"عصام حجي" وشهادته الانتقائية في الميزان

"عصام حجي" وشهادته الانتقائية في الميزان

"عصام حجي" وشهادته الانتقائية في الميزان


19/08/2026

منذ أيام خرج العالم المصري الفرنسي الأمريكي عصام حجي في مقطع فيديو ليدلي بشهادته بحق الإخوان، التي حاول أن تبدو كأنّها مراجعة فعلية لموقفه من 30 حزيران/يونيو 2013 وما تلاها من أحداث. صاغ شهادة بطريقة بسيطة ومباشرة، إلا أنّها، للأسف، بدت كأنّها غسيل سمعة له وللإخوان، ليس هذا فقط، بل بدت سطحية وساذجة مليئة بالفجوات غير المبررة وبقليل من الموضوعية يمكن استخدامها كدليل إدانة أدبية للعالم المصري.

خطورة الشهادات غير المحسوبة

تكمن خطورة ما أدلى به الرجل في أنّها جاءت من شخصية علمية لها وزنها، فعصام حجي عالم وباحث مصري فرنسي أمريكي في علوم الفضاء والجيولوجيا، وُلد في 29 تموز/يوليو 1975 في طرابلس ليبيا، ووالده هو الفنان التشكيلي محمد حجي ووالدته مجدة كامل. تخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة وعمل بها معيداً حتى 1997 ثم انتقل إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا عام 1998، وحصل على الماجستير والدكتوراه في جامعة باريس السادسة والسوربون بين عامي 1999 و2002 وتزوج أثناء دراسته في باريس.

انتقل إلى الولايات المتحدة حيث بدأ عمله كباحث ما بعد الدكتوراه في Lunar and Planetary Institute في هيوستن بولاية تكساس في الفترة من 2003 إلى 2006، ثم انتقل لاحقاً إلى العمل مع مختبر الدفع النفاث التابع لناسا JPL في كاليفورنيا في عام 2008، ثم عاد إلى مصر في عام 2012، وتمّت استضافته وتعريفه للرأي العام المصري كعالم مصري فذ يؤيد مرسي والإخوان، وهذه بشهادته، ثم مع تحول الرأي العام المصري ضد الإخوان وضد مرسي وقف صامتاً غير مشارك في الأحداث، وعاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنّه بعد عزل مرسي وتولي عدلي منصور رئاسة الجمهورية مؤقتاً، عاد وتم تعيينه في منصب مستشار الرئيس المصري للشؤون العلمية خلال الفترة من 2013 إلى 2014.

هذه المكانة هي التي دفعت لجان الإخوان لاعتبار ما قدّمه حجي شهادة براءة للإخوان من الإرهاب وإثبات مظلوميتهم الكاذبة، ولأنّ الحقيقة الثابتة وباعتراف عناصر الجماعة سواء من المدانين أو غيرهم عبر لقاءاتهم المذاعة طوال 13 سنة الماضية، تؤكد أنّ الجماعة إرهابية، وأنّها خطر على الأمة وعلى الدولة وعلى الأفراد، وهو خطر أكبر بكثير ممّا تتناوله الأقلام والتحليلات حتى الآن؛ لذا كان من واجبنا أن نفند مضمون شهادة حجي وإبطال ادعاءات الإخوان. ومن الأهمية بمكان أن نؤكد أننا لسنا بصدد الهجوم على شخصه، إلا أنّه هو من وضع نفسه ومحتواه في مرمى التفكيك والنقد والبحث عن الحقيقة.

شهادة وتحكيم 

جاءت شهادة حجي كأنّها غسيل سمعة له وللإخوان وتبرئتهم من كافة الاتهامات أو على الأقل بدت هكذا، لكنّها جاءت ساذجة ومليئة بالفجوات. يبدأ عصام حجي بتقديم نفسه باعتباره من أولئك المصريين الذين يعيشون في الخارج أو يحملون جنسيات أمريكية ويعودون إلى الوطن في الإجازات فقط للاستمتاع بالمصايف وبالسواحل الرائعة ومعهم أموالهم لإنفاقها على متعهم، وأنّ هؤلاء حسب قول حجي لا يعرفون عن مصر إلا المنتجعات والوجه الجميل، مؤكداً أنّه لم يقترب من السياسة ولا السياسيين. ثم يقفز عصام بنا قفزة تاريخية ويضعنا معه في قلب غمار السياسة عندما تم تكليفه بالعمل كمستشار لرئيس الدولة المصرية المؤقت عدلي منصور، لم يكشف لنا كيف أصبح في وسط دوامة السياسة كمستشار للرئيس، ولم يوضح الظروف والملابسات التي رشحته أو وضعت اسمه على قائمة المرشحين، ولم يقل لماذا أرادت السلطة الناشئة بعد 30 حزيران/يونيو 2013 الاستفادة منه؟ ولم يقل لنا لماذا قبل بالأساس هذا المنصب؟ هذه الفجوة ربما لو أنّه غطاها بشكل كافٍ لكانت شهادته تحمل قسطاً مقبولاً من المصداقية، لكنّه تعمّد إخفاءها، ممّا عرّضه لأن يكون في دائرة الاتهام والتشكيك وعدم القناعة بأنّه بريء تماماً من الخوض في عالم السياسة.

شهادته أنّهم "قالوا له" 

ثم ينتقل عصام حجي من شرح موقفه إلى تبرئة الرئيس المعزول محمد مرسي من تهمة تناولها الإعلام تقول إنّه أكل من الإوز والبط ما يزيد عن 3 ملايين جنيه في السنة الواحدة، فيقول إنّه عندما جاع مرة أثناء العمل في مؤسسة الرئاسة وطلب طعاماً فلم يجد من يقدم له وجبة، فعندما قال لهم إنّ مرسي وجماعته كانوا يأكلون بطاً وإوزاً ولحماً مشوياً، قالوا له هذا غير صحيح، فقد كانوا يأتون بأكلهم من بيوتهم، وعندما تأخر في العمل ليلاً وطلب سيارة تقله إلى منزله قالوا له إنّهم يعملون حتى الساعة الثالثة عصراً، وقد انتهى زمن الإخوان الذين كانوا يعملون ليل نهار، إذن كل أدلة الرجل لتبرئة الإخوان، هي" قالوا له" ولم يقل لنا من هم هؤلاء الذين قالوا له، والذين اعتبر كلامهم دليلاً لدرجة أنّه خرج بنتيجة مهمة؛ وهي "أنّ المصريين تعرضوا لعملية خداع إعلامية كبرى".

هنا يحق لنا أن نسأل العالم عصام حجي: أليس القفز على النتائج بناء على جُمل سطحية عاطفية ساذجة يُعدّ جهلاً، بل هو الجهل نفسه الذي نريد أن نحاربه؟ ألم يكن من أهم أهدافك عندما قبلت العمل مستشاراً للرئيس أنك تريد ترسيخ المنهج العملي ليس في التعليم والجامعة فقط ولكن في حياة الإنسان المصري، هل هكذا هو المنهج العلمي في نقد الإخوان أو اتهامهم أو تبرئتهم؟

أليس من أسس المنهج العلمي أن نسرد كلّ تهم الإخوان، وأن نحدد ما أدينوا به وفق القانون، وما التهم التي لم يُدانوا بها؟ أليس من الثابت (قانونًا) أنّ الإخوان حاولوا اقتحام مبنى الحرس الجمهوري وتسلقوا السور لإخراج محمد مرسي لتصبح بمصر سلطتان، ويتم تدويل القضية ويتم التدخل الغربي في الشأن المصري، ألم يكن خطاب الإخوان على منصة رابعة خطاباً تكفيرياً وتحريضياً ضد المجتمع وضد المصريين، ألم يكن معسكر رابعة والنهضة مسلحاً باعتراف عناصرهم، وعلى رأسهم أحمد المغير؟ ألم يحرق الإخوان وأتباعهم دواوين المحافظات ومراكز الشرطة لإسقاط الدولة، ألم يحرق الإخوان عشرات الكنائس ويفجروا العديد منها أثناء أداء المصريين المسيحيين الصلاة، ألم يحاولوا تفجير محولات الكهرباء في أكثر من مدينة لتحطيم البنية التحتية، ألم يغتالوا النائب العام وحاولوا اغتيال النائب المساعد، ألم يحاولوا اغتيال شخصيات عامة وبعض قادة الكتائب، ألم تحرض قنواتهم الفضائية على اغتيال ضباط الشرطة والجيش، ألم يقل مرشدهم وقياداتهم "طظ في مصر والمصريين"، ألم يحرض بعض القيادات الوسطى للجماعة مثل محمد الهامي على احتلال سيناء باعتبارها بداية تحرير القدس، ألم يدعوا الجميع إلى تفكيك مؤسسات الدولة كلها من أجل إعادتها مرة أخرى على مقاس الجماعة؟

كلّ هذا وغيره من جرائم الجماعة يُعدّ إدانة للإخوان ولمرسي، ولا تحتاج جهداً لإثباتها باعترافاتهم التفصيلية المثبتة، هذه الجرائم يا سيد عصام هي التي تريد أن تطمسها، لأنّ مرسي لم يأكل بطاً وإوزاً؛ والدليل "قالوا له".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية