إسقاط الإخوان في اليمن: تفكك الجماعة وتقويض سرديتها الأخيرة

إسقاط الإخوان في اليمن: تفكك الجماعة وتقويض سرديتها الأخيرة

إسقاط الإخوان في اليمن: تفكك الجماعة وتقويض سرديتها الأخيرة


09/10/2025

تتصاعد في المشهد اليمني، خلال الأشهر الأخيرة، دعوات سياسية وشعبية متواترة لإسقاط حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذراع المحلية لجماعة الإخوان المسلمين، أو على الأقل الحدّ من نفوذه السياسي والعسكري. ولم تعد هذه الدعوات مجرد صدى لغضب محلي من ممارسات الحزب، بل غدت عنوانًا لمرحلة جديدة من المواجهة مع الإسلام السياسي في واحدة من أكثر ساحات الصراع تعقيدًا في المنطقة.

فبعد سنوات من الحرب والانقسامات تحوّل حزب "الإصلاح" في نظر خصومه من شريك سياسي إلى عبء يهدد التوازنات الدقيقة بين القوى اليمنية، ويعيد إنتاج الهيمنة العقائدية التي عانى منها اليمن لعقود. وهكذا باتت فكرة إسقاط الإخوان في اليمن تتجاوز الحسابات السياسية إلى كونها تعبيرًا عن رفض فكري واجتماعي لنموذج الإسلام الحزبي الذي فشل في التكيّف مع المتغيرات.

من الشرعية إلى الهيمنة: تحوّل الخطاب الإخواني في اليمن

حين دخل الإخوان المشهد اليمني تحت لافتة "الإصلاح" مطلع التسعينيات، حملوا شعار المشاركة السياسية في ظل التعددية الناشئة آنذاك. لكن سرعان ما تحولت تلك المشاركة إلى منظومة نفوذ مزدوجة تجمع بين الدعوي والسياسي، وبين الشرعية الدينية والمكاسب المادية.

ففي مرحلة ما قبل الحرب، تمدّد الحزب داخل مؤسسات الدولة، واستثمر في التعليم والمساجد والجمعيات الخيرية، ليؤسس قاعدة اجتماعية واسعة. غير أنّ ما بدا آنذاك "نجاحًا تنظيميًا"، كشف لاحقًا عن وجه هيمني يكرّس الولاء للجماعة قبل الدولة.

تحوّل حزب "الإصلاح" في نظر خصومه من شريك سياسي إلى عبء يهدد التوازنات الدقيقة بين القوى اليمنية، ويعيد إنتاج الهيمنة العقائدية التي عانى منها اليمن لعقود.

ومع اندلاع الصراع في اليمن، تحوّل الحزب إلى لاعب عسكري وسياسي في الوقت ذاته، مستندًا إلى دعم أطراف إقليمية رأت فيه حاجزًا أمام تمدد الحوثيين. لكنّ انهيار هذا التحالف، مع تغيّر خريطة القوى الإقليمية، كشف هشاشة المشروع الإخواني، وعرّى خطابه الذي يزاوج بين الشعارات الدينية وأدوات البراغماتية السياسية.

أسباب تصاعد الدعوات لإسقاط الإخوان

يرى مراقبون أنّ الدعوات الأخيرة لإقصاء حزب "الإصلاح" ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكم غضب اجتماعي وسياسي طويل.

فمن جهة، اتُّهم الحزب بالتغلغل في مفاصل الحكومة الشرعية، وإدارة بعض المناطق وفق أجندته الخاصة، وهو ما أثار استياء مكونات جنوبية وشمالية على حد سواء. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى سلوك الحزب كامتداد لنهج الإخوان في المنطقة، الذي يقوم على احتكار التمثيل الديني والسياسي، واستثمار الفوضى لتحقيق مكاسب تنظيمية.

ويضيف باحثون أنّ التحولات الإقليمية، خصوصًا بعد تراجع نفوذ الإخوان في مصر وتونس والسودان، دفعت أطرافًا يمنية إلى استثمار اللحظة لإعادة ضبط التوازن الداخلي، عبر تحجيم القوة الإخوانية التي باتت تُرى كعائق أمام أيّ تسوية وطنية.

اتُّهم الحزب بالتغلغل في مفاصل الحكومة الشرعية، وإدارة بعض المناطق وفق أجندته الخاصة، وهو ما أثار استياء مكونات جنوبية وشمالية على حد سواء. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى سلوك الحزب كامتداد لنهج الإخوان في المنطقة.

كما أنّ تصاعد الخطاب الجنوبي المطالب بالانفصال، أعاد إلى الواجهة حسابات الهوية والسيادة، حيث يُتهم حزب "الإصلاح" بالعمل على تذويب الهوية المحلية ضمن مشروع إسلامي عابر للحدود، وهو ما يجعل الدعوات لإسقاطه جزءًا من معركة هوية بقدر ما هي معركة سلطة.

الخطاب الإخواني بين الإنكار والتموضع

في مواجهة هذا السيل من الدعوات، لجأ حزب "الإصلاح" إلى خطاب دفاعي مزدوج: فهو من جهة يقدّم نفسه كـ "ضحية تحريض سياسي"، ومن جهة أخرى يحاول إعادة التموضع ضمن إطار وطني جامع.

لكنّ المشكلة، كما يرى عدد من المحللين، أنّ هذا التموضع لم ينجح في إقناع خصومه أو حتى قواعده. فالجماعة التي اعتادت التحرك في فضاء إيديولوجي مغلق، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى الانفتاح على مشهد سياسي لا يؤمن بالمطلقات العقائدية التي قامت عليها.

وبينما تتحدث قيادة الحزب عن "المشاركة الوطنية"، تتهمها أطراف محلية بأنّها ما تزال رهينة خطاب الولاء للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأنّها لم تقطع مع فكرة "الأمّة الإسلامية الواحدة" كإطار بديل عن الدولة الوطنية.

بهذا المعنى، يبدو أنّ أزمة الحزب ليست سياسية فحسب، بل فكرية أيضًا: فالجماعة التي نشأت لتنافس الأنظمة، تجد نفسها اليوم مطالبة بالتحول إلى مكوّن وطني ضمن دولة لم تعد تحتمل الخطابات الشمولية.

البُعد الإقليمي: اليمن كساحة لتصفية الحسابات الإخوانية

لا يمكن فصل دعوات إسقاط الإخوان في اليمن عن التحولات الأوسع في الإقليم. فمع إعادة تشكيل التحالفات الخليجية والعربية، أصبح وجود الإخوان عبئًا أمنيًا وإيديولوجيًا أكثر منه ورقة ضغط.

وتشير تقديرات إلى أنّ التوجه الإقليمي لمحاصرة الجماعة جعل من الساحة اليمنية امتدادًا لصراع أوسع، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والفكرية. فالدول التي تضررت من نشاط الإخوان ترى في تحجيم حزب "الإصلاح" خطوة استراتيجية لمنع تمدد الفكر السياسي المتطرف في المنطقة.

تتحدث قيادة الحزب عن "المشاركة الوطنية"، تتهمها أطراف محلية بأنّها ما تزال رهينة خطاب الولاء للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وأنّها لم تقطع مع فكرة "الأمّة الإسلامية الواحدة" كإطار بديل عن الدولة الوطنية.

وفي المقابل، تحاول قيادات الحزب تصوير ما يجري على أنّه "مؤامرة خارجية"، غير أنّ الواقع يؤكد أنّ السقوط السياسي للجماعة أصبح نتاجًا طبيعيًا لفشلها في التكيّف مع شروط الدولة الحديثة، وليس مجرد ضحية لصراع جيوسياسي.

بين إسقاط الحزب وتفكيك الفكرة

تكمن المعضلة في أنّ إسقاط حزب "الإصلاح" كتنظيم لا يعني بالضرورة انتهاء الفكر الإخواني في اليمن. فالتجربة التاريخية للجماعة في المنطقة تُظهر أنّ قدرتها على التحول والاختباء داخل واجهات مدنية أو جمعيات أهلية تظل عالية.

ولهذا يرى خبراء في مكافحة التطرف أنّ المواجهة الحقيقية لا تكون في تفكيك البنية التنظيمية فحسب، بل في تفكيك البنية الذهنية التي تنتج الخطاب الإقصائي باسم الدين.

إنّ تفكيك فكرة "التمكين" التي تقوم عليها أدبيات الإخوان، واستبدالها بثقافة المشاركة والتعدد، هو الطريق الوحيد لتجفيف منابع الأدلجة داخل المجتمع اليمني، الذي عانى طويلًا من توظيف الدين في الصراع السياسي.

ما بعد الإخوان: نحو استعادة المجال السياسي المدني

في ظل هذه التحولات، يبرز سؤال محوري: ما البديل عن الإخوان؟

فاستبعاد فاعل سياسي بحجم حزب "الإصلاح" دون توفير مسارات اندماج مدني قد يخلق فراغًا خطيرًا. المطلوب إذًا ليس استئصالًا سياسيًا، بل تحوّلًا ثقافيًا يضمن ألّا يعود الإسلام السياسي إلى الواجهة بلباس جديد.

ويُجمع مراقبون على أنّ المرحلة المقبلة في اليمن يجب أن تقوم على بناء نظام سياسي مدني يفصل بوضوح بين المجالين الديني والسياسي، ويُخضع الجميع لقواعد التنافس السلمي لا لمعادلات الولاء العقائدي.

فما أثبتته التجربة اليمنية ـ مثل غيرها في المنطقة ـ أنّ الإسلام السياسي لا يستطيع أن يكون مشروع دولة، بل مشروع سلطة، وأنّ بقاءه مرهون بفوضى دائمة تتيح له البقاء لاعبًاً لا حاكمًا ولا محكومًا.

وتبدو الدعوات لإسقاط الإخوان في اليمن جزءًا من مسار إقليمي واسع لتفكيك إرث الإسلام السياسي، لكنّها أيضًا مرآة لأزمة داخلية يعيشها المجتمع اليمني في بحثه عن هوية سياسية جديدة تتجاوز الولاءات الدينية والحزبية.

ولعل سقوط حزب "الإصلاح"، إن حدث، لن يكون سقوط حزب بقدر ما سيكون نهاية مرحلة فكرية كاملة هيمنت فيها سردية "التمكين" على وعي الأجيال.

إنّ ما يحتاجه اليمن اليوم ليس فقط إسقاط الإخوان كتنظيم، بل إسقاط الفكرة التي جعلت الدين وسيلة للصراع والسلطة، وبناء فضاء سياسي يقوم على الدولة لا على الجماعة، وعلى المواطنة لا على العقيدة.

ذلك وحده ما يمكن أن يضع اليمن على طريق التعافي من جراحه، وينهي دوامة "الشرعية الدينية" التي عطّلت ميلاد الدولة الحديثة.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية