
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 9 آذار )مارس) الجاري جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 16 (مارس)، وهذا القرار له آثار سياسية وقانونية ومالية متعددة تسهم في تقييد حركة الكيان المصنف إرهابيًا بشكل كبير، حيث يترتب عليه تجميد الأموال والأصول داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو التي تمر عبر النظام المالي للدولار، وكذلك تجريم أيّ دعم مالي لهذا الكيان ممّا يجعل أيّ جهة تقدم دعمًا ماليًا له معرضة لإجراءات قانونية من الولايات المتحدة، كما يترتب على القرار تقييد حركة الأفراد المنتمين لهذا الكيان على المستوى الدولي من خلال وقف التأشيرات والإدراج على قوائم المراقبة، ويؤثر القرار على شرعية الكيان ممّا يجعل هناك حذراً في التعامل معه من جانب الدول والمنظمات الدولية، إلى غير ذلك من آثار تؤدي إلى محاصرة وإضعاف الكيان الموصوم بالإرهاب وتقلل من نفوذه، لكن على الرغم من ذلك، فإنّ وضع الجماعة في السودان له خصوصية تجعل الآثار المترتبة على هذا القرار وتحقيق الهدف المراد منه محل جدل في الواقع.
القرار كأحد أدوات الصراع الأمريكي/الإيراني
وفق القرار الذي أعلنته الخارجية الأمريكية فإنّ أسباب التصنيف تعود إلى ممارسات الجماعة خلال الحرب الأهلية التي بدأت منذ العام 2023م بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث تقاتل بعض الجماعات المسلحة التابعة للجماعة أبرزها كتيبة "البراء بن مالك" بجانب الجيش السوداني، وقد ذكر القرار الأمريكي هذه الكتيبة متهمًا إياها بارتكاب ممارسات إجرامية من قتل وتخريب وإعدامات جماعية ضد المدنيين، وأنّها تتسبب في إطالة أمد الحرب وتعميق الصراع الداخلي، لكنّ الأهم هو ما ذكرته الخارجية في نص القرار بأنّ هذه الكتيبة تتلقى دعمًا وتدريبًا من جانب الحرس الثوري الإيراني، وقد أصدرت الكتيبة بالفعل عدة بيانات تندد خلالها بالحرب على إيران وتعلن دعمها لها، وليس الأمر مقتصرًا على هذه الكتيبة فحسب، فقد أفاد العديد من التقارير بأنّ الجيش السوداني تلقى دعمًا من إيران في حربه ضد قوات الدعم السريع؛ لذلك يأتي هذا التصنيف لجماعة الإخوان في السودان، الذي سبقه تصنيفات أخرى للجماعة في مصر ولبنان والأردن بسبب العلاقة مع حماس واتهامها بتقديم أشكال من الدعم لها، في إطار الحرب الدائرة بين أمريكا وإيران كإحدى الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة للحد من النفوذ الإيراني والقضاء على أذرعها في المنطقة، ومن الدلالات على ذلك أيضًا عدم تصنيف الولايات المتحدة لقوات الدعم السريع منظمة إرهابية، على الرغم من الجرائم التي قامت بها هي الأخرى ضد المدنيين، حيث اكتفت أمريكا بتوقيع بعض العقوبات عليها دون وضعها في قوائم الإرهاب.
هل يؤدي القرار الأمريكي إلى تحجيم النفوذ الإخواني؟
تتمتع جماعة الإخوان في السودان بعدد من السمات تجعل وضعها مختلفاً عن مثيلاتها في بلدان أخرى، وتجعل من ثم تنفيذ القرار الأمريكي في الواقع يواجه قدراً من الصعوبة؛ فالجماعة التي تشكلت في السودان منذ أربعينيات القرن العشرين من خلال عدد من الطلاب الذين درسوا في مصر وعدد من الشخصيات الأخرى التي كان لها تواصل مع الإخوان في مصر في تلك الفترة، لم تتشكل وتستمر على النحو التقليدي الذي تشكلت عليه فروع الجماعة في دول أخرى وأبرزها مصر، حيث أسهمت عدة عوامل في أن تكون تجربة الإخوان في السودان مختلفة بشكل كبير، وأبرز مظاهر هذا الاختلاف أنّها لم تكن في يوم محكومة بإطار تنظيمي جامد ومحدد يسهل معه اتخاذ إجراءات ضدها تسهم في القضاء عليها أو تحجيم نفوذها وحضورها داخل المجتمع، وهذه العوامل أبرزها الاختلافات الفكرية والتنظيمية التي تميزت بها الجماعة منذ نشأتها واستمرت طوال مراحلها التاريخية المختلفة، وكذلك طبيعة التجربة السياسية السودانية وطبيعة المجتمع ذاته، وأيضًا طبيعة عدد من قيادات الجماعة الذين اتسموا بالمرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات والتطورات التي حدثت في المجتمع السوداني.
فمنذ نشأة الجماعة في الأربعينيات، وما بعدها، تعددت فيها الاتجاهات الفكرية التي خلقت العديد من الاختلافات بين قياداتها وأعضائها حول عدد من الأمور مثل طبيعة الجماعة وهل هي تربوية دعوية أم سياسية، وطبيعة الأسرة التنظيمية وحدود دورها، وطريقة عمل الجماعة وهل تكون سرّية أم علنية، وطبيعة العلاقة مع الجماعة الأم في مصر والتنظيم الدولي وهل هي علاقة تبعية والتزام تنظيمي أم استقلال وتنسيق في بعض الأمور فقط؛ هذه النقاط وغيرها كانت سببًا في العديد من الانقسامات التي حدثت داخل الجماعة، ونتج عنها عدة تنظيمات كلها تحمل الفكرة الإخوانية لكنّها تختلف في الاسم ومنهج التغيير، فعلى سبيل المثال في العام 1964م، وبسبب الخلاف حول طبيعة الجماعة ودورها وهل هو تربوي أم سياسي؛ انقسمت الجماعة بين مجموعة ترى أنّ أولوية الجماعة يجب أن تكون العمل التربوي، ومجموعة أخرى ترى الأولوية للعمل السياسي وهي المجموعة التي قادها الدكتور حسن الترابي وشكّل "جبهة الميثاق الإسلامي".
كذلك كان لطبيعة التجربة السياسية السودانية دور في هذا الاختلاف، حيث منذ منتصف الخمسينيات تغير النظام السياسي أكثر من مرة، ما بين حكم عسكري وآخر يساري وآخر إسلامي، وحدث العديد من الانقلابات العسكرية، ومع كل تغير في المشهد السياسي كان على الجماعة أن تغير من طريقة عملها ومن طريقة تفاعلها مع النظام الجديد، وهذا أيضًا كان من أسباب عدد من الانقسامات التي حدثت داخل الجماعة، كما كان سببًا في تغيير الجماعة للشكل التنظيمي الذي تعمل من خلاله، وفي تشكيل هياكل تنظيمية جديدة حسب ما تقتضيه التطورات السياسية؛ ففي مرحلة السبعينات عقدت الحركة بقيادة الترابي مصالحة مع النظام الحاكم بقيادة النميري، ونتج عن ذلك اندماج الحركة داخل الاتحاد الاشتراكي وهو ما كان سببًا في حدوث انقسامات داخل الحركة، وأنشأت الحركة بعد انقلاب البشير في العام 1989م حزب المؤتمر الوطني ليكون الذراع السياسية للحركة والممثل للنظام الجديد، وبعد الخلاف الذي حدث بين البشير والترابي في العام 1999م أنشأ الترابي حزب المؤتمر الشعبي، وفي كل هذه الأحوال كان يتم إعادة تشكل الجماعة في صورة مختلفة وتحت اسم مختلف.
وساعد في ذلك تمتع بعض قياداتها وأبرزهم الترابي بقدر من المرونة جعلته قادرًا على التموضع مرة بعد أخرى حسب السياق ومتغيراته، وهذا جعل جماعة الإخوان بالسودان تتسم بالسيولة، بمعنى أنّها لم تكن في يوم من الأيام محكومة بإطار تنظيمي جامد يضم كل أفرادها ويمارس كل الأنشطة. يقول الترابي في كتاب الحركة الإسلامية في السودان حول هذا الأمر: "لكن قدرنا أن نكون تيارًا جامعًا شعبيًا متمحورًا حول شعارات إسلامية ورموز من الشخصيات القيادية الإسلامية، وجامعًا لكل وظائف العمل الإسلامي، تنهض بها تخصصًا تنظيمات متمايزة تنطلق بحرية ومرونة، وتوحد استراتيجية واحدة تجسد شمول الإسلام ووحدة حركته المناهضة نحو التمكن. كانت هذه خطوة أخرى في الانتقال نحو المجتمع والانخراط فيه، لأنّ تنظيمًا واحدًا لن يقدر على تلبية كل حاجات العمل الإسلامي، لذلك حاولنا أن نتمثل في الحركة صورة المجتمع الإسلامي الواسع متعدد الأبعاد، فبدأ بتمييز المنظمات المتخصصة في مجالات العمل المختلفة (الدعوة، الإغاثة، العمل النسائي، الشباب، الاقتصاد...إلخ) خرجت هذه الهيئات من المحور المركزي الآمر، لكنّها لم تخرج عن المحور الاستراتيجي الموجه"، يعني ذلك أنّ جماعة الإخوان في السودان لم تنتظم في إطار تنظيمي واحد ولكن تعددت الأشكال التنظيمية التي تمثلها ما بين أحزاب وجمعيات ومؤسسات تعمل في مجالات مختلفة.
يضاف إلى ذلك أنّ المجتمع السوداني، كما يصفه الترابي، لم يستوعب الأفكار العلمانية بشكل كبير وكان للفكر الديني التأثير الأكبر فيه، وكان لتجربة الحركة الإسلامية في الحكم سواء قبل انقلاب البشير في العام 1989م حيث شاركت الحركة في الحكومة عدة مرات، أو بعد ذلك الانقلاب، أثر كبير في تغلغل الحركة في المجتمع وفي مؤسسات الدولة ومنها الجيش بشكل عميق؛ الأمر الذي يجعل حضور الحركة الإسلامية في المجتمع السوداني له خصوصية تختلف عن العديد من البلدان التي للإخوان حضور فيها، وهو ما يجعل القرار الأمريكي بتصنيف الجماعة منظمة إرهابية يواجه صعوبات في الواقع من حيث قدرته على تحقيق هدفه المتمثل في تحجيم النفوذ الإخواني في المجتمع.
عقبات أمام القرار الأمريكي
ثمة عقبات تقف أمام قدرة القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية على تحجيم نفوذ الجماعة سواء داخل الجيش أو داخل المجتمع بشكل عام، وأبرز هذه العقبات حالة السيولة التي تتمتع بها الجماعة أو الحركة الإسلامية في السودان، فجماعة الإخوان في السودان لا تنتظم في تنظيم واحد محدد ومعروف، ولكنّها تتمثل في عدة تنظيمات ومؤسسات تعمل في جوانب مختلفة في المجتمع، ممّا يجعل ملاحقتها أو التعرف عليها جميعًا أمرًا صعبًا، كما أنّ خبرة الجماعة تجعلها قادرة على التكيف مع المتغيرات وإعادة التموضع مرة أخرى بآليات وصور مختلفة، وهو ما قد يصعب معه أيضًا ملاحقة الجماعة وتحجيم حركتها وحضورها، كذلك فإنّ تغلغل الجماعة داخل الجيش ووجود مصالح متبادلة بينهما ووجود كتائب مسلحة تابعة للجماعة يجعل من الصعب على قيادات الجيش إقصاء الجماعة من المشهد، حتى رغم التصنيف الأمريكي، خشية ردّ فعل الجماعة الذي ربما يهدد أبرز قيادات الجيش.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40.jpg.webp?itok=0wwydxPI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)