خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس

خطاب الكراهية

خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس

مشاهدة

14/01/2020

حين كَتَبَ "داعية" إسلامي (يعمل أكاديمياً في جامعة أردنية)، تعليقاً على موت المفكر السوري، محمد شحرور، انثالت التعليقات المنطوية على خطاب كراهية، بسبب آراء شحرور الدينية الموسومة بالجريئة، وهو ما لم يكن مستغرباً؛ إذ إنّ منشور الـ "داعية" في حدّ ذاته ينطوي على قدر من الكراهية، ما ينتج عنه ضمناً مزيداً من الخطاب الذي يحمل الصبغة ذاتها.

اقرأ أيضاً: كيف قرّر المتصوف الهندي أوشو: بتواجد الحب تتواجد الكراهية؟

لعلّ الحادثة الآنفة، تحيل لسؤال: ما هو خطاب الكراهية؟ ومتى يكون بالوسع اعتبار خطاب ما منطوياً على كراهية؟ وهل حين تغمز نساء الحيّ في جنسية الجارة العزباء الجديدة بوسعنا حينها اعتبار هذا خطاب كراهية ضدّ جنسية ما وضدّ المرأة؟ هل هذا على القدر ذاته من خطاب الكراهية الذي يتحدّث به رئيس أقوى دولة في العالم حيال المتسلّلين المكسيكيين عبر الحدود؟

 

 

ما هو خطاب الكراهية؟

خطاب الكراهية هو تعبير شفوي، أو مكتوب، ينطوي على رأي سلبي حيال فئة ما، وقد يكون موجّهاً ضدّ فرد، على محمل تمثيله لجماعة ما، ويستهدف خطاب الكراهية عِرقاً بعينه، أو جنساً، أو ميولاً جنسية، أو جنسيّات، أو مجموعات عرقية أو دينية، وبالمجمل؛ يمكن أن تكون أيّة فئة عُرضة لخطاب الكراهية، ولخطاب الكراهية سمات رئيسة بوسع المتلقي معرفته من خلالها، من بينها: الوصم، والتنميط، والتحريض، والتجييش، والقدح، والذم.

د. صخر الخصاونة يميز بين جريمة الكراهية وجريمة القدح والذم، فالثانية معيارها شخصي، فيما الكراهية توجّه ضدّ جماعة ما

لكن، متى يكون بالوسع اعتبار خطاب ما منطوياً على كراهية إلى حدّ يجدر تسليط الضوء عليه إعلامياً للتوعية حوله؟ بداية، حين يكون مُطلِق هذا الخطاب شخصية اعتبارية ولها تأثير؛ فحين يُقدِم "داعية" أو أكاديمي أو إعلامي أو سياسي على تصدير خطاب كراهية ما، فإنه يملك تأثيراً قوياً وحقيقياً، ولا بدّ من مناقشة خطورته عبر وسائل الإعلام والمنابر الرسمية، وذلك لا يعني أنّ خطاب الكراهية الذي تقدّمه نساء الحيّ، أعلاه، ليس على درجة من الخطورة قد تقود لأفعال كراهية، لكن لمُطلِق الخطاب أهمية كبرى في تحديد كيفية التعامل معه، كما أنّ درجة انتشار هذا الخطاب والوسيلة المختارة لإيصاله ذات أهمية كذلك، فما يقال عبر وسائل الإعلام يُعامَل معاملة مختلفة عمّا يُقال في الغرف المغلقة، إلى جانب هذا وذاك؛ فإنّ السياق الذي جاء فيه الخطاب يحدّد مدى إمكانية اعتباره خطاب كراهية، أو مجرد قدح وذمّ فحسب.

المفكر الإسلامي الراحل محمد شحرور

متى يخطئ الإعلام في تعامله مع خطاب الكراهية؟

كثيراً ما ترتكب وسائل الإعلام خطأ، بسبب حسن نيّة أو رغبة في إحراز سبق صحفي، يتمثل في إعادة نقل وتدوير خطاب الكراهية، وهو ما حدث إبّان الاعتداء على المسجد في نيوزلندا، العام الماضي، ولم تكتفِ تغطيات إعلامية آنذاك بإيراد بعض مقاطع خطاب الكراهية الذي استخدمه منفّذ الهجوم عبر صفحته على موقع تويتر، بل أفردت بعض تلك التغطيات كامل المساحة لنقل ما وَرَدَ من خطاب كراهية ممّن يؤيّدونه، لتنقل أخرى ما كتبه منفذ الهجوم على أسلحته، ولتبذل جهداً لافتاً في الإحالات التاريخية لحقبة مسلمي الأندلس، ما سبق كلّه، ينطوي على مخالفات مهنية جسيمة في معالجة خطاب الكراهية؛ إذ فيه تكريس لما يريده أصحاب هذا الخطاب من ترويج للفوضى والأحقاد والصور النمطية والقدح والذم، وما يقود إليه هذا كلّه من أفعال كراهية قد تصل حدّ الإيذاء وإزهاق الأرواح، وحسبنا هنا استذكار راوندا، التي راح ضحية خطاب الكراهية فيها، عام 1994، بين الإذاعات المحلية، ما يقارب 800 ألف قتيل خلال مئة يوم فقط، ليمثل صحفيون أمام محكمة الجنايات الدولية للمرة الأولى بهذه التهمة.

اقرأ أيضاً: التعايش السلمي ونبذ خطاب الكراهية رسالة السعودية في مؤتمر "الدين والسياسات"

ثمة أخطاء أخرى لدى الإعلام قد تقود هذه المرة لخطاب كراهية، بل أفعال كراهية أحياناً، من بينها ذِكر جنسية الجاني أو المجرم، ما قد يسفر عن تشكيل صور نمطية حيال جنسية بعينها، وما قد تنتج عنه أحياناً أفعال تشبه الأفعال الثأرية التي تندرج أسفل تصنيف جرائم الكراهية، لا خطاب الكراهية فحسب.
في العام الماضي؛ شهِدَ الإعلام العربي عدداً كبيراً من التغطيات الصحفية التي أظهرت جنسية الجاني، ما أفرزَ تعليقات كراهية من قِبل الجمهور، على مستوى واسع، إحدى تلك الجرائم كانت مقتل الكاتبة أمل منصور، التي ذكرت تغطيات إعلامية جنسية خادمتها، ما أفضى لخطاب كراهية كانت ذروته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقتذاك.

اقرأ أيضاً: ثقافة الكراهية ومعالجتها
وعادت بعض وسائل الإعلام في لبنان، الأسبوع الماضي، إلى التركيز على جنسية الشخص الذي دخل شقة المطربة نانسي عجرم حيث قام زوجها بقتله، في قضية ما تزال تتفاعل في أروقة المحاكم والقضاء.

 

 

هل ثمّة قانون متعلّق بخطاب الكراهية؟

لعلّ الثغرة الأكبر، حتى اللحظة، في التعامل مع خطاب الكراهية هي غياب القوانين الرادعة؛ إذ لا يوجد نصّ قانون يرسي أطراً واضحة لخطاب الكراهية ويفرض عقوبات عليه، باستثناء بعض جزئيات القانون التي تتعاطى مع بعض بنود خطاب الكراهية، مثل القدح والذم، فغياب القوانين الرادعة أفضى لحالة من الاستسهال في تداوُل خطاب الكراهية وإطلاقه وترويجه، بل أفضى لانخراط أكاديميين وكُتّاب بارزين في هذا المعترك في حوادث عدة، من قبيل حادثة ابنة رئيس الوزراء الأردني، عمر الرزاز، حين تمّ اجتزاء عبارة من مقابلة أجرتها لمطبوعة أمريكية، بصفتها طالبة عربية مقيمة هناك، وقبل أن يُمسك والدها بالمنصب، قالت فيها إنّ أصولها فلسطينية وإنّ عائلتها تقيم مؤقتاً في الأردن.

اقرأ أيضاً: الحبّ في التاريخ الإسلامي شاهد ضد التشدد والكراهية

ويُعلّق على ما سبق أستاذ التشريعات الإعلامية في معهد الإعلام الأردني، د. صخر الخصاونة، قائلاً لـ "حفريات": "لا يوجد تعريف واضح لخطاب الكراهية في التشريع الأردني"، مشيراً إلى التعريف في المادة 150 من قانون العقوبات، الذي يتحدث عن "إثارة النعرات والاستدلال على الكراهية".

ويفرّق الخصاونة بين جريمة الكراهية وجريمة القدح والذم، بقوله: "الثانية يكون معيارها الأساسي شخصي، وفيه حطّ من كرامة الشخص ومكانته، فيما الكراهية توجّه ضدّ فئة أو جماعة ما".

اقرأ أيضاً: مكافحة خطاب الكراهية

ويشير الخصاونة إلى أنّ قانون العقوبات قد أشار إلى خطاب الكراهية بشكل عام، من خلال المادة 150: "كلّ كتابة وكلّ خطاب أو عمل يقصد منه أو ينتج عنه إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية، أو الحض على النزاع بين الطوائف، ومختلف عناصر الأمة، ويعاقب عليه بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، ولا تزيد على ثلاثة أعوام، وبغرامة لا تزيد على خمسمئة دينار".

اقرأ أيضاً: العالم الغربي وخطاب الكراهية

وفي وقت يرى فيه الخصاونة؛ أنّ ما سبق غير كافٍ لمحاربة خطاب الكراهية المتنامي، فإنّ خبير الأخلاقيات والتشريعات الإعلامية، يحيى شقير، يشير لـ "حفريات": بأنّ "من يدقق في تعريف خطاب الكراهية الذي اقترحته الحكومة في مشروع القانون المعدل (2)، وهو: "كلّ كتابة، وكلّ خطاب أو عمل يقصد منه، أو ينتج عنه، إثارة النعرات المذهبيّة أو العنصريّة أو الدعوة للعنف، أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمّة"، يجد أنّه نسخ ولصق للمادة 150 من قانون العقوبات، مع إضافة عبارة (أو الدعوة للعنف) لنصّ المادة، وهذا التعريف المنسوخ، عليه مآخذ عدة، منها مطاطية كلماته بما يتيح تفسيرات تضيق وتتسع بحسب تقدير الحكومة".

ما هي الفئات الأكثر تضرّراً من خطاب الكراهية؟

الفئات الأقل حظاً هي الأكثر عرضة لخطاب الكراهية؛ لذا تكون الأقليات الدينية معرّضة بشكل كبير لخطاب الكراهية، وكذلك النساء، ولعلّ أيّة مباراة في دوري كرة القدم النسوي كفيلة بإظهار هذا الخطاب، تحديداً عبر تعليقات الجمهور في المدرّجات وعبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، على السواء، وكذلك الأطفال، تحديداً الأحداث.

اقرأ أيضاً: رجال دين من الإمارات: زيارة البابا وشيخ الأزهر رسالة ضد الكراهية
كما تواجه مهن بعينها خطاب كراهية (قبل مدة في الأردن، كان هنالك شيء من هذا القبيل حيال موظّفي الفاليه – اصطفاف السيارات)، وجنسيات بعينها أيضاً (بوسعنا هنا اعتبار خطاب النائب الكويتي صفاء الهاشم حيال الوافدين المصريين، خطاب كراهية ضدّ جنسية ما)، وإن كانت أيّة فئة في المجتمع قد تكون عرضة لخطاب الكراهية إلى حدّ ما، كلّ بحسب حالته.

 

 

ما هي السبل المثلى للتعاطي مع خطاب الكراهية؟

يتحدث الخصاونة عن "مسارَين للتعامل مع خطاب الكراهية؛ أحدهما توعوي، والآخر قانوني"، وهو ما يذهب إليه أستاذ الإعلام، الدكتور فيليب مدانات، في حديثه لـ "حفريات" قائلاً "ما من حلّ لوقف خطاب الكراهية إلا بتكريس المحبة، وهو الحلّ الجذري، ومن خلال تكريس الجانب القانوني؛ للحدّ من انتشار هذا الخطاب المتزايد، لا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

د. فيليب مدانات: ما من حلّ لوقف خطاب الكراهية إلا بتكريس المحبة، وهو الحلّ الجذري

ويقترح خبراء إعلاميون إرساء التوعية، كخطوة أساسية في وقف خطاب الكراهية، إلى جانب التزوّد بالأخلاقيات والمعايير الإنسانية، ومنها:

- أهم الأخلاقيات التي يجدر بك معرفتها ومراقبتها جيداً: احترام الآخر وحقّه في التعبير عن ذاته وآرائه وثقافته ومعتقداته، دونما خوف من الملاحقة أو الإساءة أو التنميط.

- النظر باهتمام للتقارير التي تتحدّث عن وجود خطاب كراهية ما؛ إذ لا بدّ من الالتفات لهذه التقارير التي تتحدّث عن خطاب الكراهية حيال مجموعة ما، والنظر بجدّية في أيّة شكاوى قد تأتي من قِبل المتضرّرين، والعمل على دعم الحملات التي تحارب خطاب الكراهية وتدينه وتجرّمه.

- تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؛ ذلك أنّ هذه الوسائل هي أشهر القنوات التي يُمرّر خطاب الكراهية من خلالها، ما يجعل من تنظيم استخدامها ونشر التوعية الأخلاقية حول الخطاب المستخدَم فيها ضرورة وليس ترفاً.

- توعية الضحايا وتشجيعهم على التبليغ عن أيّ خطاب كراهية يتعرّضون له؛ إذ كثيراً ما يجهل من يتعرّضون لخطاب كراهية أنّهم ضحايا، كما لا يعلم جزء كبير من هؤلاء هوية الجهة التي لا بدّ من تقديم الشكوى لها؛ لذلك فإنّ تثقيف من يتعرّضون لخطاب الكراهية، وتوعيتهم وتشجيعهم على الشكوى خطوة مهمة في محاربة خطاب الكراهية.


المصادر:

دراسة عن خطاب الكراهية في الإعلام الأردني، صادرة عن معهد الإعلام الأردني، 2019.

https://en.unesco.org/5-ways-to-counter-hate-speech

https://whatis.techtarget.com/definition/hate-speech

https://bit.ly/2ZThnHs

الصفحة الرئيسية