ما بعد البتر... كيف يعيد مصابو غزة بناء حياتهم من جديد؟

ما بعد البتر... كيف يعيد مصابو غزة بناء حياتهم من جديد؟

ما بعد البتر... كيف يعيد مصابو غزة بناء حياتهم من جديد؟


10/09/2026

لا ينتهي الألم في غزة عند لحظة البتر، فبعد فقدان الأطراف تبدأ معركة جديدة لاستعادة الحركة والاستقلال والقدرة على مواصلة الحياة، وسط نقص خدمات التأهيل وصعوبة الحصول على الأطراف الصناعية وأجهزة المساعدة، وبين الألم الجسدي والآثار النفسية، يواجه المصابون طريقاً شاقةً لإعادة التكيف مع أجسادهم وحياتهم.

ورغم قسوة التجربة، يحاول مبتورو الأطراف استعادة حياتهم خطوة خطوة، عبر العلاج الطبيعي والدعم النفسي والتدريب على مهارات جديدة، لكنّ الحرب والدمار والنزوح تضاعف التحديات، وتحول أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى اختبار يومي للإرادة والصمود.

وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أنّ 43011 شخصاً، أي نحو 25% من إجمالي المصابين، تعرّضوا لإصابات يحتمل أن تكون مغيرة للحياة، وتتراوح الإصابات التي تحتاج إلى إعادة تأهيل ممتدة بين 49462 و55914 إصابة، وأكثر من 5 آلاف عملية بتر للأطراف وقعت منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ووفق المنظمة فإنّه من بين 2300 شخص مبتور الأطراف جرى تقييمهم بين أيلول/سبتمبر 2024 وأيار/مايو 2026، حصل 500 شخص فقط على أطراف صناعية دائمة، أي أنّ أقلّ من 25% ممّن جرى تقييمهم حصلوا على طرف صناعي دائم، وهذا يعني أنّ أكثر من 1800 شخص ممّن شملهم التقييم لم يحصلوا على طرف صناعي دائم خلال الفترة المذكورة.

وبحسب المنظمة فإنّ أكثر من 50 ألف إصابة مرتبطة بالحرب تحتاج إلى إعادة تأهيل طويل الأمد، في حين لا توجد حالياً منشأة إعادة تأهيل تعمل بكامل طاقتها في غزة.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2025 قدّرت منظمة الصحة العالمية الحاجة إلى نحو 33 ألف جهاز ومنتج مساعد في غزة، وبين كانون الثاني/يناير 2025 وأيار/مايو 2026 جرى توزيع أكثر من 12 ألف جهاز مساعد للحركة، لكنّ ذلك غطى نحو ثلث الاحتياج المحدد فقط. 

خطوات شاقة

يقول الشاب خالد فياض (29 عاماً)، الذي بُترت قدمه خلال الحرب الإسرائيلية، إنّ حياته انقسمت إلى مرحلتين منذ أن فقد قدمه خلال الحرب، موضحاً: "عندما أفقت في المستشفى وعرفت أنّ قدمي بُترت، شعرت أنّ شيئاً كبيراً انتهى في حياتي، ولم أكن مستعداً نفسياً لهذا التغيير، وكل ما فكرت فيه حينها هو كيف سأعيش من الآن فصاعداً؟".

ويضيف فياض: "في الأيام الأولى بعد البتر كنت أرفض النظر إلى مكان الإصابة، وكنت أشعر أنّ جسدي لم يعد جسدي، وأنني فقدت جزءاً من شكلي وحياتي، واحتجت وقتاً طويلاً حتى أتقبل أنّ هذه هي الحقيقة الجديدة التي يجب أن أتعامل معها".

ويتابع: "قبل الإصابة كنت أتحرك بحرّية، أخرج متى أشاء وأذهب إلى عملي وألتقي بأصدقائي، أمّا الآن فأحتاج إلى العكازين وأحسب خطواتي جيداً، حتى المسافة القصيرة أصبحت تحتاج إلى جهد وتركيز، خصوصاً عندما تكون الأرض مليئة بالحجارة والحفر والرمال".

ويقول: "أكثر ما يؤلمني أنني أصبحت أحتاج إلى مساعدة الآخرين في أمور كنت أقوم بها بنفسي، وغالباً أشعر بالإحراج عندما أطلب من أحد أن يساعدني، لكنني أحاول أن أتجاوز هذا الشعور وأتعلم كيف أعتمد على نفسي من جديد".

ويشرح فياض: "البتر لم يأخذ منّي القدرة على المشي فقط، بل جعلني أفكر كثيراً في مستقبلي، وأسأل نفسي كيف سأعمل، وكيف سأتحرك، وهل سأتمكن من الزواج وتكوين أسرة والعيش بصورة طبيعية؟ وهذه الأسئلة تراودني كثيراً، خصوصاً عندما أكون وحدي".

أمل يتحدى الفقد

يقول فياض: "أشعر بألم في القدم التي لم تعد موجودة، وهذا الأمر كان غريباً بالنسبة إليّ في البداية، وكنت أتساءل كيف يمكن أن يؤلمني شيء فقدته، لكنني مع الوقت أدركت أنّ الإصابة تركت آثاراً لا تظهر للآخرين".

ويوضح: "أحاول ألّا أسمح للإصابة بأن تجعلني شخصاً آخر، صحيح أنني فقدت قدماً، لكنني ما زلت أملك يدي وعقلي وقدرتي على التعلم والعمل، وأريد أن أنظر إلى ما أستطيع فعله، وليس فقط إلى الشيء الذي فقدته".

ويضيف: "أحلم بالحصول على طرف صناعي يساعدني على الحركة بصورة أفضل، وبالنسبة إليّ، الطرف الصناعي ليس مجرد قطعة تساعدني على المشي، بل وسيلة لاستعادة استقلالي، والخروج من المكان الذي أعيش فيه، والذهاب إلى عملي وقضاء حاجاتي من دون الاعتماد الدائم على الآخرين".

ويؤكد فياض: "أعرف أنّ حياتي لن تعود كما كانت قبل الإصابة، لكنني لا أريد أن أقضي بقية عمري في الحزن على ما فقدته، وأريد أن أتعلم وأعمل وأعيش، وأن أثبت لنفسي قبل الآخرين أنّ الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد مهما كانت إصابته قاسية".

ويختتم فياض حديثه قائلاً: "الحرب أخذت مني قدماً، لكنّها لن تأخذ منّي حياتي كلها، وربما أحتاج إلى وقت طويل حتى أستعيد قدرتي على الحركة، لكنني سأواصل المحاولة، فأريد أن تكون هذه الإصابة جزءاً من قصتي، لا أن تكون نهايتها".

ما بعد البتر... حياة تتغير

أمّا الشابة تسنيم الخالدي (23 عاماً)، فإنّ لحظة بتر ساقها اليسرى خلال الحرب لم تكن مجرد إصابة جسدية، بل لحظة غيرت علاقتها بجسدها وحياتها ومستقبلها، وتروي: "عندما أخبرني الأطباء أنّ ساقي لم يعد بالإمكان إنقاذها، لم أستوعب الأمر، وكنت أتمنى أن أستيقظ من التخدير وأجد أنّ كل ما حدث مجرد كابوس".

وتضيف الخالدي: "بعد العملية، كان أوّل شيء فعلته أنني تحسست ساقي، ثم أدركت أنّها لم تعد موجودة، فشعرت بالخوف والبكاء، ولم أكن أريد أن يراني أحد، وكنت أخشى نظرات الناس، وأشعر أنني أصبحت مختلفة عن الفتيات من حولي".

وتقول: "أشياء صغيرة كنت أفعلها من دون تفكير أصبحت تحتاج إلى جهد كبير، الاستحمام، ارتداء الملابس، النزول من المكان الذي أقيم فيه، حتى الذهاب إلى الحمام أصبح أحياناً مهمّة صعبة، فتعلمت أن أطلب المساعدة، لكنني ما زلت أشعر بالضيق عندما أحتاج إلى شخص آخر في تفاصيل حياتي".

وتتابع الخالدي: "في البداية كنت أخشى الخروج، وكنت أفكر في نظرات الناس أكثر ممّا أفكر في الطريق، وكنت أخشى أن ينظر أحد إلى مكان البتر أو يسألني ماذا حدث، ومع الوقت بدأت أقول لنفسي إنني لست مطالبة بالاختباء بسبب إصابتي، وإنّ ما حدث لي ليس شيئاً أخجل منه".

أحلام لا تنكسر

وتوضح الخالدي: "هناك أيام أشعر فيها أنني قوية جداً، وأيام أخرى أعود فيها إلى البكاء، وأكثر ما يؤلمني هو التفكير في المستقبل، وكنت أحلم بالدراسة والعمل والزواج وتكوين أسرة، وبعد البتر أصبحت أتساءل إن كان كل ذلك سيظل ممكناً، فلا أريد أن ينظر إليّ الناس باعتباري إنسانة مصابة".

وتقول: "أحلم بالحصول على طرف صناعي مناسب، ليس فقط لأمشي، وإنّما لأستعيد حريتي، فأريد أن أخرج وحدي، وأن أذهب إلى المكان الذي أريده، وأن أرتدي الملابس التي أحبها من دون أن أشعر بأنّ إصابتي تمنعني من ذلك، وأريد أن أستعيد إحساسي بأنني أتحكم في حياتي".

وتكمل: "أحاول الآن أن أتعلم كيف أعيش بجسدي الجديد، وأمارس ما أستطيع من التمارين، وأحاول تقوية الجزء المتبقي من ساقي، وأتدرب على الحركة بالعكاز، وكل خطوة صغيرة أقطعها تجعلني أشعر أنني أستعيد شيئاً من حياتي التي فقدتها".

وتؤكد الخالدي قائلة: "أنا لا أريد أن تكون قصتي قصة فتاة فقدت ساقها في الحرب فقط، وأريد أن تكون قصة فتاة نجت، ثم بدأت من جديد، فقدت جزءاً من جسدي، لكنني ما زلت أملك أحلامي، وربما تغير الطريق، لكنني ما زلت أريد الوصول".

التأهيل طريق الاستقلالية 

بدوره، يرى اختصاصي العلاج الطبيعي بمستشفى حمد فضل مسعود أنّ "التأهيل يبدأ بالعناية بالطرف المتبقي، والسيطرة على الألم والتورم، والحفاظ على حركة المفاصل وقوة العضلات، ثم تدريب المصاب على التوازن والحركة والأنشطة اليومية، وصولاً إلى استخدام الطرف الصناعي عند توفره، والهدف هو استعادة أكبر قدر ممكن من الاستقلالية".

ويضيف مسعود: "يواجه المصابون آلاماً مستمرة، وآلام الطرف الشبحي، وضعف العضلات وتيبس المفاصل واضطرابات التوازن، وتتفاقم هذه المشكلات مع نقص جلسات العلاج الطبيعي والأجهزة المساعدة والأطراف الصناعية، ممّا يطيل رحلة التعافي ويحدّ من قدرة المصاب على الحركة".

ويوضح أنّ "التأخر في التأهيل يؤدي إلى ضعف العضلات وتيبس المفاصل وفقدان اللياقة والتوازن، ويجعل استخدام الطرف الصناعي أكثر صعوبة، كما قد يفقد المصاب ثقته بقدرته على الحركة والاعتماد على نفسه، ممّا يؤخر عودته إلى الدراسة أو العمل والحياة اليومية".

ويؤكد مسعود أنّ "المصاب يحتاج إلى تأهيل طبي وحركي متواصل، وطرف صناعي مناسب، وأجهزة مساعدة، إلى جانب الدعم النفسي والأسري، فالتعافي لا يعني القدرة على المشي فقط، بل استعادة الاستقلالية والثقة بالنفس والقدرة على المشاركة في الحياة والعمل من جديد".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية