"اللجان النوعية والانتقال إلى العنف"... قراءة داخل الملفات القضائية

"اللجان النوعية والانتقال إلى العنف"... قراءة داخل الملفات القضائية

"اللجان النوعية والانتقال إلى العنف"... قراءة داخل الملفات القضائية


07/12/2025

عندما انهارت البنية الهرمية لجماعة الإخوان المسلمين بعد تموز (يوليو) 2013، لم يكن المشهد مجرد انهيار تنظيمي؛ بل كان انهيارًا إدراكيًا أيضًا. فالأداة التنظيمية التي وُلدت منذ ثلاثينيات القرن الماضي لتمتلك القدرة على الصمود في وجه الضربات، وجدت نفسها تفقد في شهور ما كان يحتاج عقودًا ليتراكم: قيادة مركزية، وهياكل تربوية، وخطوط اتصال، وشبكات تمويل، وأطر ضبط داخلية. هذا الانهيار، كما تُظهره أوراق القضايا التي تلت فضّ رابعة، لم يُنتج فراغًا فقط؛ بل أنتج بيئة نفسية قابلة للانفجار.

فبينما كانت القيادة التقليدية - الموجودة في السجون أو الهاربة إلى الخارج - عاجزة عن التواصل، بدأت مجموعات شبابية داخل الإخوان تتحرك بصورة منفصلة نسبيًا، محاولة أن تجد مكانًا بين الانهيار والغياب. ومع نهاية 2013 وبداية 2014 بدأت تظهر بوادر أوّلية لما سيُعرف لاحقًا بالعمل النوعي؛ مجموعات صغيرة، متحررة من البيروقراطية، أكثر اندفاعًا، وأقلّ التزامًا بضوابط التنظيم المركزي.

هذه البيئة سمحت بظهور "مراكز قرار محلية" تتحرك وفق تقديراتها الخاصة للواقع السياسي، مستندة إلى قناعة أنّ التنظيم الهرمي لم يعد قادرًا على قيادة المعركة.

غرفة عمليات رابعة الشرارة الأولى للتحول العملياتي

قضية غرفة عمليات رابعة (رقم 2210 لسنة 2014 جنايات العجوزة) تُعدّ الوثيقة الرسمية الأولى التي سجلت ملامح التحول النوعي داخل الجماعة. فوفق ما ورد في التحقيقات، لم تكن الغرفة مجرد مكان للتنسيق الإعلامي والميداني للاعتصام؛ بل كانت - بحسب الاتهامات - محاولة لبناء "إدارة موازية" للحراك الاحتجاجي، تعمل عبر شبكات اتصال داخلية وخارجية، وتنقل التعليمات، وترصد تحركات الأمن، وتنسق مواقع الحشد.

هذه الممارسات تكشف أمرًا مهمًا، هو أنّ الجماعة دخلت طورًا جديدًا من إدارة أزماتها، طورًا سمح بنشوء مجموعات تعمل على تخطي القيادة التقليدية، وتأسيس أدوات تنظيمية بديلة. ومع سقوط الاعتصام تحولت هذه الأدوات إلى نواة صلبة لتطور لاحق سيظهر في القضايا الأكثر خطورة: اللجان النوعية. بالتالي فإنّ شبكات الاتصال التي أدارت الاعتصام بقيت فاعلة بعده، وأصبحت جزءًا من "المهارات المكتسبة" لدى الشباب المتورط لاحقًا في اللجان النوعية.

ولادة اللجان النوعية... حين يتحول الغضب إلى تكتيك

بين عامي 2014 2016 بدأت تتشكل داخل الجماعة مجموعات حملت أسماء مختلفة في القضايا الرسمية: "مولوتوف"، و"إعدام"، و"اللجان النوعية"، و"كتائب حلوان". لم يعد الأمر مجرد احتجاج؛ بل ظهور ملامح فعل نوعي يعتمد على ثلاث ركائز:

1 - اللّامركزية: مجموعات صغيرة تعمل دون الرجوع إلى هرم واضح.

2 - السرعة: تنفيذ عمليات سريعة محدودة التأثير لكنّها عالية الرمزية.

3 - الطابع النفسي: إحساس جماعي بضرورة "الردع" ردًا على ما جرى في رابعة.

ومراجعة تفاصيل القضايا - كما وردت في محاضر التحقيق الرسمية - تكشف أنّ جزءًا كبيرًا من هذه المجموعات تشكّل خارج إرادة التنظيم المركزي، وإن كانت مرتبطة عاطفيًا وخطابيًا بالهوية الإخوانية. ففي قضية (483) لسنة 2014 أمن دولة، وقضية (174) لسنة 2015، وقضية كتائب حلوان، ظهرت بنية عملياتية تدور في فلك شخصيات مرتبطة بخط محمد كمال الذي كان يرى أنّ "السلمية الناجزة" مفهوم يتضمن ردعًا عنيفًا محدودًا، بينما كانت القيادة التقليدية ترى أنّ هذا المسار انتحاري سياسيًا.

وتشير أوراق الملف إلى أنّ أسماء مثل أنس حبيب وطارق حبيب ظهرت للمرة الأولى في هذا السياق، ضمن مجموعات اتهمت في قضايا نوعية، قبل أن تنتقل لاحقًا - بعد عدة سنوات - لتصبح جزءًا من البنية الرقمية عبر مبادرات مثل GEN-Z 002.

العنف أزمة نفسية قبل أن يكون خيارًا تنظيميًا

الاشتباك النوعي داخل الإخوان لم يكن قرارًا مؤسساتيًا بقدر ما كان انفجارًا نفسيًا لجيل كامل، وتجربة هزيمة فادحة، وإحساسًا جماعيًا بالخذلان من القيادة؛ فالشباب الذين انخرطوا في اللجان النوعية - كما تُظهر محاضر القضايا مثل قضية ((64 لسنة 2015 أمن دولة عليا - كانوا أبناء لحظة سياسية اختفت فيها القنوات التقليدية للعمل. وجدوا أنفسهم بلا قيادة، بلا تنظيم، وبلا قدرة على استعادة المجال العام عبر الطرق السلمية. تتضمن شهادات بعض المقبوض عليهم تفاصيل تعكس هذا التحول النفسي: انقطاع تام للاتصال بين القواعد والقيادة، وانهيار الهياكل الداخلية، وشعور بأنّ "ما لم يُؤخذ بالقوة لن يُسترد إلا بالقوة". وقد برزت في تلك المرحلة مفاهيم جديدة داخل الوعي الإخواني مثل: "القصاص"، و"الردع"، و"إرباك النظام".

هذه اللغة، التي ظهرت في منشورات غير رسمية وفي محتوى رقمي تمّت مصادرته، شكّلت الأساس النفسي للانتقال من التنظيم الهرمي إلى "التشغيل العنقودي"، حيث يتحرك كل عنقود بصورة شبه مستقلة، ويستمد شرعيته من حالة الانهيار العام.

اللجان النوعية إلى حسم ولواء الثورة

مع نهاية 2015 وبداية 2016 بدأ التوتر داخل الجماعة يصل ذروته، فقد تحركت مجموعات مرتبطة باللجان النوعية خطوة أبعد، لتنتقل من الفعل التخريبي المحدود إلى الفعل المسلح المنظم، وهنا ظهرت في القضايا الرسمية أسماء تنظيمين هما: "حسم" و"لواء الثورة".

ووفق ما تحمله ملفات القضايا فقد أثبتت النيابة العامة ارتباط بعض العناصر التي أدينت في هذين التنظيمين بسياقات إخوانية سابقة، أو بصلات فكرية وتنظيمية غير مباشرة. ورغم نفي الإخوان المتكرر لأيّ علاقة بهذين التنظيمين، فإنّ ما سجلته محاضر "أمن الدولة العليا" يظهر خيوطًا بشرية ونفسية مرتبطة بالخط الذي مثله محمد كمال.

في الوقت ذاته، كانت القيادة الخارجية - جبهة لندن بقيادة إبراهيم منير - تُحذّر من أنّ أيّ صلة بالعنف ستؤدي إلى كارثة على مستوى وضع الجماعة الدولي، خصوصًا مع بدء لجنة جون جنكينز في بريطانيا مراجعتها الواسعة لنشاط الإخوان. أمّا محمود حسين وجبهة إسطنبول، فقد كانت عاجزة عن احتواء المسار، بسبب هشاشة أدواتها التنظيمية وضعف قدرتها على ضبط الداخل. النتيجة كانت واضحة: انقسمت الجماعة إلى ثلاث جبهات، وفقدت سيطرتها على المتغير الأخطر: الشباب المتحرر من الهرم التقليدي.

نهاية المسار النوعي وبداية المسار الرقمي

بنهاية 2016، ومع مقتل محمد كمال في اشتباك أمني، انطفأت آخر محاولة لإعادة بناء التنظيم داخل مصر عبر العمل النوعي. لكنّ هذا الانطفاء لم يكن نهاية القصة، بل بداية فصل جديد تمامًا؛ فالجيل الذي تشرّب تجربة اللجان النوعية، ولم يجد قيادة تمثّله، انتقل إلى الفضاء الرقمي، حيث لا رقابة أمنية صارمة، ولا أيّ هرم تنظيمي خانق، ولا خطوط اتصال يمكن مصادرتها. مبادرات لم تعد تنظيميّة، لكنّها بقيت وفيّة للسردية الإخوانية الأصلية: المظلومية، والرفض، والتطلّع إلى عودة الوجود.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية