إيران وأذربيجان.. تاريخ من التوتر في العلاقات بين البلدين الجارين

إيران وأذربيجان.. تاريخ من التوتر في العلاقات بين البلدين الجارين

مشاهدة

12/10/2021

تصاعد التوتر بين إيران وأذربيجان، مطلع شهر تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وهو ما ظهر إلى العلن مع مشاهد حشد القوات الإيرانية وإجراء المناورات على الحدود مع أذربيجان. بالمقابل، كانت الحكومة الأذربيجانية قد فرضت رسوماً مشددة على الشاحنات الإيرانية المتجهة إلى أرمينيا. وجاء هذا التصعيد ليفتح باب التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين البلدين الجارَيْن وأبرز أسباب التوتر المستمر بينهما.

"أذربيجان الجنوبيّة".. التحديّ القوميّ

يشكّل الأذر ما نسبته (15-20%) من إجمالي سكان إيران البالغ عددهم (84) مليون نسمة، وذلك وفقاً للتقديرات المتفاوتة، وهو ما يجعل منهم ثاني أكبر مكوّن في البلاد، بعد الفُرس، وهم يتركزون في محافظات: أردبيل، وزنجان، وأذربيجان الشرقية، وأذربيجان الغربية، شمال غرب إيران، وهي المحافظات المحاذية لجمهورية أذربيجان، وهي المنطقة التي يطلق عليها من قبل القوميين الأذر اسم "أذربيجان الجنوبية".

منذ تأسيس جمهورية أذربيجان بدأت تتصاعد بين الأذر في إيران النظرة لها باعتبارها امتداداً قوميّاً لهم

ورغم كون الأذر من الشيعة، وتولى العديد منهم مناصب قيادية هامّة في إيران، بما في ذلك منصب المرشد الأعلى للثورة؛ إذ إنّ علي خامنئي هو أذريّ، إلاً أنه يظلّ يسود بينهم الشعور بالتهميش من قبل الفرس الممسكين بمفاصل الدولة، وهو ما يغذّي باستمرار المطالبات بنيل الحكم الذاتي أو الانفصال والاستقلال عن إيران. وتنتشر بين الناشطين الأذر المطالبات بإقرار الحقوق الثقافية كتدريس اللغة الأذرية إلى جانب الفارسية.

وقد فرض تأسيس جمهورية أذربيجان بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، تحدياً على إيران  التي بادرت لاتخاذ التدابير لتقييد التواصل بين الأذريين من الجانبين، في أذربيجان وشمال إيران، وخاصّة مع بروز حركات قوميّة في أذربيجان بدأت تدعم النزعات الانفصالية للأذريين الإيرانيين. ومنذ تأسيس جمهورية أذربيجان بدأت تتصاعد بين الأذر في إيران النظرة لها باعتبارها امتداداً قوميّاً لهم، وهو ما عزز من خطاب التيار القومي بينهم، المطالب بالانفصال عن إيران وتشكيل دولة موحدة مع أذربيجان، وبالتالي زادت وتيرة هذا التهديد بالنسبة لإيران. 

باللون الأزرق الداكن.. مناطق انتشار العرقية الأذرية بين إيران وأذربيجان

ويتعزز التوتر بين البلدين بسبب استضافة أذربيجان لمجموعة من تنظيمات المعارضة الأذرية التي تطالب بالانفصال عن إيران. وأبرزها "حركة الصحوة الوطنية لأذربيجان الجنوبية"، التي تأسست عام 2002، والتي كانت قد تسببت بأزمة دبلوماسية بين البلدين في العام 2013، عندما قامت بتنظيم فعالية لبحث قضية الأذريين في إيران والمطالبة بانفصال المحافظات الأربع التي يقطنون بها. 

فضلاً عن ذلك، توجد في أذربيجان أحزاب وتيار قومي أذربيجاني يساند وتدعم المجموعات الأذرية الإيرانية، ويطالب بتوحيد ما يسمى بـ "أذربيجان الشمالية" (أي جمهورية أذربيجان) مع "أذربيجان الجنوبية" (أي محافظات: أذربيجان الغربية، وأذربيجان الشرقية، وزنجان، في إيران). وكان عدد من أعضاء البرلمان الأذربيجاني قد طالبوا في عام 2012 بتغيير اسم بلادهم إلى "أذربيجان الشمالية"، للتذكير والتأكيد على قضية الجنوب الأذري، وواقع التقسيم لـ "أذربيجان التاريخية".

العلاقات مع تركيا.. تحدي على المستوى الاستراتيجي

جاء الدعم التركي الواسع والمعلن لأذربيجان في حربها، مع أرمينيا في مرتفعات "قرة باغ"، أواخر العام 2020، وما رافق ذلك وأعقبه من خطوات لتعزيز العلاقات والشراكة بين تركيا وأذربيجان (بما في ذلك زيارة أردوغان للمشاركة في مراسم الاحتفال بالنصر) ليعزز القلق والمخاوف الإيرانية من تصاعد النفوذ والحضور التركي في منطقة القوقاز التي تنظر لها إيران باعتبارها خاصرة ومنطقة حساسة بالنسبة لأمنها القومي.

وجاء التقدم الذي حققته أذربيجان على حساب أرمينيا في المواجهة ليحمل مخاطر عدّة بالنسبة لإيران بما تضمنه من تعديل على مستوى موازين القوى والمعادلات الجيوسياسية لصالح الطموحات التركية على حساب الدور والنفوذ الإيراني في القوقاز. وتنظر إيران لتركيا بوصفها منافساً جيوسياسياً في منطقة القوقاز؛ إذ تسعى تركيا لتغيير خريطة القوى في المنطقة، بما يخدم  المصالح القومية التركية.

وجاءت التحوّلات الأهم إثر المواجهة الأخيرة على مستوى طُرُق المواصلات عبر أذربيجان وأرمينيا (باتجاه البحر الأسود وأوروبا بالنسبة لإيران، وباتجاه آسيا الوسطى بالنسبة لتركيا). إذ تمكنت أذربيجان عقب الحرب  من السيطرة على جزء من طريق "جوريس - كابان"، الرابط بين إيران وأرمينيا، ما أدى إلى بروز المخاوف لدى إيران من احتمالية إغلاق الطريق الهامّ لحركة الصادرات الإيرانية باتجاه البحر الأسود وشرق أوروبا، وهو ما تجسّد فعلاً مع بدء الإجراءات الأذربيجانية في العام 2021 بالتحكم في حركة مرور الشاحنات عبره. وفي المقابل، ومع تفعيل الطريق الرابط بين إقليم "نخجوان" الأذربيجاني وسائر الأراضي الأذربيجانية، وفقاً لما تقرر في مخرجات اتفاق إنهاء الحرب، بات بإمكان تركيا الوصول إلى بحر قزوين (ومن ثم باتجاه آسيا الوسطى والصين) عبر أذربيجان، وهو ما يعني تجاوز الحاجة للمرور عبر الأراضي الإيرانية.

الرئيس التركي أردوغان رفقة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف.. أثناء زيارة أردوغان إلى باكو في نهاية العام 2020

التعاون مع إسرائيل.. تهديد أمني وعسكري

تعود بداية العلاقة بين إسرائيل وأذربيجان إلى تسعينيات القرن العشرين، بعدما استقلّت جمهورية أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي. وقد وجدت إسرائيل في أذربيجان مصدراً لاحتياطيات كبيرة من النفط يمكن استيرادها وبالتالي تنويع مصادر تأمين احتياجات الطاقة لديها. بالإضافة إلى ذلك، طمعت إسرائيل في الاستفادة من موقع أذربيجان الهامّ لحركة وخطوط التجارة والنقل، باعتبارها تقع بجوار تركيا، وفي قلب المنطقة القوقاز، وعلى بحر قزوين وحدود آسيا الوسطى، فضلاً عن أهمية موقعها من النواحي الأمنية والعسكرية، وخاصة بسبب وقوعها مباشرةً على الحدود الشمالية لإيران.

من وجهة نظر إيران فإنّ أخطر أوجه هذه العلاقة كان التعاون العسكري والأمني بين أذربيجان وإسرائيل، وهو ما يمنح إسرائيل إمكانية التمركز أمنياً وعسكريّاً عند الخاصرة الشمالية الغربية لإيران، وقد دأبت التصريحات الإيرانية على التأكيد والتحذير بشكل متكرر ومتواصل من أنّ أذربيجان تمثل معقلاً للأنشطة الإسرائيلية المُعادية لإيران، وهو ما ظهر بشكل علني ورسمي في العام 2012، عندما وقعت حادثة اغتيال العالم النووي الإيراني، مصطفى أحمدي-روشان، إذ جرى استدعاء السفير الأذربيجاني في طهران حينها وتم تبليغه اتهاماً صريحاً مفاده أنّ إيران تعتبر بلاده شريكة في عملية الاغتيال، بسبب استضافتها واحتضانها لأنشطة الموساد الإسرائيلي. 

اقرأ أيضاً: أذربيجان لإيران: كفاكم كذباً... ما القصة؟

ووصلت هذه الشكوك والاتهامات إلى أعلى مستوى في مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2021، عندما تحدث وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، عن وجود إسرائيلي في أذربيجان، مشدداً على أنّ إيران لن تقبل أن تكون هناك أي تواجد إسرائيلي قرب حدودها. ووفقاً لتعبيره، قال عبد اللهيان: "إنّ طهران لا تريد أن تتحول أذربيجان إلى ساحة يسرح ويمرح فيها الإسرائيليون". 

وتشير السلطات الإيرانية إلى أنّ أذربيجان أعطت موطئ قدم لإسرائيل، وأنّ أغلبية الأعمال الاستخباريّة التجسسيّة الإسرائيليّة ضد إيران تنطلق من الأراضي الأذربيجانية. وعلى مستوى آخر، تبرز خشية إيران من إمكانيّة استغلال إسرائيل القواعد العسكرية الأذربيجانية في أيّ حرب مقبلة مع إيران (أو محاولة توجيه ضربة للمواقع الإيرانية النووية)، نظراً لأنها تقلل المسافات، وتقلّل التكلفة، وتقلّل من المخاطر التي قد يواجهها الطيران الإسرائيلي بسبب عمليات التصدي من قبل الدفاعات الإيرانيّة. 


جاء الدعم التركي لأذربيجان في حربها مع أرمينيا أواخر العام 2020 ليعزز المخاوف الإيرانية من تصاعد النفوذ التركي في القوقاز

العامل الطائفي.. ورقة إيرانيّة

تعدّ أذربيجان، الدولة الثانية في العالم من حيث نسبة الشيعة بين سكانها (وذلك مع الإشارة إلى أن النسبة الغالية منهم هم من العلمانيين أو اللادينيين). ومن جهتها، تحاول إيران استغلال البعد الطائفي الشيعي بين سكان  أذربيجان، وبما يؤدي للمساهمة في تعزيز الرابطة الشيعية على حساب القومية، ما يمنح إيران بالتالي مزيداً من النفوذ في أذربيجان، ويحدّ من أو يوازي التهديد القومي الأذربيجاني في إيران.

تتحرك إيران على مستويات عدّة بهذا الصدد؛ فهي مثلاً تستقطب الطلاب من أذربيجان للدراسة في حوزاتها. وفي مطلع العام 2016 جرى الانتقال إلى مستوى جديد مع إنشاء "الحركة الإسلامية الأذربيجانية"، والمعروفة بـ "حسينيون"، وهي ميليشيا شيعية أذريّة، تأسست في مدينة قُم الإيرانية، بقيادة  "توحيد إبراهيم بيغلي"، وقد شاركت في الحرب السورية، تحت مبرر المشاركة في الحرب ضد تنظيم "داعش". وتبدو هذه الحركة كورقة يمكن لإيران استغلالها وتوظيفها في أي مواجهة مع أذربيجان، في حالة تدهور العلاقات معها، وقد ظهرت الحركة بأعلامها الصفراء خلال المناورات التي أجرتها إيران على الحدود مع أذربيجان في تشرين الأول (أكتوبر) 2021.

توحيد إبراهيم بيغلي مع قاسم سليماني

وعلى المستوى الاستراتيجي، فإنه وطالما ظلّت توجهات السياسة الخارجية الأذربيجانية تتجه نحو تعزيز علاقاتها وربط مصالحها مع العرب بهدف خلق توازن مع النفوذ الروسي في القوقاز والضغط على إيران، ومع استمرار حالة التوتر بين إيران والغرب، فإنّ ذلك يعني استمرار العلاقة بين أذربيجان وإيران في حالة من التوتر على المدى الزمني الأبعد.

الصفحة الرئيسية