الأردن.. مجزرة الكنيسة تفتح ملف حواضن التطرف

الأردن.. مجزرة الكنيسة تفتح ملف حواضن التطرف

الأردن.. مجزرة الكنيسة تفتح ملف حواضن التطرف


04/11/2026

لم تتوقف تداعيات الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية عند الملاحقات الأمنية والإجراءات القضائية بحق المتهمين، بل امتدت إلى نقاش أوسع داخل الأوساط الثقافية والفكرية بشأن جذور التطرف والبيئة التي تسمح بانتشاره.

ويعكس بيان وقّعه عشرات الكتاب والمفكرين والتربويين والأكاديميين هذا التحول، من إدانة الجريمة والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها إلى الدعوة لمراجعة المنظومة التعليمية والدينية والثقافية التي يرى الموقعون أنها تحتاج إلى معالجة أعمق.

وجاء البيان، الذي حمل عنوان «من أجل وطن تعددي عصي على التطرف والإرهاب»، بعد الهجوم الذي وقع في 23 أكتوبر خلال مراسم جنازة في الكنيسة، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة نحو أربعين آخرين. وكانت الأجهزة الأمنية قد أعلنت القبض على ثلاثة مشتبه بهم، فيما أعلن الادعاء العام لمحكمة أمن الدولة، الثلاثاء، انتهاء التحقيق وتوجيه تهم إرهابية متعددة إلى المتهمين، بينها تسع تهم تتعلق بتنفيذ أعمال إرهابية أفضت إلى الموت.

ويقر الموقعون بأهمية المواجهة الأمنية والقضائية، لكنهم يعتبرون أن الاكتفاء بملاحقة الجناة وإنزال العقوبات بحقهم لا يعالج الأسباب التي أدت إلى الجريمة. ويصف البيان ما حدث بأنه عمل إرهابي مرتبط، وفق قراءته، بفكر عقائدي إقصائي يستهدف المختلف دينياً وفكرياً وسياسياً واجتماعياً، ويحذر من أن استمرار هذا الفكر يهدد التعددية والاستقرار الاجتماعي في الأردن.

وتكمن أهمية البيان في أنه لا يحصر المسؤولية في الأفراد الذين نفذوا الهجوم، بل يطرح سؤالاً عن المنابر والمرجعيات والبيئات التي يمكن أن تسهم في إنتاج خطاب الكراهية والتكفير.

ويشير الموقعون إلى كتب ومراجع دينية وفكرية، بينها مؤلفات لابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبدالوهاب وحسن البنا وسيد قطب، إضافة إلى منصات إلكترونية وخطابات دعوية متشددة، باعتبارها جزءاً من منظومة فكرية يرون أنها أسهمت في إعادة تشكيل نظرة بعض الشباب إلى المختلف.

وهذه المقاربة تفتح نقاشاً حساساً بشأن العلاقة بين التراث الديني وتيارات الإسلام السياسي وخطاب الجماعات المتشددة، لكنها تستدعي أيضاً التمييز بين المرجعيات الفكرية المتنوعة وبين توظيف بعض النصوص والتأويلات لتبرير العنف. فوجود اختلافات فكرية أو دينية لا يعني بالضرورة إنتاج الإرهاب، كما أن تحديد مسؤولية أي تيار أو مؤسسة يتطلب أدلة تتجاوز التعميمات والاتهامات السياسية.

ويقدم البيان قراءة تاريخية لانتشار الفكر المتشدد، رابطاً بدايات التحول بتوظيف الدين في الصراعات السياسية خلال الحرب الباردة، ولا سيما المواجهة الأميركية السوفياتية في أفغانستان. ويرى الموقعون أن هذا المسار أسهم في بناء شبكات فكرية واجتماعية ومالية تجاوز تأثيرها ساحات الصراع الأولى، وامتد إلى مجتمعات عربية، بينها الأردن.

كما يربط البيان بين هذه التحولات وبين ما يعتبره تغيراً في الهوية الثقافية للمؤسسات الأردنية منذ سبعينيات القرن الماضي، من خلال التأثير في المناهج التعليمية والمؤسسات التربوية ومحاصرة التيارات الوطنية والديمقراطية والتنويرية. وهذه الاتهامات تمثل قراءة سياسية وتاريخية يتبناها الموقعون، وتحتاج إلى نقاش موثق بشأن طبيعة التحولات التي شهدتها المؤسسات الأردنية، وأدوار القوى السياسية والاجتماعية المختلفة فيها.

ولا يقتصر البيان على التشخيص، بل يقدم ستة مسارات للمواجهة، تبدأ بتفكيك حواضن التكفير ورصد خطاب الكراهية في الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والأحزاب ومنصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى توسيع المراكز الثقافية والفنية والرياضية الموجهة إلى الأطفال والشباب. كما يدعو إلى إعادة تأهيل المنظومة التربوية، وإحياء تدريس الفلسفة والمنطق والأخلاق، وتفعيل الأنشطة الفنية والموسيقية والرياضية في المدارس.

ويضع الموقعون حماية حرية التعبير ضمن أولويات مواجهة التطرف، في إشارة إلى أن التصدي للأفكار الإقصائية لا ينبغي أن يتحول إلى فرض وصاية فكرية أو ملاحقة أصحاب الآراء المختلفة. ويعكس هذا الطرح محاولة للجمع بين مكافحة التحريض وحماية التعددية، باعتبارهما مسارين متكاملين في بناء المجال العام، لا هدفين متعارضين.

وتتجاوز دلالات البيان النقاش المتعلق بالجريمة نفسها إلى طبيعة النموذج الاجتماعي الذي يريد الموقعون الدفاع عنه، حيث يطرحون تصوراً لوطن يقوم على المواطنة والتعددية، ويعتبرون أن حماية المكونات الدينية والفكرية لا تنفصل عن حماية الهوية الوطنية. كما يربطون المخاطر الداخلية بالتحديات الإقليمية، ولا سيما المشاريع التوسعية الإسرائيلية التي يقولون إنها تهدد الأردن ومحيطه العربي.

لكن تحويل هذه الدعوات إلى سياسات عملية يظل التحدي الأبرز. فمراجعة المناهج والخطاب الديني لا يمكن أن تتم بمجرد تغيير بعض النصوص أو استبعاد مراجع فكرية، بل تتطلب نقاشاً مؤسسياً واسعاً يوازن بين مكافحة التحريض وصون حرية البحث والتعبير، ويعزز قدرة المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية على تنمية التفكير النقدي وقبول الاختلاف.

ويعيد الهجوم على كنيسة حمود، بهذا المعنى، طرح سؤال يتجاوز معرفة من نفذ الجريمة إلى فهم الظروف التي سمحت بتشكل الأفكار التي قادت إليها. وبينما تبقى المحاسبة القضائية ضرورة لا غنى عنها، فإن النقاش الذي أطلقه المثقفون الأردنيون يضع الدولة والمجتمع أمام اختبار أوسع يتعلق بقدرة المؤسسات على حماية التعددية، ومنع تحويل الاختلاف الديني والفكري إلى مبرر للعنف أو تهديد السلم الأهلي.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية