فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة

فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة

مشاهدة

23/05/2019

يمثل أبو بكر الرازي منعطفاً فلسفياً تاريخياً بين الفارابي وابن سينا، كونه وضع فلسفته على أساس من الاختبارات العملية في الطب والكيمياء، فقد صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
وكونه كان جريئاً في إبراز آرائه، وفق ما يرى حسين مروة في كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، فقد قاده إلى أن يُنعت بـ (الملحد)، ويُحارَب من السلطة الرسمية، ومن الإسماعيلية على حد سواء. كما أهّله هذا الدور لأن يكون حامل لواء العقل والعقلانية في محاجّاته الكلامية، وتلاسناته الساخرة ضد السلطة، كما يذهب إلى ذلك محمد إبراهيم نقد.

كونه كان جريئاً في إبراز آرائه فقد نُعت أبو بكر الرازي بـ (الملحد) وحورب من السلطة الرسمية

ينتسب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي إلى مدينة الرَّي بالقرب من طهران التي أبصر النور فيها سنة 250هـ (864م)، وكان منذ طفولته، كما تذكر المراجع التاريخية، محبًّا للعلم والعلماء، فدرس في بلدته "الري" العلوم الشرعية والطبية والفلسفية. ولكن هذا لم يُشْبع نَهَمَه لطلب العلم؛ فلم تكن مدينة الري، على اتساعها وكثرة علمائها، بالمدينة التي تحوي علوم الأرض في ذلك الوقت؛ ولذلك يمَّم الرازي وجهه شطرعاصمة العلم في العالم في ذلك الوقت، وهي "بغداد" عاصمة الخلافة العباسية، فذهب إليها في شِبه بعثة علمية مكثفة، تعلم فيها علوماً كثيرة، ولكنه ركَّز اهتمامه في الأساس على الطب، وكان أستاذه الأول في هذا المجال علي بن زين الطبري.
إبداعات وإنجازات علمية متقدمة
وللرازي إبداعات وإنجازات علمية متقدمة، حيث يذكر ول ديورانت في "قصة الحضارة" أنّ الرزاي "هو أول من صنع مراهم الزئبق". كما تعدد المراجع التاريخية فتوحات الرازي الذي أرسى دعائم الطب التجريبي على الحيوانات، فقد كان يجرب بعض الأدوية على القرود فإن أثبتت كفاءة وأماناً جربها مع الإنسان.

كتاب "قصة الحضارة"
والرازي أول مبتكر لخيوط الجراحة، من أمعاء القطة. وقد ظلت تستعمل بعد وفاته لعدة قرون، ولم يتوقف الجراحون عن استعمالها إلا منذ سنوات معدودة في أواخر القرن العشرين، على ما يذكر محمود الحاج قاسم محمد في كتابه "الموجز لما أضافه العرب في الطب".

اقرأ أيضاً: أوسكار وايلد سارداً حكاية سيدة مولعة برغبة أن تبدو غامضة
وكان أول من صنع مراهم الزئبق، وأول من فرَّق بين النزيف الوريدي والنزيف الشرياني، واستخدم الضغط بالأصابع لإيقاف النزف الوريدي، واستخدم الربط لإيقاف النزيف الشرياني. كما أنه أول من وصف عملية استخراج الماء من العيون.
ولئن كانت اشتغالات الرازي في الطب جلبت عليه الثناء، وبوّأته مواقع الريادة، إلا أنّ نظراته الفلسفية وشروحاته الفكرية، قادت إلى تكفيره، واتهامه بـ"الزندقة"!
الرازي: الله منح العقل للإنسان ليفكر به
ويخصص عبد الرحمن بدوي الفصل الأخير من كتابه (من تاريخ الإلحاد في الإسلام) لآراء الرازي الفلسفية في نقد الأديان، رغم أنه لم ينكر وجود الله بل أقر بوجوده، وقال بأنه منح العقل للإنسان ليفكر به.

يتطرق عبد الرحمن بدوي لآراء الرازي الفلسفية في نقد الأديان رغم أنه لم ينكر وجود الله بل أقر بذلك

وحوربت آراء الرازي الجريئة في نقد الدين من طرف العديد من العلماء، كما يذكر بدوي الذي يورد رأي الرازي في مسائل خلافية كثيرة تثير الجدل والنزاع.
ويتحدث بدوي عن العلاقة، التي يراها الرازي، بين العنف والدين فيقول إنه كان من الأولى "بحكمة الحكيم ورحمة الرحيم أن يلهم عباده أجمعين معرفة منافعهم ومضارهم في عاجلهم وآجلهم، ولا يفضِّل بعضهم على بعض، فلا يكون بينهم تنازع ولا اختلاف فيهلكون، وذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمة لبعض، فتصدّق كل فرقة إمامها، وتكذّب غيره، ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف ويعم البلاء".
ويقول عما يراه من عدم تسامح المتدينين مع نقد الدين: "إن سئل أهل هذه الدعوى عن الدليل على صحة دعواهم، استطاروا غضباً، وهدروا دم من يطالبهم بذلك، ونهوا عن النظر، وحرّضوا على قتل مخالفيهم، فمن أجل ذلك اندفن الحق أشد اندفان، وانكتم أشد انكتام".
عبد الرحمن بدوي

مؤلف كتاب "إنّ للعبد خالقاً"
بيْد أن هناك مراجع تأسيسية في التاريخ الإسلامي تنفي عن الرازي تهمة الكفر والإلحاد والزندقة، فهو مؤلف كتاب "إنّ للعبد خالقاً"، كما يذكر الإمام محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في مؤلفه "سير أعلام النبلاء" واصفاً الرازي بأنه "الأستاذ الفيلسوف الطبيب، صاحب التصانيف، من أذكياء أهل زمانه، وكان كثير الأسفار، وافر الحرمة، صاحب مروءة وإيثار ورأفة بالمرضى، وكان واسع المعرفة، مكبّاً على الاشتغال، مليح التأليف، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكله الباقلى، ثم عمي. أخذ عن البلخي الفيلسوف، وكان إليه تدبير بيمارستان الري، ثم كان على بيمارستان بغداد في دولة المكتفي، بلغ الغاية في علوم الأوائل".

اقرأ أيضاً: أوكتافيو باث: "كنتُ شجرة وتكلمتُ بستانَ حروف"
كما يذكر الذهبي من كتب الرازي: "الحاوي" وهو ثلاثون مجلداً في الطب، وكتاب "الجامع" ، وكتاب "الأعصاب"، وكتاب "المنصوري" الذي صنفه للملك منصور بن نوح الساماني. وكان لابن زكريا عدة تلامذة، ومن تآليفه أيضاً "الطب الروحاني"، وكتاب "إن للعبد خالقاً"، وكتاب  "المدخل إلى المنطق"، وكتاب "هيئة العالم"، ومقالة في اللذة، وكتاب "طبقات الأبصار" وكتاب "الكيمياء وأنها إلى الصحة أقرب" وأشياء كثيرة . وقد كان في صباه، كما يضيف الذهبي، مغنياً يجيد ضرب العود.

الصفحة الرئيسية