"غيروا الشكل ولم يغيروا الهدف" الإخوان ترتدي ثوبا رقميا لاستقطاب جيل "زد"

"غيروا الشكل ولم يغيروا الهدف" الإخوان ترتدي ثوبا رقميا لاستقطاب جيل "زد"

"غيروا الشكل ولم يغيروا الهدف" الإخوان ترتدي ثوبا رقميا لاستقطاب جيل "زد"


10/09/2026

إسراء بدر

تتغير أدوات الإخوان الإرهابية، لكن هدفها في التأثير والاستقطاب يظل حاضرا، فبعد عقود اعتمدت خلالها الجماعة على المساجد والجامعات والدوائر التنظيمية المغلقة للوصول إلى الشباب، تنقل جانبا من نشاطها اليوم إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة جديدة لاستهداف الأجيال الأصغر، وفي مقدمتها جيل «زد».

لم يعد الوصول إلى الشاب مرتبطا بمكان محدد أو لقاء مباشر، إذ يمكن للمحتوى أن يصل إليه داخل هاتفه، بين مقاطع الفيديو والمنشورات التي يتابعها يوميا، ليبدأ الاستقطاب من قضية تهمه أو محتوى يلامس مشاعره، قبل أن تتطور الرسائل تدريجيا نحو التأثير في مواقفه وتصوراته.

جيل «زد».. الهدف الجديد للاستقطاب

تدرك الجماعة الإرهابية أن مخاطبة جيل «زد» تتطلب أدوات مختلفة عن تلك التي اعتمدت عليها مع الأجيال السابقة، فهذا الجيل نشأ في بيئة رقمية وأصبح أكثر ارتباطا بمنصات التواصل ومحتوى الفيديو القصير.

ومن هنا، يتجه الخطاب الموجه إليه نحو لغة أكثر سرعة وبساطة، ومحتوى بصري يعتمد على المقاطع القصيرة والقضايا الاجتماعية والإنسانية والسياسية التي تحظى باهتمام الشباب، ولا يبدأ هذا النوع من الاستقطاب بالضرورة بخطاب تنظيمي مباشر، بل قد ينطلق من مساحة تبدو بعيدة عن السياسة أو التنظيم، ثم ينتقل تدريجيا إلى بناء التعاطف وتوجيه المواقف.

تغيير اللغة.. وإعادة تقديم الرسالة القديمة

تسعى الجماعة الإرهابية إلى إعادة صياغة خطابها بما يتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية والجمهور الأصغر سنا، فبدلا من الخطاب الطويل والمباشر، تظهر الرسائل في صورة مقاطع قصيرة، أو منشورات مكثفة، أو محتوى عاطفي، أو تعليقات على قضايا تشغل الرأي العام، غير أن تغيير الشكل لا يعني بالضرورة تغيير المضمون فقد تحمل الرسالة الجديدة الأفكار ذاتها، ولكن في قالب أكثر ملاءمة لطبيعة الجمهور والمنصة، وبذلك يصبح الهدف هو الوصول إلى المستخدم أولا، ثم التأثير في رؤيته تدريجيا.

من الحساب الفردي إلى شبكة لصناعة التأثير

لا يتوقف النشاط الإلكتروني عند نشر منشور أو إدارة صفحة، وإنما يمكن أن يتحول إلى منظومة تضم حسابات وقنوات ومجموعات تعمل على إعادة إنتاج الرسالة ذاتها بصور مختلفة، فالقضية الواحدة يمكن تحويلها إلى فيديو قصير، ومنشور، وصورة، ومقطع مصور، ثم إعادة تداولها عبر منصات متعددة، وتمنح هذه الآلية الرسالة قدرة أكبر على الانتشار، خاصة مع الاستفادة من أدوات إنتاج المحتوى الحديثة والقدرات المتخصصة في إدارة المنصات الرقمية.

اللجان الإلكترونية وصناعة الزخم

تكرار الرسالة عبر عدد كبير من الحسابات يمكن أن يمنحها حضورا مضاعفا، ويخلق انطباعا بوجود حالة واسعة من التفاعل حول قضية معينة، لكن ارتفاع عدد المشاركات أو التعليقات لا يمثل بالضرورة مؤشرا على وجود رأي عام تلقائي، وهو ما يجعل التدقيق في مصادر الحسابات وطريقة نشر المحتوى وتوقيتاته أمرا ضروريا، فالمحتوى المتكرر قد يكون جزءا من حملة منظمة تستهدف صناعة الزخم أكثر من كونه انعكاسا طبيعيا لاتجاهات الجمهور.

الشائعات.. سلاح لإرباك الرأي العام

تأتي الشائعات في مقدمة الأدوات التي يمكن استخدامها داخل البيئة الرقمية، نظرا إلى قدرتها على الانتشار السريع وصعوبة احتواء آثارها بعد التداول، وقد تبدأ الشائعة بخبر مجهول المصدر، أو صورة خارج سياقها، أو مقطع فيديو مبتور، ثم تنتقل من حساب إلى آخر خلال فترة قصيرة.

والخطر لا يرتبط فقط بقدرة الشائعة على إقناع المتلقي برواية كاذبة، وإنما بقدرتها على خلق حالة من الارتباك تدفع الجمهور إلى الشك في المعلومات الصحيحة والخاطئة على حد سواء، وهنا تتحول المعركة من مجرد مواجهة معلومة كاذبة إلى مواجهة منظومة تستهدف الثقة في مصادر المعلومات.

استثمار القضايا الإنسانية في الاستقطاب

تدرك الجماعة الإرهابية أن القضايا التي ترتبط بالمشاعر تكون أكثر قدرة على جذب التفاعل، ولذلك يمكن أن تتحول القضايا الإنسانية والاجتماعية إلى مدخل للتأثير في الشباب، ويبدأ المحتوى من قضية تحظى باهتمام الجمهور، ثم يقدم لها تفسيرا أحاديا، ويحدد مسؤولا عن الأزمة، قبل أن ينتقل تدريجيا إلى توجيه الموقف السياسي أو الفكري، وبذلك تصبح القضية مدخلا، والمشاعر وسيلة، بينما يأتي التأثير باعتباره النتيجة المستهدفة.

النشاط خارج الحدود.. والرسالة تصل إلى الداخل

يتزامن النشاط الرقمي مع استمرار وجود قيادات وشبكات للجماعة الإرهابية خارج مصر، بما يتيح إدارة جانب من النشاط الإعلامي والتنظيمي عبر مساحات جغرافية متعددة، فالرسالة يمكن إنتاجها خارج الحدود، وإدارتها عبر منصات مختلفة، ثم الوصول بها إلى الجمهور المصري خلال دقائق، وهكذا لم يعد الحضور المادي شرطا لاستمرار التأثير، ولم تعد الحدود الجغرافية قادرة على عزل الجمهور عن المحتوى القادم من الخارج.

معركة جديدة على وعي الشباب

التحول إلى الفضاء الرقمي يفرض تحديا مختلفا فالمحتوى المؤثر لا يقدم نفسه دائما باعتباره خطابا تنظيميا، وإنما قد يظهر في صورة مادة اجتماعية أو إنسانية أو تعليق على حدث عام، ولهذا فإن مواجهة الاستقطاب تبدأ من قدرة المستخدم على التحقق من المصدر، وفحص الصور والفيديوهات، ومقارنة المعلومات، والتفرقة بين الخبر والرأي، والانتباه إلى الحسابات التي تعيد نشر الرسالة ذاتها بصورة متكررة، فالانتشار لا يعني المصداقية، وكثرة التفاعل لا تعني صحة المعلومات، وتكرار الادعاء لا يحوله إلى حقيقة.

غيروا المنصة.. وبقي الهدف

تنتقل الجماعة الإرهابية من أدوات الاستقطاب التقليدية إلى أدوات رقمية أكثر سرعة واتساعا، فتستبدل اللقاء المباشر بالمحتوى، والمنبر بالمنصة، والخطاب الطويل بالفيديو القصير، وتستخدم القضايا التي تشغل الشباب مدخلا للوصول إلى جمهور جديد، لكن جوهر المعركة يظل واحدا: التأثير في الوعي وتوجيه المواقف، وأخطر ما يمكن أن يحدث هو التعامل مع المحتوى الإخواني الرقمي باعتباره مجرد منشورات عابرة، بينما تكمن أهميته في قدرته على التراكم والتكرار وصناعة حالة ذهنية لدى المتلقي.

تتغير المنصات، وتتبدل اللغة، وتتطور أدوات الاستقطاب، لكن الوعي القادر على كشف الرسالة خلف المحتوى يظل خط الدفاع الأول أمام محاولات إعادة تدوير خطاب الجماعة الإرهابية في ثوب رقمي جديد.

اليوم السابع




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية