كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟

كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟

مشاهدة

10/09/2019

تستشعر وسائل إعلامية عاملة في العراق مكامن الخطر "الأمني" و "التعسّف القانوني"، من قبل الجهات الرسمية المسؤولة في البلاد، تجاه عملها في كشف ملفّات الفساد التي تطال مؤسسات الدولة العراقية، فيما تعرّض صحفيّون ومدونون عراقيون لتهديدات "واضحة"، بتهمة "الدعوات إلى التطبيع مع إسرائيل"، وذلك من قبل صفحات مموَّلة مقرَّبة من فصائل تابعة لميليشيا الحشد الشعبي.

حمّى الصراع الدولي في العراق تجعل الاتهام بالعمالة للأجنبي من أسهل الاتهامات التي تطال الناشطين المدنيين

وقرّرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية، الإثنين، الثاني من أيلول (سبتمبر) الجاري، منع عمل مكتب قناة "الحرّة عراق"، لمدة ثلاثة أشهر، بعد اتهام الأخيرة بالخروقات القانونية والتطاول على مقامات معنوية "مقدسة" لدى المجتمع العراقي، فيما اتّهمت الأحزاب الإسلامية القناة الأمريكية بالعمل على تفكيك الهوية الدينية لغالبية العراقيين .
وسبق لقناة "الحرّة عراق" أن عرضت، في الأول من الشهر الحالي، تقريراً حمل عنوان "أقانيم الفساد المقدس في العراق"، تناول حجم الفساد وهدر الأموال من قبل الوقفَين الدينيَّين (الشيعيّ والسنّي)، وإدارات العتبات المقدَّسة التابعة لهما.

لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان العراقي

مخاطر نقد الأوضاع في العراق
في ضوء ذلك؛ يقول الإعلامي العراقي محمد الدراجي لـ "حفريات": "العراق يعيش صراعاً دولياً بواسطة السلاح الإعلامي؛ لذلك فإنّ أيّة عملية نقد موجَّه لقوى النظام السياسي، تعدّ مؤامرة بنظر الحاكمين، والإعلام السلطوي ومن يقف خلفه"، مبيناً أنّ "محاولة قناة "الحرّة عراق"، كشف بعض ملفات الفساد داخل الأوقاف الدينية، هي محاولة انتحارية قد تعرّض كوادرها بالعراق للتهديد بالقتل".

اقرأ أيضاً: سجون الحشد بالعراق.. 50 ألف معتقل في غياهب الخطف والقتل
ويضيف الدراجي: "أساطين الفساد في العراق محميون من قبل كبريات القوى الحاكمة والفصائل المسلحة"، مشيراً إلى "وجود تحالف ديني سياسي داخل النظام العراقي"، وأنّ "إدارات المؤسسات الدينية فوق المحاسبة القانونية، كما هي الإدارات السياسية للدولة العراقية".

منظمة صحفية: قرار هيئة الإعلام والاتصالات العراقية بغلق مكتب قناة "الحرّة عراق" مخالف للقانون

وتابع الدراجي: "كلّ محاولات إصلاح الوضع العراقي، ينبغي أن تبدأ من المؤسسات الدينية أولاً، قبل المؤسسة السياسية والاجتماعية العاملة في هذا المجتمع الذي يعاني كثيراً"، لافتاً إلى أنّ "الوضع ما يزال بائساً، ولا أفق يلوح بالأمل في الوقت الحاضر".
وللعتبات المقدَّسة في العراق، لا سيما: العتبتَين الحسينية والعباسية في كربلاء، والعتبة العلوية في النجف، والعتبة الكاظمية في بغداد، كثير من المشروعات الاقتصادية التي تنافس القطاعَين العام والخاص العراقيّين؛ إذ تستثمر في مختلف المجالات المحلية، مستغلةً سلطتها الروحية على الجميع.

هيئة الإعلام والاتصالات تغلق مكتب قناة الحرة في العراق

قرار حكومي يخالف القانون
من جهتها، رأت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، أنّ قرار هيئة الإعلام والاتصالات، مخالف للقانون 65 من الدستور، الذي تعمل في إطاره الهيئة، مبينة أنّ هذا القانون لا يتيح للأخيرة صلاحية إغلاق أو إلغاء ترخيص أيّ مكتب لوسيلة إعلامية دون أمر قضائي.

اقرأ أيضاً: السلاح السائب بيد الأحزاب الدينية ومليشياتها في العراق
وقال رئيس الجمعية، مصطفى ناصر، لـ "حفريات": "ينصّ قانون الهيئة بمادته 17/ أولاً، على أنّ مدة التعليق لا يجب أن تتجاوز 30 يوماً"، معرباً عن استغرابه "من إصدار الهيئة لائحتها، بشأن قناة "الحرّة عراق"، التي أوردت فيها ملاحظات تحريرية وبنيوية في التقرير الوارد، وهو ليس من صلب عملها، إضافة إلى مطالبتها إدارة الحرة بالاعتذار، وهو أسلوب ليس تنفيذياً".
وطالب ناصر "مجلس النواب العراقي، بمراجعة قانون هيئة الإعلام والاتصالات (65)، والاطّلاع على الخروقات التي ارتكبتها الهيئة في لائحتها"، مؤكداً أنّ "تدخل الهيئة في بثّ أيّ تقرير غير مهني، أو يحتوي على تضليل، فضلاً عن كونه ليس من اختصاصها أيضاً، فإنّه يضع أكثر من تساؤل عن سكوتها إزاء تقارير عديدة تضمّنت العديد من الزيف والأكاذيب والتحريض على القتل دون حساب".

العتبات المقدسة تمثل رصيداً مالياً كبيراً نتيجة السياحة الدينية المزدهرة في العراق

الاستثمار السياسي للدين
وتصاعدت الدعوات السياسية برفض الخطاب الإعلامي الذي ينال من "سمعة" المؤسسة الدينية في العراق؛ حيث أصدر زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، ورئيس حركة عصائب أهل الحقّ، قيس الخزعلي، ونوّاب إسلاميون في تحالف الفتح (بزعامة هادي العامري)، بيانات شجبت التقرير الصحفي الذي كشف عن فساد بعض الدوائر الدينية.

ميديا الحشد الشعبي تهاجم ناشطين مدنيين وتتهمهم بالعمالة لإسرائيل ولا توجد حماية حكومية لحرية التعبير بالبلاد

وبشأن تلك البيانات؛ يعلق السياسي العراقي وائل الأعسم: "أغلب من يستنكر تقرير الحرّة الذي كشف الفساد في بعض إدارات العتَبات المقدسة، يريد استثمار الموقف لصالح كسب ودّ المرجعية الدينية في النجف الأشرف"، لافتاً إلى أنّ "كثيرين من الساسة لا يعيرون كلام المرجعية أهميةً حينما تدعوهم إلى الإصلاح، بينما يبادرون بكلّ قواهم الإعلامية للدفاع عنها في حال تعرضها لنقد إعلامي من طرفٍ آخر."
ويضيف لـ "حفريات": "رجالات المؤسسة الدينية في العراق، ليسوا معصومين، بل فيهم الصالح والطالح، كما لا ينبغي أن نغضّ الطرف عن سيئات المؤسسات الروحية التي يرتكز إليها كثيرون من أبناء الشعب العراقي".
ومن جهةٍ أخرى؛ أكّد مصدر في ديوان الرقابة المالية، لـ"حفريات"؛ أنّ "مجمل مؤسسات الدولة العراقية تقدم كشوفاتها المالية لديوان الرقابة سنوياً"، مبيناً أنّ "بعض إدارات العتبات المقدسة لم تقدم كشوفاتها المالية للديوان منذ عام ٢٠٠٥، علماً بأنّ العتبات الدينية مرتبطة إدارياً بديوان الوقف الشيعي، وهو هيئة حكومية مرتبطة برئيس الوزراء".

ميديا الحشد و تهديد الناشطين

إلى ذلك، يتعرض ناشطون عراقيون لعمليات تهديد واضحة جراء نقدهم لسلطة الإسلام السياسي في العراق. ورأى مراقبون أنّ "معارضة قوى السلطة تؤدي إلى مخاطر وتصفيات جسدية لمعارضيها، نتيجة هيمنة الميليشيات الدينية المسلحة على السلطة العراقية والقرار العراقي".

المنشور الذي تبنته مواقع مقربة من الحشد الشعبي الذي يتهم ناشطين عراقيين بدعم التطبيع مع إسرائيل
ونشرت صفحات مقربة من الفصائل المنضوية في ميليشيات "الحشد الشعبي" على موقع فيسبوك، الخميس الماضي، أسماء عدد من الصحفيين والمدوّنين والناشطين المدنيين العراقيين، تتهمهم بأنّهم من "دعاة التطبيع مع إسرائيل"، ومن أبرز الأسماء المتهمة: الخبير الأمني والإعلامي، هشام الهاشمي، والصحفي عمر الشاهر، والإعلامية جمانة ممتاز، وناشطون مدنيون أمثال: صقر آل زكريا، وحسين علي، الملقب بـ "حسين تقريباً"، وستيفن نبيل، والرسام الساخر أحمد فلاح.

اقرأ أيضاً: "تهديد بالعزلة".. سيطرة مليشيا "حزب الله" العراقي على مطار بغداد

وطالب رائد المشهداني، وهو ناشط مدني، الحكومة العراقية "بضرورة حماية الحريات الشخصية والتعبير عن الرأي في البلاد"، مبيناً أنّ "ما يحصل هو تهديد واضح لكلّ صوت ناقد لأداء السلطة، وهذا النقد يعرضنا جميعاً لمخاطر وتصفيات جسدية".
وعبّر، من خلال "حفريات"، عن "مخاوفه من هجرة الفكر المدني العراق، جراء هيمنة التشدّد الديني، وانفلات السلاح، وانتشار الميليشيات، فضلاً عن عجز حكومي واضح للعيان".

مطالبات برصد المواقع الوهمية
وفي السياق ذاته؛ أكّدت لجنة الثقافة والإعلام النيابية، أنّها بصدد إلزام وزارة الاتصالات بغلق الصفحات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، مبينة أنّ كثيراً من التهديدات والتحرشات تنطلق من حسابات غير معروفة الهوية.
وقال عضو اللجنة، بشار الكيكي، لـ "حفريات": إنّ "كثيراً من المواطنين يتعرضون لمضايقات عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال صفحات تطلق على نفسها أسماء مستعارة"، مشيراً إلى أنّ "تلك الصفحات تنتهك خصوصية المستخدمين وتعرضهم للتشهير".

اقرأ أيضاً: هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟
وأشار الكيكي إلى أنّ "اللجنة تشدّد على أهمية وضع ضوابط وكوابح للأمور التي تهدد سلامة المواطن وأمنه الشخصي، خصوصاً بعد شيوع عمليات التهديد الإلكتروني من قبل حسابات مجهولة المصدر"، مؤكداً أنّ "هناك تعاوناً بدأ بين اللجنة النيابية ووزارة الاتصالات، للحيلولة دون هذه الممارسات المشينة على الفضاء المحلي العراقي".

بينما وصف  النائب وجيه عباس، تداول صفحات ممولة قوائم بأسماء صحفيين يُتهمون بالعمل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بأنّها "ثقافة فيسبوك شعبية تعبّر عنها أسماء مستعارة تابعة لجيوش و"جحوش" إلكترونية"، مؤكداً عزمه محاسبتهم، ومعرباً عن أمله بقرب إقرار قوانين تحاسب أصحاب الأسماء المستعارة.

الصفحة الرئيسية