تعطيش الشمال السوري: إستراتيجية تركيا لمحاربة الأكراد

تعطيش الشمال السوري: إستراتيجية تركيا لمحاربة الأكراد

مشاهدة

03/08/2020

بعد أن تكفّلت الدولة العثمانية بإبادة الأرمن والسريان من جنوب الأناضول وشرقها؛ جاء الدور على وريثتها، جمهورية تركيا، لتذويب العرق غير التركي الباقي، وهم الأكراد، بمسخ هويتهم، بعد انتهاء زمن الإبادات التامة.

تنوّعت الإستراتيجية التركية لمحاربة الأكراد، واعتمدت جزئياً على تلاقي المصالح في ذلك مع إيران والعراق وسوريا، غير أنّ الحرب الأمريكية على العراق، عام 2003، ثمّ الثورة السورية عام 2011، وما ترتّب عليهما من تعزز استقلال الأكراد في كردستان العراق، ثمّ إنشاء أكراد سوريا للإدارة الذاتية، ذلك أفقد تركيا شريكين يتفقان معها حول منع الأكراد من الحصول على حكم ذاتي، فضلاً عن حلم الدولة الكردية.

تهدف تركيا في المنظور القريب إلى مبادلة الأكراد المياه مقابل الكهرباء التي تُولد من سدود ومحطات على الفرات، تخضع لسيطرة الأكراد، ونقل الكهرباء إلى المناطق التي تسيطر عليها

في سوريا أصبح الحكم الذاتي واقعاً؛ نتيجة انسحاب الحكومة السورية، وملء الأكراد لهذا الفراغ، لحماية وجودهم من الأطماع التركية، والدعم الغربي لهذا الهدف، الذي تلاقى معهم في محاربة الإرهاب، ما يعني تحقق الكابوس الذي طالما خشيت منه تركيا؛ لذلك شنّت عمليات عسكرية ضدّ الأكراد في سوريا، وعمليات مستمرة ضدّ حزب العمال الكردستاني في تركيا وشمال العراق، حيث منطقة عملياته الخلفية.

تشمل الإستراتيجية التركية لمواجهة أكراد سوريا محاور عدة، منها؛ العمليات العسكرية المباشرة، وغير المباشرة، بدعم الجماعات الإرهابية، مثل داعش، والحرب الاقتصادية، وأخيراً التعطيش بتقليل حصة سوريا من مياه نهر الفرات، الذي يمرّ في مناطق تخضع أغلبها للسيطرة الكردية.

مشروع "جاب" التركي

تتميز مناطق جنوب شرق تركيا، موطن الأكراد، ومن قبلهم الأرمن والسريان، بنسبة مرتفعة من الأمطار، وبأنّها ينبع منها عدة أنهر، أهمها دجلة والفرات، الذي يمرّ من المنبع بسوريا ثم العراق حتى يصبّ في شط العرب، على الخليج العربي.

تبنّت تركيا الحديثة خطة لتوليد الكهرباء من السدود المائية على نهري دجلة والفرات، منذ عهد أتاتورك، ووضع المسؤولون الأتراك خطة باسم مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) يهدف إلى إقامة مجتمع زراعي كبير، وتوليد الطاقة الكهربائية عبر إنشاء 21 سداً ونفقاً على نهري دجلة والفرات.

الباحث في الشؤون التركية محمد حامد: "استغلت أنقرة الثورة السورية، وانهيار الدولة السورية في تعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية والعسكرية، بهدف خلق مناطق موالية تخضع لحمايتها، وتكون بمثابة سوق لمنتجاتها

منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ شرعت تركيا في إنشاء السدود الكبرى على النهرين، فتمّ إنشاء سبعة سدود على الفرات، أكبرها سدّ أتاتورك، الذي اكتمل بناؤه عام 1992، وقد صنع السدّ بحيرة صناعية تبلغ مساحتها السطحية 817 كم2، ويبلغ حجم المياه المجمّعة في بحيرة السد قرابة 48 مليار متر مكعب، ويضمّ ثمانية توربينات لتوليد الكهرباء بقدرة 2,400 ميغاواط.

أنشأت تركيا عدة سدود أخرى على نهر دجلة، أكبرها سدّ إليسو، الذي اكتمل بناؤه عام 2018، وما يزال ملء بحيرته مستمراً، وتسبّب السدّ في نقص حصة العراق المائية، بسبب عدم مراعاة تركيا حقوق دولة المصب، ويهدّد السدّ بتصحر مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، خصوصاً في شمال العراق، في إقليم كردستان، وفق تقرير منشور في موقع "الجوار برس".

تسبّبت مشروعات السدود التركية الضخمة، منذ تسعينيات القرن الماضي، في جفاف مجرى نهر الخابور ومن قبله نهر جقمق وانخفاض منسوب نهر الفرات، ما أدّى إلى انخفاض شديد في منسوب المياه الجوفية في سوريا، وصعوبة الوصول لهذه المياه، فارتفعت تكاليف ضخّها، ومن ثم ارتفعت تكاليف الاستصلاح الزراعي، وفق تقرير نشره موقع "سيريا ستيبس".

أعلنت تركيا أنّ الهدف من مشروع "جاب" التنمية الاقتصادية في جنوب شرق الأناضول، وما لم تصرّح به؛ أنّ خلق تنمية اقتصادية في هذه المنطقة يعني هجرة ملايين الأتراك من الأناضول للاستقرار فيها، بحثاً عن فرص حياة أفضل، وموازنة أو خلق كتلة سكانية تركية في المناطق ذات الأغلبية الكردية.

اقرأ أيضاً: أردوغان ومشروع الجيب الإخواني شمال سوريا

تتمثّل الأبعاد السياسية في التغيير الديموغرافي للمناطق الجنوبية، لقطع الطريق على الحلم الكردي بإقامة الوطن الكردي، وبسبب ضخامة الأموال اللازمة لهذا المشروع لم يُنجز العمل فيه كما كان متوقعاً، إلى جانب تغيّر الأوضاع في العراق وسوريا، وإنشاء الأكراد في سوريا الإدارة الذاتية عام 2013.

خلق مناطق موالية لتركيا

قبل الثورة السورية كانت تركيا ملتزمة بحدّ أدنى من الاتفاقيات المائية مع سوريا، في ظلّ وجود حكومة سورية قوية، والترتيبات بينهما حول الوجود الكردي، لكن بعد الثورة السورية، عام 2011، تبنّى أردوغان خيار إسقاط الأسد، وتصعيد الإخوان المسلمين، وألقى بالجماعات الإرهابية التي دعمها في غمار الحرب، خصوصاً في مناطق الأكراد، وتغيّرت السياسة التركية نحو احتلال الشمال السوري، وتغيير ديموغرافية المنطقة، لخلق حزام ديموغرافي داعم لها، يكون حاجزاً بينها وبين الأكراد، ويمنع اتصالهم بأكراد تركيا، كي لا يشجعهم على مطلب الحكم الذاتي.

إلّا أنّ التدخّل الروسي لدعم الأسد، ونجاح الأكراد بدعم التحالف الدولي في صدّ خطر داعش، المدعوم تركياً، مثّل ضربة قوية لخطط أردوغان، واضطره إلى القبول بما حقّقه بالتفاهم مع روسيا وأمريكا، فسيطر على الشمال الغربي لسوريا، وبقيت أمامه مشكلة التماس الحدودي مع الأكراد، المتمتعين بحكم ذاتي ودعم غربي.

يقول الباحث في الشؤون التركية، محمد حامد: "استغلت تركيا الثورة السورية، عام 2011، وانهيار الدولة السورية بشكل كبير، في تعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية والعسكرية، على حساب سوريا، بهدف خلق مناطق موالية تخضع لحمايتها، وتكون بمثابة سوق لمنتجاتها، مثلما حدث في الشمال الغربي لسوريا؛ الذي بات يتعامل بالليرة التركية، وتهيمن عليه جماعات جهادية وميليشيات موالية لأردوغان".

اقرأ أيضاً: الذئاب الرمادية .. طليعة الغزو التركي لشمال سوريا

ويضيف حامد، لـ "حفريات": "تأتي هذه الخطوة في إطار سياسة التوسع والهيمنة التركية – الأردوغانية، النابعة من أحلام استعادة الإرث العثماني؛ لذلك يتوسّع على حساب العراق وسوريا وليبيا والصومال".

تعطيش الشمال السوري

اضطرار تركيا للقبول بالوجود الكردي في الشمال السوري لا يعني رضاها بذلك، في ظلّ اعتبارها أكراد سوريا تهديداً وجودياً بالنسبة إليها، واعتقادها بوجود صلات لهم بحزب العمال الكردستاني الذي ينشط على أراضيها، والذي خاض معها صراعاً مريراً على مدى عقود، في سياق محاولته تحقيق حلم إقامة حكم ذاتي، إلى جانب استثمار أردوغان ورقة كراهية الأكراد لكسب قلوب الأتراك، المتعصبين لقوميتهم.

بعد أن استنفدت تركيا المساحة المسموح لها بالتحرك فيها عسكرياً ضدّ الأكراد من قِبل الولايات المتحدة وروسيا، في عمليات عسكرية، كانت أشهرها: معركة "درع الفرات" عام 2016، و"غصن الزيتون" عام 2018، لم يعد الحلّ العسكري مجدياً، واقتصر على عمليات نوعية، وهجمات الطائرات المسيرة.

بدأت تركيا في استخدام ورقة مياه الفرات للضغط على الأكراد، لتحقيق مصالح قصيرة وطويلة المدى؛ فالأولى هي قطع المياه جزئياً عن طريق المحطات الموجودة على النهر في الأراضي السورية التي تسيطر عليها تركيا، وأهمها محطة مياه العلوك، قرب رأس العين، والتي سيطرت عليها عام 2019.

اقرأ أيضاً: تركيا تحتل من سوريا أضعاف ما تحتله إسرائيل

تهدف تركيا في المنظور القريب إلى مبادلة الأكراد المياه مقابل الكهرباء التي تُولد من سدود ومحطات على الفرات، تخضع لسيطرة الأكراد، ونقل الكهرباء إلى المناطق التي تسيطر عليها في الشمال السوري.

أمّا على المدى البعيد؛ فتهدف إلى تقليل المياه المنقولة عبر الفرات في سوريا والعراق؛ للاستفادة التامّة من مياه النهر لصالحها، والهدف الأهم تحويل شمال شرق سوريا إلى منطقة صحراوية، تعاني من الجفاف وغير صالحة للحياة لكتل سكانية كبرى، ما يدفع الأكراد للنزوح عنها، فتحقق تركيا هدف إبعادهم عن حدودها بالتعطيش، بعد أن عجزت عن ذلك عسكرياً.

تدعم الشواهد على الأرض هذا التحليل؛ وقد صرّح خبراء في ملف المياه السورية لموقع صحيفة "العرب"، بأنّ الأمر لا يتعلق فقط بمقايضة المياه؛ بل هو محاولة لتعطيش السكان هناك، وجعل المنطقة غير قابلة للحياة.

وفي السياق ذاته؛ كان الهدف التركي من عملية درع الفرات، عام 2016، محدّد بمنع الأكراد من السيطرة على جرابلس، الواقعة على الضفة الغربية للفرات، لمنع تحوّله إلى نهر داخلي في المناطق الكردية، ما يفوت على تركيا فرصةً لابتزاز الأكراد بالمياه.

اقرأ أيضاً: هذه آخر جرائم الجيش التركي وميليشياته في شمال سوريا

يضيف الباحث محمد حامد لـ "حفريات": "تاريخياً، سعت تركيا إلى سرقة الحقوق المائية السورية، ووجدت فرصة كبرى في غياب دولة سورية، وعراقية، قوية، وسيظلّ التهديد والنهب التركي قائماً بحقّ العرب، طالما لم تظهر قوة تردع تركيا.

الصفحة الرئيسية