إعادة تشكيل النفوذ في السودان: الإسلاميون في قلب معادلة الحرب الإقليمية

إعادة تشكيل النفوذ في السودان: الإسلاميون في قلب معادلة الحرب الإقليمية

إعادة تشكيل النفوذ في السودان: الإسلاميون في قلب معادلة الحرب الإقليمية


06/04/2026

ما تزال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تكشف عن تطورات إقليمية عديدة، خصوصاً مع اتساع نطاق الصراع، وسعي أطراف عديدة في بيئات جيوسياسية متفاوتة إلى إعادة التموضع ورسم أو تعيين دورها وتعميق نفوذها والبحث عن أكثر من دور لجهة التخادم السياسي والميداني فضلاً عن تحقيق المصالح البراغماتية. ذلك ما يظهر على نحو واضح في السودان التي تبدو فيها جماعة الإخوان المصنفة على قوائم الإرهاب، وكتيبتها المسلحة "البراء بن مالك"، بتحالفاتها وشبكة ارتباطاتها العميقة بـ "الحرس الثوري" الإيراني، تتجه بشكل محموم نحو التغلغل والتوغل في بنية المؤسسة العسكرية وفرض إرادتها وهيمنتها بالجيش، بما يؤزم الوضع ويباعد بين إمكانات الحل والتسوية مع إطالة أمد الحرب وإعاقة الجهود الدولية والإقليمية الساعية لطيّ صفحة النزاع. 

إعادة تموضع الإخوان

وبين الحين والآخر تبرز عدة مؤشرات تؤكد إعادة تموضع الإخوان والقوى الإسلاموية داخل السودان لتأجيج خطاب الحرب وفرض معادلاتها، بما يوضح في جانب من الجوانب التبعية لنظام الولي الفقيه وضمان مصالحه الإقليمية تحت وطأة الحرب المندلعة. كما أنّ هذا الدور الإخواني المشبوه يتزامن في لحظة ضغوط قصوى بعد تصنيف الخارجية الأمريكية الجماعة الأم للإسلام السياسي في قوائم الإرهاب. فمع تفكك مؤسسات الدولة واتساع رقعة الفراغ الأمني، وهو الأمر الذي تسعى الجماعة الإسلاموية لتحقيقه في السودان، تلوح فرصة مواتية أمام إعادة بناء نفوذها، مستفيدة من خبرتها التنظيمية وشبكاتها المتجذرة داخل مؤسسات الدولة، وخصوصاً العسكرية منها.

إذاً، تتقاطع مصالح جماعة الإخوان مع بعض دوائر القيادة العسكرية في نقطة جوهرية تتمثل في النظر إلى إنهاء الحرب بوصفه تهديداً مباشراً لمصالحهما، وفق دراسة لمركز (تريندز). فبالنسبة إلى الجماعة، لم يعد الهدف استعادة السلطة بشكل مباشر بقدر ما بات الحفاظ على الحد الأدنى من الحضور السياسي وتفادي الإقصاء الكامل من المشهد، في ظل تصاعد اتجاهات إقليمية ودولية ترفض توظيف الدين في العمل السياسي، وتتعامل بصرامة مع التنظيمات ذات الطابع الإيديولوجي المغلق. وفي هذا السياق تبدو الحرب بالنسبة إلى الإخوان مساحة لإعادة التموضع، أكثر منها مجرد صراع عسكري، بما يجنّبهم سيناريو التهميش أو التفكيك الكامل.

على الجانب الآخر، أفرزت الحرب واقعاً مغايراً داخل السودان، فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى إعادة إحياء البنى التقليدية، وعلى رأسها القبيلة، التي تحولت من إطار اجتماعي إلى فاعل سياسي وأمني موازٍ. ولم يعد الانتماء القبلي مجرد هوية ثقافية، بل أصبح عنصراً حاسماً في تحديد فرص البقاء والحصول على الحماية والخدمات، وحتى النفاذ إلى التمثيل السياسي. وبذلك أعادت الحرب تشكيل مفهوم الهوية، ليغدو مرتبطاً بخطوط الانقسام الجغرافي والسياسي أكثر من ارتباطه بإطار الدولة الجامعة.

هذا التحول، وإن كان يعكس استجابة طبيعية لبيئة يغيب فيها الأمن المركزي، إلا أنّه يطرح تحديات عميقة أمام أيّ مسار مستقبلي للتسوية. فاعتماد المجتمعات على انتماءاتها الأولية كآليّة للحماية يعزز منطق الانقسام، ويقوض فرص بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة. ومع ترسخ هذا الواقع تتعقّد مهمة إعادة بناء السلام، إذ يصبح تفكيك البنى المسلحة المرتبطة بالقبائل، وإعادة دمجها ضمن إطار وطني جامع، شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار.

الاستثمار في الصراع

ومن هنا، تشير تقديرات وتحليلات عديدة إلى أنّ الإخوان يعملون على استثمار ديناميات الصراع القائم محلياً وإقليمياً لإعادة تفعيل حضورهم، عبر اختراق هياكل الجيش وأجهزة الدولة، بالتوازي مع توظيف جماعات مسلحة ومتشددة ضمن سياق المعركة. هذا النهج يعكس نمطاً براغماتياً لطالما تبنته الجماعة، يقوم على توسيع دائرة التحالفات، حتى مع أطراف إيديولوجيا متباينة، لتحقيق مكاسب سياسية مرحلية تكتيكية ومؤقتة تمهد لاستعادة موقعها في السلطة وتصل إلى التمكين. هذه المعطيات أو المؤشرات والتقديرات تكشف أنّ التنظيم لم يفقد كامل امتداداته عقب سقوط نظامه في عام 2019، بل احتفظ بشبكات كامنة خفية داخل مفاصل الدولة، ممّا أتاح له إعادة تنشيطها مع اندلاع الحرب. وتتصاعد المخاوف، مؤخراً، من تقاطع المصالح بين الإخوان وتنظيمات متشددة، وعلى رأسها تنظيم "داعش"، في ظل بيئة أمنية رخوة تسمح بإعادة تموضع هذه الكيانات. 

ورغم محدودية المؤشرات حول حجم هذا التداخل، إلا أنّ دلالاته النوعية تثير قلقاً متزايداً، إذ تعكس قابلية الصراع السوداني للتحول إلى حاضنة مفتوحة لتلاقي التنظيمات الراديكالية، سواء عبر المشاركة المباشرة في القتال أو من خلال شبكات الدعم والإسناد. ووفق تقرير لموقع "العين الإخبارية"، فإنّ تقارير ودراسات حديثة تكشف عن انخراط متزايد لعناصر من التنظيم الإرهابي في القتال إلى جانب الجيش السوداني، ضمن ترتيبات مصلحية مؤقتة، وذلك بالتزامن مع عودة قوية للإخوان عبر أذرعهم السياسية والعسكرية، في محاولة لإعادة التموضع داخل مؤسسات الدولة واستعادة السيطرة.

وتابع: "المعطيات الميدانية تكشف أنّ هذا التقاطع بين الإخوان والتنظيمات الجهادية يتجاوز الدعم غير المباشر، ليصل إلى مستوى التنسيق العملياتي، حيث تحدثت تقديرات استخباراتية عن مشاركة أكثر من 400 عنصر من داعش في القتال، مستفيدين من حالة الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب. في المقابل، تتحرك جماعة الإخوان عبر واجهتها السياسية، ممثلة في حزب المؤتمر الوطني، لتغذية هذا المسار، من خلال تقديم دعم لوجستي وتمويل، إضافة إلى الدفع بآلاف المقاتلين إلى جبهات القتال، في علاقة وصفتها التقارير بالاعتماد المتبادل بين التنظيم والجيش، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه في معادلة القوة".

ويقول التقرير إنّ الحضور الإخواني لم يقتصر على الإسناد السياسي، بل امتد إلى العمل العسكري المباشر، عبر "لواء البراء بن مالك"، الذي يقاتل ضمن صفوف الجيش في عدة جبهات، في تجسيد واضح لعملية عسكرة التنظيم وإعادة إنتاج أذرعه القتالية داخل بنية الدولة. هذا التشابك بين الإخوان والتنظيمات الجهادية يطرح مخاطر استراتيجية أوسع، إذ يجعل من السودان نقطة ارتكاز إقليمية للتطرف، خاصة مع ارتباط هذه الشبكات بامتدادات في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل خريطة التهديدات في القارة.

تعقيد مسارات التسوية

وتشير تقديرات إلى أنّ هذا التحالف الهش، رغم طابعه المرحلي، قد يسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات التسوية السياسية، خصوصاً في ظل سعي الإخوان إلى استغلال الصراع لإعادة بناء نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، حتى لو كان ذلك عبر بوابة التحالف مع تنظيمات مصنفة إرهابية.

وثمة إشارة لافتة تبرز سوابق لهذا الارتباط مع داعش، حيث إنّ كتيبة "البراء بن مالك" قد شاركت بشكل فعال إلى جانب القوات المسلحة السودانية في المعارك المستمرة ضد قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في 15 نيسان (أبريل) 2023، متكبّدة خسائر بشرية ملحوظة في مواقع متعددة. ويُظهر التنظيم حضوراً ملموساً ضمن فرقتين عسكريتين رئيسيتين، هما سلاح المدرعات والسلاح الطبي، إضافة إلى وجوده في قوات الاحتياطي المركزي، مع توسع نشاطه لاحقاً ليشمل سلاح المهندسين، ومنطقة كرري العسكرية، فضلاً عن إدارة الإذاعة والتلفزيون، بحسب ما يشير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية.

ويقول: "يترأس الكتيبة المصباح أبو زيد طلحة، الذي يروج لإيديولوجية إسلامية متشددة، وقد أُصيب خلال الأيام الأولى للحرب، وتلقى العلاج في مستشفى بمدينة عطبرة شمال السودان. وتُظهر مقاطع مصورة منتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي طلحة وهو يردد شعارات دعائية متشددة ويدعو إلى "الجهاد" ضد قوات الدعم السريع. ومن جانب آخر، يُعدّ أنس عمر أحد القيادات البارزة في الكتيبة، وقد تم احتجازه من قبل قوات الدعم السريع في 16 أيّار (مايو) 2023. أمّا محمد الفضل عبد الواحد عثمان، رئيس الفكر والتأصيل بالحركة الإسلامية، فقد سبق أن أعلن ولاءه لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ولقي مصرعه في حزيران (يونيو) 2023 خلال معارك ضاحية الشجرة جنوب الخرطوم، التي أسفرت عن مقتل نحو خمسين من العناصر المرتبطة بنظام البشير، بينهم قيادات من كتيبة "البراء". وقد أعرب علي كرتي، رئيس الحركة الإسلامية، عن حزنه علناً على فقدان الفضل في تلك المعارك".


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية