منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات

الإعلام الإخواني

منابر الإخوان وإعلامهم: فساد الخطابات قبل فساد القنوات

مشاهدة

16/02/2020

استخدمت جماعة الإخوان القنوات الفضائية المحتضَنة تركياً، وشبكة الإنترنت، كقوة تمدّها بحرية الحركة، بعيداً عن المراقبة، واستطاعت أن تفعل ذلك باقتدار، فجعلتها وسيلة للاستقطاب والحشد وحشر الخصوم في الزاوية، إلا أنّ فشل الجماعة على المستوى العام، وعمليات الإغراق بتفكيك الأيديولوجيا الإخوانية، وتقديم خطاب إسلامي متسامح، أدّى وفق مراقبين إلى تراجعها؛ حيث ضاع الهدف وخبا الوهج.
قنوات الإخوان الآن
منذ أن صدرت صحيفة "الإخوان"، ثم تبعتها صحيفة "النذير"، وبعدها مجلة "الدعوة" (التي توقفت عام 1955، ثم أعيد نشرها في السبعينيات، وعادت للتوقف مرة أخرى)؛ سعت الجماعة إلى أن تكون لها منابر إعلامية تهدف من خلالها تعزيز خطابها الإسلاموي، والتبشير بالإسلام السياسي، ودعم التنظيمات للوصول إلى سدة الحكم.

اقرأ أيضاً: كيف يسهم دمج الإعلان بالإعلام في تضليل المتلقي وخداعه؟
ومع انطلاق الإخوان في مصر، في السبعينيات وحتى فترة التسعينيات، بدأت الجماعة في المرحلة الإعلامية الثانية، التي ركّزت جهودها فيها على اختراق الصحف الحزبية، حيث كان ممنوعاً عليها في هذا التوقيت إصدار صحف بشكل قانوني.


وعام 2003 بدأت مرحلة جديدة في الإعلام الإخواني، وهي التي ركّزت فيها الجماعة على الاستقطاب عبر الإنترنت، وفي هذا الوقت كانت تنتج خطاباً مدنياً خدّاعاً من أجل جذب شرائح جديدة من المجتمع.
وفي المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة ثورات الربيع العربي، امتلكت الجماعة أكثر من 20 وسيلة إعلامية، كانت على رأسها "قناة 25"، وهي القناة الرسمية للجماعة، و"رابعة"، قناة "وطن"، وقناة "الشرق"، وفي هذا التوقيت حاربت الجماعة مدونات أعضائها لتحصر خطابها في يد مسؤوليها الإعلاميين.

تراجع زخم قنوات الإخوان بسبب قوة مؤسسات الدولة المصرية، ما تسبّب في يأس كثير ممن راهنوا على شعاراتها التحريضية

أحصى د. شريف درويش اللبان، في دراسة حول إعلام الإخوان بمصر، عشرات المواقع والقنوات، منها:
- "نافذة مصر" (Egypt window): باللغة العربية على شبكة الإنترنت.
- "الدعوة" (Ikhwanwikipedia).
-  موقع "إخوان أون لاين" (Ikhwanonline) باللغة العربية على شبكة الإنترنت، منذ عام 2003.
- موقع "إخوان ويب" (Ikhwanweb) باللغة الإنجليزية على شبكة الإنترنت منذ عام 2005.
- موقع "إخوان تيوب" (Ikhwantube) باللغة العربية على شبكة الإنترنت منذ عام 2009.
- موقع "إخوان ويكيبيديا" (Ikhwanwikipedia) باللغة العربية على شبكة الإنترنت منذ عام 2009
- قناة "مصر 25".
- حساب جماعة الإخوان المسلمين على الفيس بوك منذ عام 2011.
- حساب جماعة الإخوان المسلمين على تويتر منذ عام 2011.
- صحيفة "الحرية والعدالة".
- بوابة "الحرية والعدالة" على شبكة الإنترنت، باللغتين العربية والإنجليزية، منذ عام 2011.


يقول الدكتور شريف درويش إنّ جماعة الإخوان المسلمين استخدمت شبكة الإنترنت كقوة تكنولوجية فريدة، بعيداً عن المراقبة، لا سيما في العقد الأخير من حكم مبارك، وهو ما مكّنها من السيطرة على السلطة بعد سقوطه، وقد حرصت على التواصل مع الغرب والخارج، فأنشأت موقع "إخوان ويب".

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته
عقب سقوط حكم الجماعة بمصر كانت الخطة، وفق ما ورد في تقارير صحفية مصرية، اللعب على الملف الحقوقي، وطرح ملف المصالحة وتسويق الخلاف الإخواني على أنّه بين فريقين أحدهما لا يريد العنف.
وعن طريق الحسابات الوهمية بمواقع التواصل، ومئات الصفحات، ووسائل الإعلام البديلة، مثل: الفيديوهات القصيرة، والصحف التي تمّ شراؤها بدأت مرحلة جديدة في إعلام الجماعة، كانت على رأسها أكثر من 10 قنوات محتضنة تركياً، انتهت الآن إلى قناتين أو ثلاث، عقب مشكلات لا حصر لها في التمويل، والاتهامات بالعمالة، وضياع حقوق العمالة، والدليل تلك التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام يوم 20 أيلول (سبتمبر) 2017 للعاملين بقناة "الشرق" حول استخدام عمال القناة في خدمة القائمين عليها، والأجور المتدنية، ثمّ صدور تكليف لعزام التميمي بإدارة القناة، وأيضاً التسريب الخاص بالمذيع الإخواني، طارق قاسم، حول الفساد الذي ينخر بقنوات الإخوان.
قنوات الإخوان والوهج الذي خبا
يرى مراقبون أنّ وهج قنوات الإخوان قد خبا لأسباب أسبق من الخطاب، ومنها أنّ عصر السوشيال ميديا، وظهور شخصيات معارضة، مثل المقاول الهارب محمد علي، سحب البساط من تحت قنوات الإخوان، التي تتكلم طوال الوقت عن السلبيات دون طرح إيجابية واحدة بمصر، وبعدها انسحاب المقاول من المشهد، ليخبو وهج الجميع.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟
يقول الباحث المتخصص بالإسلام السياسي، مصطفى زهران، في تصريح لـ"حفريات": ساهم ظهور المقاول المعارض، محمد علي، ومن خلال توظيفه السوشيال ميديا كمنصة إعلامية، وعلى خلاف ما هو قائم وسائد لدى بقية المعارضين عبر الفضائيات وما شابه، في سحب البساط من تحت هذه المنصات جملة واحدة، وذلك يرجع لعدة عوامل، أبرزها:
حجم الحرية التي يتّسم بها خطابه عن نظرائه من المعارضين؛ كونه المتحكّم الأول والمراجع النهائي لنفسه دون حدودٍ أيديولوجية حاكمة، أو محظورات إعلامية محددة، وقدرته التعبيرية من خلال حديث أقرب إلى العامية منه إلى الفصحى، وبطريقة تجاوزت أداء معتز مطر، ما أثنى الأخير عن كرسي صدارة الإعلام الإخواني.


وأخيراً، وفق زهران، حين أعلن علي اعتزاله سقطت كافة المنصات المعارضة جملة واحدة، نتيجة حجم الإرباك التي حدث لها، وتفتت الجمهور المتلقّي وتشتّته، فضلاً عن النتيجة السريعة التي حدثت بإعلان فشل الجميع في المعارضة الإعلامية بالخارج.
آخرون خلطوا كثيراً بين إعلام الإخوان والرسالة والخطاب، الذي عدّوه مضللاً، ويوجد فيه خلل كبير، وهو ما أسقط تلك السياسة الإعلامية.
يقول الباحث ممدوح الشيخ، في دراسته المعنونة "في نقد خطاب الإسلاميين الإعلامي": إنّ من أهم أوجه الخلل:
1- التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.

استخدم "الإخوان" شبكة الإنترنت كقوة تكنولوجية فريدة بعيداً عن المراقبة، لا سيما في العقد الأخير من حكم مبارك

2- تفسير الظواهر كلّها بردّها إلى مبدأ أو علة أولى تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية.
3- الاعتماد على سلطة السلف، أو التراث، وذلك بعد تحويل النصوص التراثية، وهي نصوص ثانوية إلى أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل عن النصوص الأصلية.
4- اليقين الذهني والحسم الفكري القطعي ورفض أيّ خلاف فكري، إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل، دون الأسس والأصول.
5- إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل.
ويعتقد المنشق عن الإخوان، طارق البشبيشي، في تصريح لـ"حفريات"، أنّ تأثير قنوات الإخوان تراجع إلى حدّ ما، وذلك بسبب مرور الوقت وفشل التنظيم في تحقيق أيّ هدف وعد به، ووفق قوله؛ ربما ينطبق هذا التراجع على حلفاء الجماعة المعارضين للنظام المصري، لكنّهم ليسوا إخواناً، وهؤلاء يئسوا تماماً من تحقيق أيّ هدف تبشّرهم به الجماعة، وأما كوادر التنظيم المغيبين فلا فائدة من أيّة وقفة محاسبة أو مراجعة للوهم الذي يعيشونه.
يؤكّد البشبيشي؛ أنّ من أسباب تراجع زخم هذه القنوات قوة مؤسسات الدولة المصرية وامتلاكها لزمام المبادرة، مما تسبّب في يأس كثير ممن راهنوا على شعاراتها التحريضية، وانكشاف المستور عن حجم التمويل والصراعات الداخلية.


الأستاذ في معهد الفنون المسرحية، والناقد السينمائي أحمد الحناوي، قال لـ"حفريات": "لم تكن جريدة الحرية والعدالة "لكلّ الناس"، كما قالت في عبارة عبر "الترويسة"، بل جاءت متحدثة بلسان الإخوان فقط وسياساتهم، كما أنّ ميلودراما وتوجيهات القنوات الفضائية الإخوانية لم تكن شريفة من الناحية الاجتماعية، ولم تلتزم بمواثيق العمل الإعلامي، وانتهجت مبدأ الغاية تبرّر الوسيلة، بتحقيق أيديولوجياتها الخاصة، بتوجّه سياسي أو اقتصادي أو ديني، غير ملتزم بالحيادية المهنية، من خلال عرض المقطع السمعي أو الصوتي لشخصية عامة في أحد المجالات، معتمدةً على إستراتيجية هجومية (The fire-targeted strategy) تقوم فيها بالتهوين من قيمة آرائه لدى المشاهدين، بل والهجوم الشخصي عليه، بالربط بين تصرفاته الخاصة أو العامة، وما تقوله أثناء المقطع الذي تقوم بتحليله من خلال المونتاج، بتقطيع اللقطات بطريقة تضعف قيمة آراء المتحدث، مستخدمة تقنيات الميلودراما نفسها، التي ترى أنّ الشخصيات خيرة تماماً، أو شريرة تماماً، وتمثيل الفضيلة في الفقر والبساطة، وتمثل الرذيلة في المركز الاجتماعي، وإغراق العقل في العاطفة وفيض الدموع، وهذه التقنيات هي بالفعل التي تنتهجها القنوات الإخوانية من محاولات الشيطنة لبعض الشخصيات والرموز السياسية، وإظهار ما تنتمي إليه من رموز، سواء دولية أو إقليمية، على أنّها الحملان الوديعة، رغم ما بها أو عليها من مؤاخذات، إضافة إلى إغراق المشاهدين في سيل من العواطف الجياشة تجاه بعض القضايا، التي تمثل ثقلاً عاطفياً لدى الجماهير العربية، كقضية القدس أو قضايا القومية العربية، وما يكتنفها من خذلان يكلّل الجميع، ومحاولات تلبيس هذه القضية في وجدان الجماهير على أنّ السبب الرئيس فيها هو بقاء تلك الأنظمة الاستبدادية رهينة ببقاء القدس في براثن العدو الصهيوني، في حالة مزاوجة بين تلك القضية، وما يطرحه المذيع من قضايا ليست لصيقة بتلك القضية ومنحاها العاطفي الذي يقوم بطرحه، فيقوم مقدمي البرامج على الدوام بوصم الأنظمة بالصهيونية أو محاولة الشيطنة، ويأتي هذا الهجوم مقابل استخدام إستراتيجية تدعيمية (The Advocated strategy) حيال الأشخاص أو المصادر التي توافقه الرأي، أو تنتمي للتوجه السياسي أو الديني نفسه، والتنوير على هذه الآراء باعتبارها أفكاراً مقبولة اجتماعياً، وتحوز الإجماع المنطقي لذوي العقول الراجحة في المجال نفسه.

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس
ويلاحظ المراقب الفطن، كما يقول الحناوي، حجم التحيز الذي ينتهجه المعدّ/ المقدّم/ المؤدي تجاه الدولة، في محاولة بناء إستراتيجية للإجماع العام (The consensus-building strategy) على ما يود طرحه من مواضعات، وإظهارها على أنّها قضايا مصيرية تمثل تحدياً اجتماعياً، وأنّ مفاتيح حلّها لن تتأتَّى سوى بالتوافق مع مجموع ما طرحه من آراء وحلول ناجزة حول القضية مثار النقاش.

الصفحة الرئيسية