياق علاقة الجماعة مع النظام الناصري، الذي كان الإخوان أهم أدوات استنزافه وإضعافه لحساب الغرب بطبيعة الحال.

منذ قدوم الإخوان إلى أمريكا في الخمسينيات والستينيات عمدوا إلى تأسيس واجهات متنوعة تحت مظلة المجتمع المدني

وهو ما عبرت عنه الفترة، من 1928 وحتى 1952، حيث سيطرت البراغماتية، رغم قناعة الإنجليز بأنّ الإخوان متناقضون مع مصالحهم، إلا أنّ ذلك لم يحل دون تطوير العلاقة المتبادلة، التي عدّها تندرج تحت سياسة أفضل الأعداء، التي أقرتها بريطانيا كمبدأ حاكم لإستراتيجياتها في مستعمراتها في الشرق الأوسط، خصوصاً مع ما أبداه البنا من قدرات سياسية ودهاء في توظيف التناقضات بين القصر والأحزاب، ما ساهم في الحقيقة في شلّ فعالية العمل الوطني لحساب الإنجليز.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (24): العزلة الشعورية عن المجتمع

في المرحلة الثانية؛ وفي ظلّ ما أسماه فرامبتون، العصر الأمريكي، لم تستطع واشنطن تجاهل الجماعة وأنشطتها؛ حيث ميزت داخل الجماعة بين تيارين: المتشددين الذين تبنوا منطق العداء السافر، أو المعتدلين الذين آمنوا في أعماقهم بإستراتيجية الاختباء في معسكر الأعداء، تلك التي ابتدعها البنا صيغة للعلاقة مع الإنجليز في حياته، والتي تعتمد فكرة تقبيل يد العدو بديلاً عن قطعها، وهو ما طوره جيل آخر من قيادات الإخوان، اعتمدوا فكرة الانتشار في المجتمع الأمريكي، واختراق مؤسساته، ما صنع دوراً للجماعة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)؛ حيث عدّها الأمريكيّون، خصوصاً الإدارة الديمقراطية في ولاية أوباما، حزاماً مانعاً للتطرف، الأمر الذي تطور لدى الأمريكيين بعدها إلى اعتبارهم بديلاً لأنظمة حكم وطنية، قد يبدون ساعتها أكثر قدرة على تعويم سياسات أمريكية جديدة للمنطقة.

عقب أحداث 11 سبتمبر اعتبرت الإدارة الديمقراطية الإخوان حزاماً مانعاً للتطرف وبديلاً لأنظمة حكم وطنية

هذا الخيار تبنّته إدارة أوباما؛ حيث بلغ مستوى التنسيق بينها وبين الجماعة، حداً دفع خيرت الشاطر، المقبول أمريكا، إلى إعلان ترشحه لرئاسة مصر، مخالفة لقرار مجلس شورى الجماعة، والتأكيد على الدعم الأمريكي للجماعة في حكم مصر، وهو الأمر الذي لم يتأثر في وعي أفراد الجماعة بعد إقصائها شعبياً في ثورة 30 يونيو؛ حيث ارتفعت صيحات التكبير من الأعضاء في اعتصام رابعة العدوية، عندما أكّد أحد المتحدثين على منصة رابعة اقتراب السفن الحربية من السواحل المصرية، ودخول المارينز لإعادة الرئيس الإخواني محمد مرسي للحكم، الأمر الذي كشف روحاً عامة من العداء للوطن داخل الصف الإخواني، لم تقف عند قيادات مسيّسة داخل الجماعة؛ بل  تشرّبها الصف الإخواني، الذي ارتاح  بعد 30 يونيو، في معرض يأسه من الشعور الجماهيري المعاكس لطموحاته، في اعتماد تفسير يقول إنّ المشكلة في الشعب المصري، وإنّ عدداً من أعضاء الإخوان منحازون للديمقراطية إلى حدّ يأسهم من المواطنة المصرية، والتطلع للمواطنة التركية ليكونوا جنوداً لأردوغان، بعد أن فشلوا في أن يكونوا جنوداً له ولمشروعه من داخل مصر.

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: