
لا تعني المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي الأميركية أن الرئيس دونالد ترامب فقد قدرته على إدارة أجندته السياسية، لكنها تضعه أمام معادلة مؤسسية أكثر تعقيداً، عنوانها التعايش مع كونغرس قد ينتقل إلى سيطرة خصومه. وفي هذه المعادلة يبرز حق النقض الرئاسي، أو «الفيتو»، باعتباره أحد أبرز الأسلحة الدستورية التي يتمسك بها البيت الأبيض في مواجهة الأغلبية التشريعية.
وتشير النتائج الأولية إلى استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس الشيوخ، بعد انتزاع عدد من المقاعد من الجمهوريين، فيما لا تزال المنافسة على مجلس النواب غير محسومة بصورة نهائية. وتظهر التقديرات الإعلامية تقدماً ديمقراطياً في المجلسين، لكن النتائج الرسمية لم تكتمل بعد، وهو ما يجعل شكل الأغلبية الجديدة وحجمها رهناً باستمرار الفرز وحسم الدوائر المتبقية.
وكان ترامب قد لوّح باستخدام الفيتو في حال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، في رسالة تعكس إدراك الإدارة أن انتقال الأغلبية التشريعية قد يعرقل أجزاء من برنامجها. غير أن حق النقض، رغم أهميته، لا يمنح الرئيس سلطة مطلقة على العملية التشريعية، كما أن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين لا تعني امتلاكهم القدرة على تجاوز اعتراضاته بسهولة.
وينص الدستور الأميركي على أن الرئيس يستطيع رفض مشروع قانون أقره مجلسا الكونغرس، وإعادته إلى المجلس الذي بدأ منه مرفقاً بأسباب اعتراضه. لكن الكونغرس يستطيع تجاوز الفيتو إذا أعاد إقرار المشروع بأغلبية الثلثين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وباحتساب كامل عدد الأعضاء، يعني ذلك 290 صوتاً من أصل 435 في مجلس النواب، و67 صوتاً من أصل 100 في مجلس الشيوخ، مع ارتباط العدد الفعلي في بعض الحالات بعدد الأعضاء المشاركين في التصويت.
وتبدو هذه العتبة مرتفعة بما يكفي لجعل تجاوز الفيتو أمراً صعباً، خصوصاً في ظل الاستقطاب الحزبي داخل واشنطن. لذلك لا يتوقف نفوذ الديمقراطيين على قدرتهم على إسقاط اعتراضات الرئيس، بل على الأدوات الأخرى التي يمنحها لهم موقع الأغلبية داخل المؤسسة التشريعية.
ففي مجلس النواب، يمكن للأغلبية الجديدة التحكم في جدول الأعمال، وتحديد المشاريع التي تحظى بالأولوية، وتعطيل مبادرات الإدارة التي تحتاج إلى موافقة المجلس. كما تتيح السيطرة على اللجان فتح تحقيقات في أداء المؤسسات التنفيذية، واستدعاء المسؤولين للاستماع إلى إفاداتهم، وطلب وثائق تتعلق بقرارات البيت الأبيض. ولا يعني ذلك أن كل تحقيق سيؤدي إلى تغيير في السياسات، لكنه قد يفرض على الإدارة الدفاع عن قراراتها بصورة متكررة، ويزيد من كلفة المواجهة السياسية والإعلامية.
أما مجلس الشيوخ، فتتجاوز أهميته التصويت على القوانين إلى دوره في المصادقة على تعيينات كبار المسؤولين والسفراء والقضاة. وإذا استقرت السيطرة فيه لمصلحة الديمقراطيين، فسيكون بإمكانهم إخضاع مرشحي ترامب لتدقيق أكبر، أو رفض بعض الترشيحات، أو إبطاء إجراءات المصادقة عليها. ويمنح ذلك المجلس نفوذاً مباشراً في تشكيل فريق الإدارة الذي يتولى تنفيذ سياستها الداخلية والخارجية.
وتبرز أهمية هذا التوازن في السياسة الخارجية، حيث يتمتع الرئيس بصلاحيات تنفيذية واسعة في إدارة العلاقات الدولية وتوجيه القوات المسلحة، لكنه يحتاج إلى الكونغرس في ملفات أساسية، من بينها تمويل العمليات العسكرية وإقرار المساعدات الخارجية والميزانيات الدفاعية. ومن ثم، يمكن أن تتحول الحرب مع إيران إلى واحدة من أبرز ساحات الاختبار، عبر المطالبة بتوضيحات بشأن أهداف العمليات العسكرية وكلفتها ومدتها، ومدى الحاجة إلى تفويض تشريعي لاستمرارها.
كما قد تتسع الرقابة الديمقراطية لتشمل سياسة الإدارة تجاه أوكرانيا وروسيا، ومستقبل المساعدات العسكرية لكييف، والعقوبات المفروضة على موسكو، فضلاً عن الرسوم الجمركية والعلاقات مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين. لكن هذه الملفات لن تكون بالضرورة موضع توافق داخل الحزب الديمقراطي نفسه، كما أن امتلاك الأغلبية لا يمنح الكونغرس حق إدارة الدبلوماسية بدلاً من الرئيس.
وتبقى هناك حدود أخرى للمواجهة. فالفيتو لا ينطبق على كل تحرك تنفيذي، كما أن الرئيس يستطيع استخدام صلاحياته في مجالات واسعة من السياسة الخارجية دون انتظار موافقة مسبقة على كل خطوة. وفي المقابل، لا يستطيع الكونغرس فرض كل ما يريده بمجرد امتلاك الأغلبية، إذ تظل بعض القرارات بحاجة إلى توافقات أوسع، فيما يمكن للرئيس اللجوء إلى حق النقض لإحباط التشريعات التي تتعارض مع توجهاته.
أما التلويح بالمساءلة، فيبقى مساراً دستورياً مختلفاً عن الفيتو والرقابة البرلمانية؛ إذ يملك مجلس النواب سلطة توجيه الاتهام، بينما يتولى مجلس الشيوخ محاكمة المسؤول المعني، ولا تعني التحقيقات وحدها الوصول إلى هذه المرحلة أو ضمان الإدانة.
وبذلك، لا تكمن المسألة في ما إذا كان ترامب سيحتفظ بالفيتو، فهو حق دستوري قائم، بل في مدى قدرته على تحويله إلى أداة لإدارة علاقة مستقرة مع كونغرس معارض. فالرئيس يستطيع منع تشريعات لا يريدها، لكنه لا يستطيع إجبار الكونغرس على تمرير التشريعات التي يحتاج إليها، ولا منع لجانه من ممارسة الرقابة ضمن صلاحياتها.
وإذا تأكدت النتائج الأولية واستقرت الأغلبية الديمقراطية في المجلسين، فإن العامين الأخيرين من ولاية ترامب قد يشهدان انتقال المواجهة من التنافس الانتخابي إلى صراع مؤسسي طويل، لا يملك فيه أي طرف أدوات حاسمة بمفرده. وسيكون الاختبار الأهم هو قدرة الطرفين على إدارة هذا التوازن، خصوصاً عندما تتصل الخلافات التشريعية بقرارات الحرب والإنفاق والعلاقات الدولية.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_94.jpg.webp?itok=IcYhqDD8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_2_4.jpg.webp?itok=z7YZVqUN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_16.jpg.webp?itok=Hi3hmk4g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%A7%D8%A7%D9%86_4.jpg.webp?itok=v4VZnU9V)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_18.jpg.webp?itok=neIAYj_K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%832_1.jpg.webp?itok=DgINdN2C)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_10.jpg.webp?itok=PWaEqsp6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_140.jpg.webp?itok=7qk7yFJN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%863_2.jpg.webp?itok=SEYaLRmT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_10.jpg.webp?itok=rh6QLO-u)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_6.jpg.webp?itok=11pAsKF_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_1.png.webp?itok=cL9qRILG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_17.jpg.webp?itok=xYu1_I5l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_11.jpg.webp?itok=LI7ok1Hu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_5.jpg.webp?itok=2VmJeyxJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%83%D8%A7%D8%B3%D8%AA_3.jpg.webp?itok=W8D1Ftjd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1%20%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3_1.jpg.webp?itok=c9g40geO)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_139.jpg.webp?itok=P1Gim0tZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A.jpeg.webp?itok=hFotDXCm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)