تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟

سوريا

تركيا والنظام و"قسد".. مَن الأقرب إلى كسب العشائر السورية؟

مشاهدة

13/06/2019

مع ارتسام خطوط النفوذ بين ثلاث قوى دولية وإقليمية في سوريا: الأمريكيون، شرق الفرات، والأتراك، في الشمال الغربي، وحلفاء النظام من (الروس والإيرانيين)، غرب الفرات، بدأت تلك الأطراف الثلاثة مساعي محمومة بغية استقطاب العدد الأكبر من العشائر العربية، خاصة من جانب النظام السوري وتركيا، وهي مساع تؤرق قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تتواجد في مناطق سيطرتها الغالبية الكبرى من العشائر، ناهيك عن أنّ مناطقها ما تزال مجهولة المصير، في ظلّ اكتفاء غربي بدعم عسكري دون سياسي لـ "الإدارة الذاتية" التي تديرها.

اقرأ أيضاً: بين الالتقاء والافتراق.. النظام والكُرد السوريون إلى أين؟
وضمن ذاك الإطار؛ التقى، نهاية آذار (مارس) الماضي، نائب الرئيس التركي، فؤاد أقطاي، برئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، في العاصمة التركية أنقرة، ضمن اجتماع مغلق، أكدت خلاله أنقرة مواصلة جهودها في المنطقة، بالتزامن مع مساعيها لإنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية مع سوريا، فيما صرح المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن حينها بالقول: إنّ "المنطقة الممتدة من إدلب إلى منبج، مروراً بعفرين وجرابلس على الحدود السورية التركية، تشكلت فيها منطقة آمنة فعلياً".

بعض وجهاء العشائر السورية

تصريحٌ يعدّ جزءاً من تطلعات أخرى ساعية للتدخل في مناطق شرق الفرات، وهي تطلعات تدركها قوات سوريا الديمقراطية المسيطرة على تلك البقعة التي تقارب الـ30% من البلاد، ويمكن اعتبارها الأكثر خطورة، نتيجة للتنوع العرقي والديني الذي تحتويه، فعلى الرغم مما يدلي به قادة "قسد" من تأكيدات هزيمتهم الفتن الطائفية والعرقية، ووأدهم أيّ نزاع بين الكُرد والعرب ضمن مناطقهم، تُعول تركيا بالدرجة الأولى على نشوب أيّ تضعضع هناك، يمنحها الفرصة لشنّ هجوم عسكري طالما توعدت به، والنظام السوري بالدرجة الثانية ضمن سعيه للاستحواذ على مناطق النفط، كونها تحوي الحقول النفطية السورية الأعلى إنتاجاً. 

العشائر قبل عام 2011

باستطلاع واقع العشائر في سوريا قبل اندلاع الحراك الشعبي، عام 2011، يقول أكرم محشوش، وهو أحد وجهاء قبيلة الجبور، خلال حديثه لـ "حفريات": "العشائر بشكل عام، حتى عام 2011، كانت مهمشة من قبل الدولة، ولا دور لها في أي مكان، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري، أو حتى الاجتماعي؛ حيث كانت تهيمن القبضة الأمنية والتبعية المُصطنعة، وأكثر الشيوخ حديثة العهد مُصنعة من قبل الفروع الأمنية، والحقيقة أنهم ينظرون إلى المجتمع بشكل عام ووجهاء العشائر بأنهم أصبحوا تابعين للأفرع الأمنية والنظام، فلم يكن لهم أيّ دور نتيجة القبضة الأمنية القاسية، ولم يستطيعوا التحرك رغم عدد العشائر الكبير وتموضعهم على مساحة جغرافية واسعة".

أكرم محشوش: العشائر لم تقتنع بفكر "داعش" أو فكر الإخوان المسلمين؛ كونها تعتمد على الترابط الاجتماعي لا الديني

ويتابع الجبور حديثه: "حالياً بات الكل يريد أن يفعل دور العشار، بمن فيهم القوى الدولي والتحالف الدولي وتركيا، وكذلك قوات سوريا الديمقراطية؛ حيث كُثفت اللقاءات والمشاورات، ومنها مؤتمر عين عيسى، وكذلك فعلت تركيا التي عقدت لقاء للعشائر في أورفا، والكل يقول: "أنا أمثّل العشائر"، والحقيقة أننا نريد أن يكون هناك دور للعشائر، لكن إذا انتهت طريقة إلغاء المشيخة والحساسيات؛ فهل سيكون للعشائر دور في المنطقة؟ وأية قوة تدعم العشائر ليكون لها وجود، وأن تكون هذه العشائر حاضنة للقوة بكل مجالاتها؟ لأنّ العشائر تشكل صمام الأمان، كما أنّ أبناء العشائر موجودون داخل القوى العسكرية الموجودة سواءً مع قوات سوريا الديمقراطية، أو الجيش السوري، أو الجيش الحر، فكلّهم أبناء عشائر، لكن -مثلاً- لم تقم أيّة قوة من هذه القوى بتسمية الشهداء العرب، فكل الشهداء سموا بأسماء الفصائل الموجودة؛ كشهيد الجيش الحر، وشهيد الجيش العربي السوري، وشهيد قوات سوريا الديمقراطية، ولم تكن للعشائر أيّة تسمية، وهذا تهميش مهمّ عندما لم يتم ذكر اسم العشيرة الفلانية بأنها قد قدمت عدداً من الشهداء؛ لأننا نريد استقلالية للعشائر، وأظن هناك صحوة عشائرية لتنظيم نفسها عن طريق مجالس الأعيان ومجالس شورى".

إدراك للمخططات

تدرك "قسد" حجم التعبئة المضادة التي يحدثها الإعلام المعارض الذي يؤيد تركيا في مساعيها بالسيطرة على شرق الفرات، ومساعي النظام إعادة حقول النفط والغاز إلى سيادته، وعليه تسعى القوات التي تتشكل من مقاتلين كرد وعرب وسريان وغيرهم، إلى استباق شرارة الفتنة، عبر التواصل مع العدد الأكبر من العشائر العربية لكسب ودّها، وشرح منظورها للحلّ في سوريا.

اقرأ أيضاً: جدار حول عفرين .. ماذا تفعل تركيا في الشمال السوري؟

في الثالث من أيار (مايو)؛ نظّم مجلس سوريا الديمقراطية ملتقى العشائر السورية في ناحية "عين عيسى" بحضور ممثلين عن العشائر السورية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية، وألقت خلاله رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، إلهام أحمد، كلمةً أشارت فيها إلى أنّ القوى المتربصة بمستقبل الشعب السوري، تعمل على خلق الفتن بين السوريين "بين العشائر نفسها والمكونات"، وأضافت: "اجتمعنا كي نعطي رسالتنا لكلّ السوريين والعالم، لنقول لهم: "مهما فعلتم لن تستطيعوا كسر إرادتنا التي دحرت الإرهاب، وعانينا من قبل الاستبداد، من قِبَل النظام السوري".

اقرأ أيضاً: ما هدف الإخوان المسلمين من دعوة تركيا للسيطرة على شمال سوريا؟

بدوره، يقول رئيس المجلس التشريعي في مقاطعة الجزيرة، حسين عزام، في حديثه لـ "حفريات: "المؤتمر الذي عقد في عين عيسى تحت شعار (العشائر السورية تحمي المجتمع السوري وتصون عقده الاجتماعي)، هدفنا منه دعوة العشائر العربية والكردية إلى مكافحة الإرهاب، والمساهمة في بناء الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، ومناقشة سبل تجفيف المنابع الفكرية لداعش ومن لفّ لفيفها في المنطقة، وقطع الطريق أمام الأجندات الإقليمية التي تتربص بسوريا، وهو ما سيكون له دور بارز لدى العشائر العربية، ونحن نعوّل عليه كثيراً".

وتابع: "بالنسبة إلى الفتنة التي تحاول تركيا وبعض الأطراف الإقليمية إذكاءها، فهذا ما راهنوا عليه في بداية تشكيل الإدارة الذاتية، على الصراع الكُردي العربي، لكن نحن تجاوزناها بكل ثقة واستطعنا أن نشكل إدارة بناء على أخوّة الشعوب ونعمل من خلالها حالياً".

اقرأ أيضاً: هل تخشى تركيا محاكمة دولية للدواعش؟ لماذا؟

أما حول تعاطي القوى الإقليمية والدولية مع اجتماع العشائر السورية في عين عيسى شمال سوريا، فيقول عزام لـ "حفريات": "بالتأكيد هذا المؤتمر، أو الملتقى، الذي اجتمع فيه حشد كبير من كافة وجهاء وشيوخ شمال وشرق سوريا أثار حفيظة روسيا وتركيا؛ لأنّهم يعتقدون بأنّ هذا المؤتمر هو تشويش على الأستانة، أو سير المهام التي يريدون أن يقوموا بها، فلن يستطيع أحد أن يجمع مثل هذا الحشد الذي لم يكن رقماً فقط، بل حضوراً مميزاً، وله دور في رسم سياسة المنطقة بالتعاون مع قسد".

ملتقى عين عيسى للعشائر السورية

خطوط عريضة

وحول الاتهامات الروسية للمؤتمر بتعطيل مسار الأستانة، أشار عزام إلى أنّهم "مع مسار جنيف والقرار 2254"، قائلاً: "نحن لم نشارك في الأستانة أو جنيف، لكن نريد أن نشارك في كلّ مؤتمر يكون له دور في إخماد نار الفتنة بسوريا، وأن نساعد معاً في ذلك، نريد أن نشارك في هذه المؤتمرات الدولية ونسعى لذلك باتصالاتنا، وبكل تأكيد لن يكون هناك أي حلّ للقضية السورية في غياب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".

حسين عزام: ناقشنا سبل تجفيف المنابع الفكرية لداعش ومن لفّ لفيفها بالمنطقة، وقطع الطريق أمام الأجندات الإقليمية التي تتربص بسوريا

ونوّه عزام إلى أنّ الخطوط العريضة التي اتفقت عليها العشائر العربية في مناطق شمال سوريا خلال ملتقى عين عيسى، تتلخص في التأكيد على "وحدة تراب سوريا وشعبها، وإنهاء كافة الاحتلالات، خاصة الاحتلال التركي، في مناطق جرابلس وإعزاز والباب، وإدلب وعفرين، وعودة أهالي عفرين، ووضع الكل أمام مسؤوليته المشتركة لحلّ الأزمة السورية، وأن يعمّ السلام في سوريا كافة والسعي بأسرع وقت ممكن للتخلص من آثار الصراعات المسلحة، والتأكيد على دستور سوري توافقي تُمثل فيه كافة القوى الفاعلة".

ويتابع: "نحن إلى الآن لم تتم دعوتنا للمشاركة في وضع الدستور"، مردفاً: "سنواصل محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه المالية والفكرية، والعمل على تحقيق التغيير الديموقراطي والتنمية المستمرة لسوريا وتحقيق حرية الإنسان والمواطن، وتحريم الدماء السورية على بعضها، كما قمنا بتوجيه نداء للعودة الآمنة لجميع السوريين الذين هاجروا أو غادروا، سواء إلى خارج البلاد، أو كانوا نازحين ضمنها".

شدّ حبال

مع إعلان مجلس سوريا الديمقراطية حضور ما يقارب 5000 فرد، من وجهاء العشائر في مناطق شمال سوريا لمؤتمر عين عيسى؛ ردّ النظام السوري على ذلك بالإعلان أنّ الحاضرين فيه (خونة)، رغم أنّ المؤتمر عقد من قبل سوريين وعلى أرض سورية، وتم الاتفاق خلاله على وحدة سوريا، وهو هجوم لم يشنه النظام على مؤتمرات عقدتها تركيا مع مجموعات عشائرية، وتؤيد في مضمونها إسقاط النظام في دمشق.

اقرأ أيضاً: هل تسلخ تركيا "لواء إسكندرون" آخر من سوريا؟

وحول المفارقة تلك، يقول صلاح الدين بلال، مدير مركز "إسبار" للدراسات والأبحاث، في حديثه لـ"حفريات": "للنظام السوري إستراتيجية عمل خاصة في الداخل السوري؛ فالنشاطات التي تتم في الخارج تختلف تماماً بوجهة نظر النظام عن النشاطات التي تتم في الداخل، على المستوى السياسي أو المستوى العسكري، أو على المستوى الاجتماعي، ولا سيما أنّ النظام ينظر إلى المناطق الخارجة عن سيطرته على أنها مناطق ما تزال تحت سلطاته، وهو عازم على إعادتها، لذلك ينظر إليها بشكل مختلف تماماً عن المؤتمرات الخارجية".
ويؤكد المصدر هنا؛ أنّ "النظام السوري يرى أنّ النشاطات الخارجية باتت جميعها، عدا السياسية، غير ذات قيمة، كون المعارضة التي تمثل الثورة قد خبا وهجها وهبيتها، وانحصرت في منطقه محدودة أمام تمدّد وتوسع النظام السوري".

اقرأ أيضاً: الكُرد السوريون.. مُعارضون أم موالون للنظام؟

ويتابع بلال: "ينظر النظام بعين الريبة لهذه الاجتماعات؛ انطلاقاً من عدة مبادئ، هي أنّ النظام السوري يرى أنّه من الممكن الجلوس والتفاوض مع الأتراك، الذين يدعمون جزءاً كبيراً من العشائر التابعة للمعارضة السورية، وبالتالي فإنّ التفاوض مع الأتراك حول هذا الملف قد يحقق مكاسب إلى حدّ بعيد له، ولا سيما من خلال الضغط الإيراني الروسي على الأتراك على المستوى السياسي، والنظام بذلك يضمن أن يكون هناك توازٍ مع الجهود التركية في المنطقة الشرقية عبر حلفائه من أجل بناء الخطط وإنهاء التحالف العشائري العربي مع الأكراد ومشروع انخراطهم في مؤسسات الإدارة الذاتية، وتلتقي الإرادة الخاصة بالنظام السوري مع تطلعات الأتراك في ضرورة التخلص من النفوذ التابع للإدارة الذاتية التي تدعم العشائر في نشاطاتها من أجل كسب العشائر لصالحها، وبالتالي تعزيز فكرة الإدارة اللامركزية في تلك المنطقة، وهذا ما يخشاه النظام السوري والأتراك معاً، لذلك يسعى النظام إلى عدم توجيه أيّة انتقادات للمؤتمرات العشائرية في تركيا".

اقرأ أيضاً: تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية

وأردف: "المؤتمرات الخارجية التي تتصف بصفة العشائرية، مهما كان خطرها، إلا أنّها لا تشكل خطراً على النسيج الاجتماعي العشائري في الداخل بمنظور النظام، كون العشائر تمثل جزءاً كبيراً من النسيج الاجتماعي في المنطقة الشمالية الشرقية، وإنّ كسب أيّ طرف لهذا النسيج سيعزز موقعه الإستراتيجي في تلك المنطقة، وطالما أنّ المؤتمرات التي تعقد في تركيا تبقى بعيدة عن التأثير المباشر على الحاضنة العشائرية، فلا ينظر النظام إليها بعين الخطر، عكس الإجراءات المباشرة التي تحدث عبر العشائر، والتي تنظمها الوحدات الكردية، وهذا هو سبب مهاجمة النظام لمؤتمر عين عيسى".

أحد اجتماعات العشائر المؤيدة للنظام

الدور الأمريكي والإيراني

يشير بلال إلى أنّ "منظور النظام السوري إلى كلّ من الدول التي تدعم المؤتمرات العشائرية، مختلف تماماً عن السابق، فالنظام السوري يرى في الولايات المتحدة الأمريكية خطراً أكبر من تركيا، ولا سيما في مجال إعادة سيطرة النظام على شرق وشمال شرق سوريا، لهذا يرى النظام السوري أنّ الولايات المتحدة عدوته، عكس الأتراك، الذين باتوا شركاء في تبادل المصالح في الملف السوري".

عزام: نريد المشاركة في المؤتمرات الدولية ولن يكون هناك أي حلّ للقضية السورية بغياب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا

مضيفاً: "التأثير الإيراني على القرار السوري في هذا المجال واضح جداً؛ فمشروع العشائر شرق وشمال شرق سوريا، هو أساساً مشروع إيراني، يهدف الى ربط العشائر السورية بإيران، ومن ثم ربط العشائر السورية بالعراقية، وإنّ وصف من يشارك في المشروع المضاد لإيران يمثل عدواً حقيقياً له، ووصف الخيانة الذي أُطلق على مؤتمر عيسى ينطلق تماماً من عرقلة المشروع الإيراني".

ويتابع بلال لـ "حفريات": "وصف النظام السوري للمؤتمر في عين عيسى بالخيانة، وتعميم هذا الأمر من قبل أجهزة الأمن السورية، على كافة العشائر العاملة في سوريا، هو رسالة واضحة لهذه العشائر بأنّ التعاون مع هذه المؤتمرات، أو تشجيعها، أو التواصل مع مسؤوليها، سيرتب مسؤولية كبيرة على هؤلاء الأشخاص، وبالتالي هي محاولة واضحة لتقويض النظام لهذه الجهود على المستوى المستقبلي وضربة استباقية يقوم بها النظام من خلال خطوتين؛ الأولى: تخوين من يشارك بهذه المؤتمرات، والثانية: بناء حلف عشائري مضاد ضمن مناطق شمال شرق سوريا، يدعم النظام، ويقوض المشروع الذي تدعمه الإدارة الذاتية".

النظام وورقة العشائر

يؤكد بلال أنّ "القرار الصادر من النظام السوري في تخوين مؤتمر عين عيسى يحظى بدعم سياسي من قبل الروس، وهذا التطور الكبير الذي حدث هو نتيجة أمرين: الأول؛ انقطاع خطوط التفاوض بين النظام والروس من جهة، والإدارة الذاتية من جهة ثانية، إضافة للأمر الثاني؛ القائم على أنّ المؤتمرات التي تتم في شمال شرق سوريا تتم بمعزل عن أيّ تواصل مع الروس، وانقطاع الخطوط الساخنة مع النظام في الحضور والتشاور بتنظيمها، وهي بمثابة رسالة للروس والنظام؛ بأنّ الأمور هناك خارجة عن يد النظام السوري تماماً".

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"

أما الأمر الأكثر أهمية في مؤتمر عين عيسى؛ فيراه بلال في "النجاح بالانعقاد رغم الحملة الإعلامية التي أدارها النظام السوري قبيل الاجتماع، وحملة التخوين بغرض تقويضه، إلا أنّ الاجتماع تم عقده، وشارك فيه عدد كبير من العشائر على كافة المستويات، ورغم أنه كان أقلّ من طموح الإدارة الذاتية، إلا أنّ انعقاد المؤتمر بحد ذاته يعدّ ضربة للنظام السوري على مستوى الورقة التي كان يعمل عليها وهي ورقة العشائر، فالمؤتمر أتى بعد عدة اجتماعات عشائرية أشرف عليها النظام في كلّ من؛ أثريا جنوب حلب، ودمشق، ودير الزور، من أجل توجيه رسالة بأنّ ورقة العشائر بيده، لكنّ اجتماع عين عيسى تمّ اعتباره تهديداً لهذه الجهود".

اقرأ أيضاً: بين المعارضة والنظام: سوريات يدفعن الثمن مرتين

ويشدّد بلال على أنّ "توجيه اتهامات الخيانة لمن شارك في مؤتمر عين عيسى هو جزء من إستراتيجية تقضي بالتأثير سلباً على أيّ ارتباط عربي كردي في المنطقة الشمالية الشرقية، ولا سيما أنّ هذا الارتباط يعني نجاح الإدارة الذاتية بضمان التعاون مع العشائر، وبالتالي خلق وحدة مجتمعية يصعب على النظام اختراقها".

القوة القادرة على كسب العشائر

يقدم بلال نظرة شاملة حول القوى التي يمكن أن تكسب العشائر لصالحها في شمال شرق سوريا، والامتيازات التي ستمنح للقوة الناجحة في لعبة شدّ الحبال الحاصلة بين النظام وقوات سوريا الديمقراطية وتركيا عبر المعارضة الموجودة على أراضيها، وينوّه إلى أنّه يجب النظر إلى حيثيات المنطقة التي تتواجد فيها العشائر؛ من حيث السيطرة العسكرية والسياسية، وقدرة القوة على كسب العشائر من خلال التعامل مع هذه العشائر، والتعاون معها، وإعطائها الصلاحيات اللازمة لتعويم قياداتها ودورها.

صلاح الدين بلال: تركيا استناداً للأوراق التي تستخدمها، لا تستطيع السيطرة على العشائر في شمال شرق سوريا

ويعتقد أنّ "قوة التأثير التركية، أو قوة تأثير النظام، أو حتى الإدارة الذاتية، تتوقف على العلاقة مع عشائر محددة في مناطق محددة، وضمن حيثيات تستغلها هذه الأطراف؛ حيث إنّ تركيا فشلت وبشكل فعلي في كسب ملف العشائر في شمال شرق سوريا، بسبب ضعف الجهات السياسية والاجتماعية التي تعتمد عليها في التغلغل في الملف العشائري، وبالتالي فإنّ قوة كلٍّ من النظام السوري من جهة، والإدارة الذاتية من جهة ثانية، هما الأبرز في ملف العشائر.

قدرة تركيا

يقول بلال: بالنظر إلى دور كلٍّ من النظام السوري والإدارة الذاتية وتركيا، نجد ما يلي: تركيا بعد فشلها في التوغل في شمال شرق سوريا عبر مكاتب العشائر على أراضيها، ولا سيما من حيث العمل على تجنيد عشائر في شمال شرق سوريا لصالحها، فإنّها عمدت إلى عدة خطوات تتضمن أهدافاً تسعى من خلالها للتوغل في شمال شرق سوريا، وهي:

1- بناء نفوذ تابع لها عبر العشائر في المرحلة الأولى؛ حيث كانت تتضمن الخطة إنشاء مجلس العشائر والقبائل ليكون بمثابة دائرة تنظيمية وصلة ربط بين تركيا والعشائر في شمال سوريا، بشكل عام، وشمال شرق سوريا بشكل خاص، وقد كان لهذه الدوائر الصفة الرئيسة في تمرير مشاريع وأجندات تركية في هذه المناطق، لكن فقد فشلت هذه المجالس، حتى الآن، في هذا الأمر فانتقلت تركيا إلى الخطوة الثانية.

اقرأ أيضاً: تركيا ترحّل لاجئين سوريين لإثبات روايتها بمحاربة الإرهاب!

2- الخطوة الثانية: كانت تتضمن تجنيد شخصيات محسوبة على تركيا من أجل تجنيد العشائر لتحقيق المصالح التركية، وقد تسلم هذا الأمر عدة شخصيات، أولها كان أحمد طعمة الخضر، ومن ثم مالك العبدة الأخ الأصغر لأنس العبدة، لكنّهم فشلوا بشكل كبير في خلق نفوذ تركي في العشائر في الداخل.

3- الخطوة الثالثة: والتي تعمل عليها تركيا من خلال دمج المنظمات السياسية والمدنية بين بعضها البعض، لتشكل قوة واحدة تعمل على تجييش العشائر لصالح تركيا، وعلى سبيل المثال، خلقت تركيا مثل هذا التحالف بين رابطة المستقلين الكُرد ومجلس القبائل والعشائر في أورفا، إضافة لإنشاء مكاتب تسمى المجالس المحلية للمناطق التي تعدّ مناطق عشائرية وتسيطر عليها الإدارة الذاتية من أجل رفع مستوى التنسيق بين تركيا والعشائر).

ويشير بلال إلى أنّ الأمر المهم هو أنّ تركيا ونتيجة معرفتها المسبقة بفشل العمل عبر العشائر على زعزعة عمل الإدارة الذاتية، فقد لجأت مؤخراً للتهديد بعمل عسكري في شمال شرق سوريا، لكن، ونتيجة التفاهمات مع الولايات المتحدة، ألغت هذا العمل، على الأقل خلال المستقبل القريب.

اقرأ أيضاً: كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟

متابعاً: "لا بدّ من التأكيد على أنّ الورقة العشائرية التي تملكها تركيا هي ورقة ضغط خارجي فقط، تضاف إليها عمليات تجنيد محدودة لا تؤثر بشكل كبير على التوازنات العشائرية في شمال شرق سوريا، وظهر هذا الأمر من خلال الاعتماد على ورقة الضغط الخارجية في القيام بمظاهرات وتحركات شعبية من أجل الضغط على الإدارة الذاتية، وإظهار هذا الأمر في الرأي العام العالمي، وتحديداً الداعم للإدارة الذاتية"، مُلخصاً القضية بالقول: "تركيا استناداً للأوراق التي تستخدمها، لا تستطيع السيطرة على العشائر في شمال شرق سوريا".

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب يعرقل "الإخوان المسلمون" توافق السوريين في إدلب

وهو ما يؤكده أكرم محشوش، الذي قال لـ"حفريات" حول المشروع الإخواني الحامل للمشروع التركي: إنّ "العشائر لم تقتنع بفكر الدولة الإسلامية أو فكر الإخوان المسلمين"، متابعاً: "المشروع الإخواني عند العشائر هو مشروع فاشل، فالعشائر تعتمد على الترابط الاجتماعي وليس الديني، نعم إنّ معظم العشائر مُسلمة، لكنّ العشائر لا تدخل في طريق الإخوان المسلمين، كون العشائر معروفة بعاداتها وتقاليدها وارتباطها، وما ينقصها هو التنظيم وتوحيد الصف والتنازل لبعضها، وأعتقد حالياً بأنّ تنظيم العشائر قد بدأ من خلال المؤتمرات داخل العشائر، وأصبحوا يستطيعون التعبير عن آرائهم بشفافية".

أحد المؤتمرات الخاصة بالعشائر الموالية للمعارضة السورية وتركيا

قدرة الإدارة الذاتية

يرى بلال؛ أنّ أهم الامتيازات التي تعطي الإدارة الذاتية القدرة على السيطرة على جزء من العشائر هي عدة عوامل يمكن وصفها من خلال ما يلي:

1- سيطرة الإدارة الذاتية العسكرية والأمنية في شمال شرق سوريا وتجنيد القوة العسكرية التي تتمثل بالكوادر البشرية في صفوفها، وبالتالي إبعاد خطر أيّ حشد عسكري بشري ضدّ الإدارة الذاتية في تلك المناطق.

2- إنشاء الإدارة الذاتية مجالس عملت فعلياً على أن تضم عناصر عشائرية تعمل في كنف الإدارة الذاتية، وأهمّ هذه المجالس هي مجلس الصلح في الرقة، على أنّ هذه المجالس تسير وفق خطط الإدارة الذاتية، إضافة لوضع بعض الشيوخ في قيادة المجالس المدنية، كقبيلة الماشي التي تم وضع فاروق الماشي فيها كقيادي في المجلس التشريعي في منبج.

تدرك "قسد" حجم التعبئة المضادة التي يحدثها الإعلام المعارض الذي يؤيد تركيا في مساعيها بالسيطرة على شرق الفرات

3- تحييد العشائر المهمّة عن أيّ قرار داخلي، وهذا الأمر أدّى إلى زيادة سيطرة الإدارة الذاتية على العشائر الصغيرة، وهو ما ظهر في مؤتمر عين عيسى الأخير الذي شاركت فيه عشائر صغيرة، يظهر أنّها لم تعد تعطي اهتماماً لقيادات القبائل والعشائر العليا في شمال شرق سوريا، فهناك شيوخ عشائر منعوا من التواجد في الاجتماع، إلا أنّ شيوخ عشائر متفرعة عن القبائل الرئيسة قد حضروا في الاجتماع.

4- إعطاء العشائر أهمية عبر إشراكها في المؤتمرات التي تتم، ولكن بما تراه الإدارة الذاتية مناسباً لا لما تراه هذه العشائر صحيحاً، وهذا ما يجعل الإدارة الذاتية تضع خطوطاً حمراء على تجاوز العشائر لصلاحياتها، وهذا هو أخطر ما يتم ونتيجته ستتحرك بعض العشائر نحو تعاون سرّي مع النظام السوري، أكثر القوى المتغلغلة في شمال شرق سوريا أمنياً.

ويستخلص بلال قدرة الإدارة الذاتية على كسب العشائر بالقول: "سيطرة الإدارة الذاتية على العشائر شمال شرق سوريا ليست سيطرة كاملة؛ بل هي سيطرة تعتمد على عوامل الثقة والقبضة الأمنية وشراكة العشائر بالقرار الرئيس، إضافة لإنشاء مجالس يكون أساسها الرئيس هو العمل ضمن سياسة وخطط الإدارة الذاتية، وهذا الأمر يشكل خطراً كبيراً على الإدارة الذاتية كون هذه العشائر في حال توفر الإمكانيات اللازمة لها، قد تكون أهم نقطة قوة وتحصين داخلية في مناطق الإدارة الذاتية".

قدرة النظام

أما فيما يخص قدرة النظام السوري على السيطرة على عشائر شمال شرق سوريا، فيستنج بلال استناداً لعوامل السيطرة الجيوعسكرية والأمنية في شمال شرق سوريا، والتي لا تتناسب فيها مناطق سيطرة النظام مع مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، إلى كون النظام يبقى القوة الأكبر التي يمكنها أن تسيطر على العشائر شمال شرق سوريا في الوقت الحالي، مُستغلاً في ذلك عدة أمور وهي كل من:

1- رغم التنسيق بين بعض العشائر والإدارة الذاتية، إلا أنّ الخلافات تظهر بشكل واضح بين الطرفين في كافة مناطق الإدارة الذاتية، ولا سيما أنّ هناك خلافات ليست على مستوى تحجيم العشائر العربية؛ بل إنّ هناك صراعاً كردياً عربياً يدعمه النظام قوامه أنّ الأكراد يريدون التخلص من العرب، لذا يظهر بشكل واضح؛ أنّ التعاون بين العشائر العربية والأكراد، إن وجد، فهو تعاون محدود.

اقرأ أيضاً: العودة إلى عفرين: الأكراد أمام مُقاومة بيضاء أو استسلام بطعم الهزيمة

2- إنّ القيادات العشائرية الرئيسة تعمل مع النظام السوري، كقبائل طي وشمر، ونسبة كبيرة من البكارة، وجزء من العكيدات، وهذه القبائل تشكل قوة كبيرة يستغلها النظام السوري بشكل كبير، وظهر هذا الأمر في مؤتمر القامشلي؛ حيث إنّه خلال ثلاثة أيام حشد النظام عدداً جيداً من القبائل للرد على قبائل عين عيسى، حيث إنّ اعتماده على قيادات مهمة عشائرية جعلت له القدرة على القيام بهذه الخطوات.

3- النظام السوري يعتمد على النفس الطويل في خطواته مع عشائر شمال شرق سوريا، فهو يعلم مدى الخلاف بين العرب والأكراد، ويعمل على تغذيته بكافة الوسائل، ابتداء بالتحريض الإعلامي، ومن ثم العمل على شقّ صفوف قوات الإدارة الذاتية من خلال خلق انشقاقات في صفوفهم، ولا سيما العناصر المنحدرين من العشائر، ويستخدم النظام في هذا الأمر أعضاء حزب البعث، وأعضاء مجلس الشعب، للتواصل مع العشائر في مناطق قسد لخلق هذه التوترات.

4- النظام السوري في نشاطه مع العشائر مدعوم بشكل كبير من الشخصيات المحسوبة على إيران وروسيا، لذلك فإنّ النظام رفع من قدرته على التغلغل في العشائر، واستناداً لهذا الأمر؛ فالعشائر عبر ملف المصالحات والتفاوض الذي تقوده روسيا نجحت في خلق علاقة مع حميدي دهام الجربا في شمر من جهة، إضافة لنفوذ إيران في كل من قبيلة البكارة من جهة ثانية، وهذا الأمر مهم جداً للنظام السوري.

ويختم بلال بالقول: "بالنتيجة؛ يظهر أنّ النظام السوري هو القوة الأكثر قدرة على الاستفادة من العشائر وتجنيدها والعمل معها في المستقبل، خاصة إن تأخرت الادارة الذاتية في بناء وتوثيق تحالفاتها الداخلية مع العشائر العربية وباقي المجتمع الكُردي والمكونات الأخرى في المنطقة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً".

الصفحة الرئيسية