كيف يسهم دمج الإعلان بالإعلام في تضليل المتلقي وخداعه؟

الإعلام

كيف يسهم دمج الإعلان بالإعلام في تضليل المتلقي وخداعه؟

مشاهدة

16/02/2020

يحدث أن يواجه المتلقي سيلاً من الدعاية في المادة الإعلامية التي يتلقّى، مكتوبة كانت أو مسموعة أو مرئية، بدءاً من الدعاية التجارية المُقحَمة دون تنويه، وليس انتهاءً بالدعاية السياسية التي تصل حدود الـ "بروباغاندا".

اقرأ أيضاً: أزمة الأذرع الإعلامية لتنظيم الإخوان.. خلافات داخلية هيكلية أم تفجير ذاتي لانتهاء مهمته

لكنّ المتلقّي قد يكون سيّئ الحظّ بما يكفي، حين لا يفطن لما يحدث، وحين لا تتحلّى الوسيلة الإعلامية بالأخلاقيات الكافية، التي تتحدّث عن ضرورة فصل الإعلام عن الإعلان، والتنويه بشكل واضح، إن لم يكن صارخاً، إلى أنّ محتوى ما ينطوي على دعاية وأنّه مدفوع الثمن.

تطرح "حفريات" السؤال حول مدى رواج الظاهرة وطرق التعاطي معها أخلاقياً وإعلامياً، على عدد من الخبراء والمطّلعين على المشهد:

الأزمات المالية التي تعانيها عدّة مؤسسات إعلامية تشجّع على اللجوء إلى الخلط والتضليل

ماجد توبة: الخلط بين الصحافة والترويج

يقول الصحفي ماجد توبة إنّ هذه الظاهرة باتت في تزايد واضح وفجٍّ، وهي الخلط بين المادة الصحفية والبعد الإعلاني الترويجي، ويتم اللجوء إليها على نطاق واسع من قبل مؤسسات إعلامية، بمختلف تنوعاتها المقروءة والمسموعة والمرئية، ومن قبل صحفيين.

ماجد توبة: هناك غياب واضح لدور جهات مرجعية يفترض بها الرقابة والتدقيق والحرص على عدم تجاوز المعايير المهنية

ويبدو واضحاً، وفق توبة، أنّ الأزمات المالية التي تعانيها عدّة مؤسسات إعلامية، تشجّع على اللجوء إلى هذا الخلط والتضليل الذي يخالف، بلا شكّ، كلّ المواثيق المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي، ويصادر حقّ المتلقي ويغرّر به، وللأسف، بات التساهل بمعايير النشر وعدم الفصل بين الإعلان والمادة الإعلامية، منتشراً بوضوح، ما يعكس في جانب منه عدم التزام وتراجع في القيم المهنية، التي تحكم العمل الصحفي، كما يفترض، وأيضاً البحث عن مصادر دخل وأرباح تحت أيّ ظرف وبأيّة وسيلة، وهو أمر يلتقطه المعلنون الذين باتوا ينشرون إعلاناتهم على شكل أخبار وتصريحات ومقابلات لا تخضعها، وسائل الاعلام لمعايير النشر المهني، وحتى دون التنويه بشكل واضح بأنّ المادة إعلانية مدفوعة الأجر ليميز المتلقي ذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟

ويعتقد توبة أنّ كثيراً مما نسمعه في الإذاعات المحلية، مثلاً، يكون ترويجاً مدفوع الثمن لسلعة أو خدمة أو مؤسسة، على شكل خبر أو تحليل، فيما تنتشر أخبار الترويج والتسويق والعلاقات العامة بين الأخبار المهنية على صفحات الصحف، دون تمييز أو تنويه، كما تستسهل بعض القنوات التلفزيونية والإذاعات بثّ المقابلات مع شخصيات وممثلي مؤسسات، مقابل بدل مادي أو إعلاني، لخدمة الأغراض الترويجية والدعائية للشخصية أو المؤسسة.
طبعاً التضليل السياسي والدعاية السياسية تدخل بقوة من هذا الباب الواسع الذي باتت تتيحه وسائل إعلام غير ملتزمة بالمعايير المهنية للنشر، بحسب توبة، خاصة في مواسم الانتخابات، على اختلاف أنواعها، وتحديداً النيابية، ويتم التسابق بين وسائل إعلام على "صيد" أكبر قدر ممكن من الأموال من المرشحين على حساب الحقائق والمهنية وحقّ المتلقي والمجتمع على وسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً: خطاب الكراهية في الإعلام: اعتبارات الدين والقبيلة والجنس

لكنّ توبة يستدرك: ثمّة العديد من المؤسسات الإعلامية التي تتمسك بالمهنية وبتقاليد راسخة في النشر والبثّ، وتحرص بتشدّد على الفصل بين الناحيتَين؛ الإعلانية والإعلامية، لكن في المقابل ثمة العديد من المنابر الإعلامية التي لا تلتزم بذلك، وتصرّ على مخالفاتها وتضليلها.

 ثمّة العديد من المؤسسات الإعلامية التي تتمسك بالمهنية وبتقاليد راسخة

ورغم ذلك، فإنّ توبة يعرب عن أسفه بسبب الغياب الواضح لدور جهات مرجعية عامة يفترض بها الرقابة والتدقيق على مثل هذه المخالفات والحرص على عدم تجاوز المعايير المهنية، وهو دور يفترض بنقابات الصحفيين وبعض الجهات الأخرى القيام به حرصاً على الصالح العام ومنعاً للتضليل والإضرار بحقوق المتلقين.

صالح مشارقة: مواثيق الشرف ومدوّنات السلوك

المدرّب الإعلامي  صالح مشارقة يؤكد: في الأصل، نصّت مواثيق الشرف ومدوّنات السلوك على فصل الإعلان عن الخبر، لكن – للأسف- لم تلتزم وسائل الإعلام في غالبية كتل العالم، وفي العالم العربي اختلط الحابل بالنابل بأخلاقيات الإعلان.

اقرأ أيضاً: أردوغان والإعلام والأنا المتضخمة

هذا الخلط لم ينتج خطأ أخلاقياً فقط، بل شوّه، كما يقول مشارقة، الرسالة الصحفية، وخرّب مهنيّات إنتاج هذه الرسائل، التي خسرت مسؤولية المساءلة الصحفية للأسواق والهيمنات الاقتصادية وحقوق المستهلك، وخسرت نزاهة طواقم المراسلين والمحررين، الذين بدأوا يعملون سرّاً مع شركات تكتب إعلاناتها على شكل أخبار.

المؤلم، بحسب مشارقة، أنّ اتحادات الصحفيين والنقابات، في دول المركز ووسط إمبراطوريات الربح والاقتصاد الحرّ، أعادت كتابة مدونات السلوك الصحفي، لتواكب هيمنة الإعلان على الإعلام، لكن، للأسف، ما تزال مواثيق الشرف في الإعلام العربي رهينة شعارات حماية اللغة العربية من الاندثار والحدود والحياء العام ومصفوفة من المبادئ التقليدية، فيما عجزت عن مواكبة أمراض كثيرة تسلّلت إلى المهنة.

اقرأ أيضاً: لماذا تحضر الخبيرات "على استحياء" في الإعلام العربي؟

في مدوّنات سلوك كثيرة في العالم، تمّ تطوير مبدأ "فصل الإعلان عن الخبر"، وتمّ الوصول إلى أخلاقيات ومدونات سلوك خاصة بالصحافة الاقتصادية، ومدوّنات سلوك أخرى خاصة بصحافة العلاقات العامة، ومدوّنات سلوك خاصة بالصحفيين العاملين في أسواق المال والأعمال، كما يقول مشارقة، الذي يتابع: لكن،  للأسف، نحن في الإعلام العربي، حتى الآن، لم نصل تلك المرحلة، وما نزال ننظر لأخلاقيات تقليدية عفا عليها الزمن.

 الأخطر هو ما يجري من تشهير بشخصيات معينة أو تلميع لأخرى

سعد حتر: كيلا يكون المتلقي هو الضحية

المدرّب الإعلامي سعد حتر، يقول: لعلّ من أبجديات الأخلاقيات التي يجدر بالصحفي والمؤسسة الإعلامية التحلّي بها؛ الفرز بين المادة الإعلامية والإعلانية، احتراماً لبروتوكولات المهنة وصورتها ورسالتها، وللنأي بالمؤسسة الإعلامية عن التغرير بالمتلقي وخداعه، أو حتى محاولة تسريب رسالة ما، أو توجّهٍ، أو سلوك ما، من دون أن يكون المتلقي على دراية تامة بهذا، ومن دون أن يملك القرار في مرات كثيرة لقبول هذا أو رفضه.

سعد حتر: الأخطر هو ما يجري من تشهير بشخصيات معينة أو تلميع لأخرى، من خلال برامج حوارية وتحليلات وغيرها

ويتابع حتر: لئن كانت الدعاية التجارية تتسرّب بقوة في الرسائل الإعلامية (رغم ضرورة الفصل بشكل واضح، لا يحتمل التضليل، بين الرسالتين؛ الإعلامية والإعلانية، وضرورة التنويه بشكل جاد وواضح إلى أنّ المادة إعلانية ومدفوعة الثمن)، لكنّ الأخطر هو ما يجري من تشهير بشخصيات معينة أو تلميع لأخرى، من خلال برامج حوارية وبرامج تحليلات وغيرها، لا سيما في مواسم الانتخابات، دون التنويه إلى أنّ هذا أيضاً يدخل ضمن الإعلان لا الإعلام، وفي الحالات كلها سيكون المتلقي هو الضحية، والحقيقة كذلك والنزاهة والمعايير المهنية.

د. صخر الخصاونة: لا مساومة

أستاذ التشريعات القانونية والإعلامية، د. صخر الخصاونة، يشدد: لا توجد مساومة حول ضرورة تقديم المادة الإعلانية بشكل واضح وعدم دمجها في متن المادة الإعلامية؛ ذلك أنّ هذا الدمج قد يُفضي لحالة من اللبس لدى المتلقي، الذي لا يُدرك بالضرورة الحدّ الفاصل بين الإعلام والإعلان.

د. صخر الخصاونة: لا توجد مساومة حول ضرورة تقديم المادة الإعلانية بشكل واضح وعدم دمجها في متن المادة الإعلامية

وليس الأمر مقتصراً على الدعاية التجارية؛ وفق الخصاونة، بل لا بدّ من مزيد من التوعية حول الـ "بروباغاندا"، وهي الدعاية السياسية التي عادة ما تُستخدَم في الحملات السياسية؛ لغايات التأثير، سواء كان هذا لتشويه صورة طرف ما أو لتكريس صورة طرف آخر.

ويتابع أستاذ التشريعات القانونية والإعلامية في معهد الإعلام الأردني: قد يحدث الأمر من خلال نشر إشاعة ما، عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال، وحتى إن ثبت عدم صحتها، فإنّ مجرد إثارتها، ومن ثم سعي الآخر نحو تكذيبها، سيُحدِث نوعاً من البلبلة التي كانت مقصودة منذ البدء.
كما أنّ انتقاداً سياسياً ما، أو شخصية مشهورة ما، لشخصية أخرى أو لتوجّه أو لإجراء، سيعمل ضمنياً على توجيه الرأي العام وفق ما قاله، من دون أن يبدو الأمر مقصوداً في ظاهره.
لا بدّ، بحسب الخصاونة،  من توعية المتلقي أنّ هذا كلّه إعلان في متن الإعلام، وأنّه مدفوع الثمن، ويجافي الموضوعية والمهنية جملة وتفصيلاً.

الصفحة الرئيسية