
مع صدور التقرير الأمريكي لمكافحة الاتجار بالبشر، الذي أبقى السودان ضمن المستوى الثالث، برز تكرار وصف سلطات بورتسودان بـ«الحكومة التابعة للجيش» 33 مرة، بوصفه لافتة تستدعي التوقف عند دلالاتها السياسية.
فهذا التوصيف لم يعد -بحسب خبراء ومحللين استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم- مجرد تعبير لغوي في تقرير للحكومة الأمريكية، بل مدخلا لفهم نظرة واشنطن إلى السلطة القائمة في بورتسودان، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكم، وحدود المساءلة عن الانتهاكات في السودان.
فمع إبقاء البلاد في المستوى الثالث ضمن التصنيف الأمريكي، يسلط التقرير الضوء على إخفاقات في ملاحقة المتورطين في الاتجار بالبشر، وحماية الضحايا، ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع.
وبحسب التقرير، فإن «الحكومة السودانية المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية لا تستوفي المعايير الدنيا للقضاء على الاتجار بالبشر استيفاءً كاملًا، ولا تبذل جهودًا كبيرة لتحقيق ذلك»، مشيرًا إلى أنها «اتبعت سياسة أو نمطًا قائمًا على التجنيد غير القانوني للأطفال أو استخدامهم جنودًا».
فما دلالات تكرار وصف واشنطن لسلطة بورتسودان بـ«حكومة الجيش» 33 مرة؟
قال الناطق الرسمي باسم القوى المدنية المتحدة «قمم» في السودان عثمان عبدالرحمن، إن تكرار وصف «الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية» في التقرير الأمريكي الخاص بمكافحة الاتجار بالبشر يعكس، من وجهة نظره، طبيعة تعامل واشنطن مع السلطات القائمة في بورتسودان، في ظل الأزمة السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد.
وأوضح عبدالرحمن أن الموقف الأمريكي من هذه السلطات يرتبط، بحسب تقديره، بمسارين أساسيين؛ أولهما وصول الجيش إلى السلطة عقب انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وثانيهما تداعيات الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023، وما ترتب عليها من فقدان السلطات السيطرة على مناطق واسعة من البلاد.
وأضاف أن واشنطن تتعامل مع السلطات في بورتسودان باعتبارها سلطة أمر واقع تفتقر، وفق توصيفه، إلى الشرعية الدستورية والشعبية والقانونية، مشيرًا إلى أن محدودية المشاركة في الفعاليات المؤيدة لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان تعكس، في تقديره، تراجع التأييد الشعبي لهذه السلطات.
وأشار إلى أن تكرار وصف السلطات في بورتسودان في التقرير الأمريكي ينبغي قراءته ضمن سياق أوسع يشمل المواقف الأمريكية من الحرب والسلطة القائمة، مع ضرورة التمييز بين الدلالات السياسية المحتملة للمصطلحات الواردة في التقارير الرسمية وبين وجود قرار أمريكي صريح بشأن الاعتراف بالسلطات أو شرعيتها.
واستشهد الناطق الرسمي باسم القوى المدنية المتحدة «قمم» بما وصفه بتعامل واشنطن مع وزير الخارجية التابع للسلطات في بورتسودان باعتباره معينًا من قبل الجيش، بما في ذلك في بعض الوثائق المرتبطة بالأمم المتحدة، معتبرًا أن هذه الإشارات تعكس طبيعة التعاطي الأمريكي مع السلطة القائمة.
كما أشار إلى عدم منح البرهان تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، واصفًا الخطوة بأنها تعبير عن توجه سياسي رسمي أمريكي، وليس مجرد وسيلة للضغط، ومعتبرًا أنها ترتبط بموقف واشنطن من شرعية قيادته لمجلس السيادة.
وفيما يتعلق باستمرار السودان ضمن المستوى الثالث في التصنيف الأمريكي لمكافحة الاتجار بالبشر، رأى عبدالرحمن أن ذلك يعكس محدودية فاعلية إنفاذ القانون والمساءلة القضائية، واستمرار الفجوة بين الالتزامات القانونية والتطبيق العملي، لا سيما في ملاحقة المتورطين في جرائم الاتجار بالبشر، وتوفير الحماية للضحايا، ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع.
وبحسب التقرير، فإن الحكومة المرتبطة بالجيش لم تفد بأنها حاكمت أو أدانت أيًا من المتورطين في الاتجار بالبشر، أو حققت مع أي مسؤولين أو لاحقتهم قضائيًا على خلفية التجنيد القسري للأطفال أو استخدامهم جنودًا، كما ظلت تفتقر إلى إجراءات تشغيلية موحدة لتحديد ضحايا الاتجار بالبشر وإحالتهم إلى جهات الرعاية المختصة. ولم تفد بتحديد هوية أي ضحايا للاتجار بالبشر أو تقديم المساعدة إليهم، فيما ظل المأويان التابعان لها مغلقين.
وأكد الناطق باسم قمم، أن غياب الإدانات القضائية في قضايا الاتجار بالبشر، إلى جانب أوجه القصور في خدمات حماية الضحايا ومواجهة تجنيد الأطفال، يشير إلى أن الجهود المعلنة لم تتحول إلى نتائج عملية ملموسة، بحسب تقييمه.
وشدد عبدالرحمن على أن استمرار السودان في المستوى الثالث يعكس عدم استيفاء المعايير المطلوبة للخروج منه، معتبرًا أن تحسين التصنيف يستلزم إصلاحات قابلة للقياس في مجالات الوقاية والحماية والملاحقة القضائية، إلى جانب تعزيز المساءلة عن الانتهاكات.
تحذيرات من التداعيات
في السياق نفسه، قال هارون مدييخير، رئيس «قمم»، إن تكرار الإشارات الأمريكية إلى قضايا الإرهاب والاتجار بالبشر في التقارير المتعلقة بالسودان يعكس خطورة الأوضاع الراهنة، ويستدعي موقفًا أمريكيًا أكثر حزمًا يدفع نحو إحلال السلام، محذرًا من تداعيات استمرار الأزمة على أمن البلاد واستقرارها.
وأضاف مدييخير أن ملف الاتجار بالبشر يمثل أحد الملفات التي تحظى باهتمام الولايات المتحدة، لافتًا إلى أن السودان يُستخدم ضمن مسارات عبور المهاجرين عبر الصحراء، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، تكرار الإشارات إلى هذه القضية في التقارير الأمريكية المنشورة.
وبحسب التقرير، فإن الحكومة لم تفد باتخاذ أي إجراءات لمعالجة تورط مسؤولين رسميين في جرائم الاتجار بالبشر. ومع ذلك، ظل الفساد والتواطؤ الرسمي في هذه الجرائم مصدرَي قلق كبيرين، وأعاقا إجراءات إنفاذ القانون خلال العام، مشيرًا إلى أن الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية لم تتعاون مع حكومات أخرى في عمليات إنفاذ القانون.
وشدد رئيس «قمم» على ضرورة تعامل المجتمع الدولي بجدية أكبر مع الأزمة السودانية، محذرًا من أن استمرار وجود الجماعات الإسلامية، التي وصفها بالإرهابية، في السلطة أو مشاركتها فيها من شأنه أن يقوض فرص الوصول إلى سلام مستدام، ويجعل التسوية السياسية بعيدة عن تحقيق أهدافها.
ودعا إلى اتخاذ موقف رسمي أكثر وضوحًا تجاه السودان في المؤسسات الدولية، مشيرًا إلى تجميد عضوية البلاد في الاتحاد الأفريقي، ومتسائلًا عن كيفية استمرار التعامل مع السلطات السودانية في المنابر الدولية، في ظل الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية والأسلحة المحرمة دوليًا ضد المدنيين.
واختتم رئيس منظمة «قمم» بالتأكيد على ضرورة منح الملف السوداني اهتمامًا دوليًا خاصًا، والتحرك بصورة أكثر جدية لمعالجة تداعيات الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم الجهود الرامية إلى إحلال السلام.
بدوره، قال الدكتور أسامة أحمد المصطفى في مقال له بـ«العين الإخبارية»، إن تكرار وصف (الحكومة التابعة للجيش) 33 مرة في التقرير الأمريكي المشار إليه لعام 2026، يستحق التدقيق في النص الرسمي، لما قد يحمله من دلالات بشأن طبيعة السلطة التي تتعامل معها واشنطن في سياق الأزمة السودانية.
وأوضح أن القضية لا تتعلق بعدد مرات ورود عبارة بعينها فحسب، بل بالسياق الذي تستخدم فيه، وما تكشفه عن العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، وعن مدى فاعلية مؤسسات الدولة في أداء مسؤولياتها المدنية والقانونية.
وعندما يتكرر توصيف الحكومة بارتباطها بالجيش في تقرير يتناول الاتجار بالبشر، فإن ذلك يفتح باباً مشروعاً للتساؤل، هل تستطيع مؤسسات السلطة القائمة أن تفصل واجبات حماية الإنسان وإنفاذ القانون عن مقتضيات الحرب ومراكز النفوذ العسكري؟
العين

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_1.jpg.webp?itok=NbYf02g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_9.jpg.webp?itok=UTPKT8DU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_11.jpeg.webp?itok=0Rx6X1YL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_9.jpg.webp?itok=Hcb3diFf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_7.jpg.webp?itok=C3_-cDzL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=Dxmr0F8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_17.jpg.webp?itok=GjcpY4Fo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_6.jpg.webp?itok=sfXiAAhI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_3.jpg.webp?itok=xYnwoZOt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=gkINRwYB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A97.png.webp?itok=zXaGxkqX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_18.jpg.webp?itok=vI_zXC6Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_4.jpg.webp?itok=Gl7LLx_y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
