
في أحد الأزقة الضيقة بمخيم المغازي شرق قطاع غزة التي بالكاد نجت من القصف، تجلس أم مذهولة، وعائلة تحاول أن تفهم كيف يمكن للعالم أن يستمر بعد ما حدث، في هذا المكان الذي صار شاهداً على ما لا يحتمل، تبدأ قصة الطفل جواد (19 شهراً) الذي حمل في جسده الصغير ما لا يمكن أن تتحمله ذاكرة إنسان.
تسكن عائلة أبو نصار في منزل لا يبعد سوى 350 متراً فقط عمّا يُسمّى بالخط الأصفر، وهو حد غير مدون على الخرائط، لكنّه جلي على أرض الواقع، وهناك أقام الاحتلال مكعبات خرسانية صفراء موزعة على امتداد المنطقة، لتشكل علامة بصرية للفلسطينيين، لعدم تجاوز هذه النقطة، إذ إنّ الاقتراب منها يعني الموت الفوري.
وحتى نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي قتل الاحتلال 18 ألفاً و592 طفلاً في القطاع، بحسب توثيق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة فقد بين أنّ 93% من الأطفال يظهرون سلوكاً عدوانياً، و86% يظهرون الحزن والانعزال، إلى جانب اضطرابات النوم 79%، وشدد العاملون في المجال الإنساني على أنّ أطفال غزة يحتاجون إلى جهود مستدامة وطويلة الأمد للتعافي.
وكشف تقرير صادر عن مؤسسات حقوق الأسرى عن تصاعد غير مسبوق في اعتقالات الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين؛ فمنذ اندلاع الحرب حتى 11 آذار/ مارس 2026، ما يزال الاحتلال يحتجز 350 طفلاً أسيراً يعانون ظروفاً قاسية والحرمان من الحقوق الأساسية، في سياق منظومة ممنهجة من الانتهاكات الجسيمة.
وأفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" أنّ أكثر من 58 ألف طفل في قطاع غزة فقدوا أحد والديهم أو كليهما نتيجة العدوان الإسرائيلي، وهو ما تركهم في مواجهة قاسية مع الحياة دون سند أسري، أو رعاية كافية.
لحظات ما قبل الفاجعة
وعن بداية الحادثة الأليمة تتحدث سندس أبو نصار (26 عاماً)، وهي عمة الطفل (جواد)، وتقول: "في صباح التاسع عشر من آذار/ مارس الماضي، أي قبل عيد الفطر بيوم واحد، خرج والده أسامة (25 عاماً)، لشراء الحلوى لطفله من البقالة القريبة من المنزل، مصطحباً معه طفله جواد.
وتضيف أبو نصار: "تبدلت وجهة أخيها بشكل مفاجئ من الغرب إلى الشرق حاملاً ابنه الرضيع جواد على كتفيه، ومع اقترابه من الخط الأصفر، تم إطلاق النار عليهما من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة في المنطقة. لم تصبه الطلقات النارية في البداية، لكنّها كانت كفيلة بإجبار أيّ شخص على التراجع، لكنّه لم يتراجع، وكأنّه لم يكن يسمع أو يرى ما يجري أمامه، واستمر بالسير شرقاً غير مكترث بما يحدث. وبعد لحظات ظهرت فوقهم طائرة مسيّرة صغيرة تحلق على ارتفاع منخفض، مزودة بمكبر صوت، وشرعت في إصدار أوامر مباشرة، عندها فقط تغير سلوكه بشكل ملحوظ".
وتوضح: "توقف أسامة بعدما أصيب برصاصة في كتفه، وفق ما أبلغهم الصليب الأحمر، وقام بإنزال الطفل من على كتفيه ووضعه أرضاً، ثم بدأ بخلع ملابسه تباعاً، حتى لم يبقَ عليه سوى ملابسه الداخلية، امتثالاً للأوامر الصادرة عن قوات الاحتلال".
تعذيب وحشي
وتتابع: "اعتقلت قوات الاحتلال أسامة، في حين بقي الطفل جواد محتجزاً لما يزيد عن عشر ساعات، إلى أن أفرج عنه عند الساعة التاسعة مساء في اليوم نفسه، وتسليمه للجنة الدولية للصليب الأحمر، بينما ما يزال والده معتقلاً حتى اللحظة دون أيّ سبب أو إتهام".
وتكمل: "عند توجه جدّ الطفل لاستلامه، لاحظ دماء على ملابسه، بعد أن كان الرضيع في حالة بكاء متواصل دون معرفة السبب في حينه، غير أنّه، بعد وصولهما إلى المنزل ومعاينة حالته، تبين وجود نزيف وآثار حروق على قدميه".
وتؤكد: "قمنا باصطحاب الطفل إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، حيث أظهرت الفحوصات والمعاينة الطبية أنّ قدميه تعرضتا للحرق بأعقاب سجائر مشتعلة، إضافة إلى إدخال "مسمار كبير" في ساقه، وهو ما خلف جروحاً نافذة تسببت بنزيف حاد والتهابات شديدة".
وتشدد أبو نصار على أنّ "ما جرى يثبت تعرّض الطفل لتعذيب وحشي على يد جنود الاحتلال، رغم صغر سنه"، مشيرة إلى أنّ "الطفل ما يزال يعاني حتى اليوم من ارتفاع في درجات الحرارة، ونوبات تقيؤ، إلى جانب بكاء متواصل".
جريمة حرب
يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني والقانوني صلاح عبد العاطي أنّ "تعذيب طفل مدني في سياق نزاع مسلح يُعدّ انتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة، وجريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وفق (المادة 8)، لأنّه يشمل، التعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والإهانة للكرامة الإنسانية".
ويضيف عبد العاطي: "تعذيب طفل رضيع، يرقى أيضاً إلى جريمة ضد الإنسانية، يترتب عليه مسؤوليات دولية وحقوقية واضحة للضحية في العدالة والتعويض، مع ضرورة وجود دور محوري للسلطة والمنظمات الحقوقية في ملاحقة الجناة دولياً".
ويشير إلى أنّ "اتفاقية حقوق الطفل نصت على حماية الأطفال وتحديداً في أماكن النزاع، وحظر مطلق لتعذيبهم وفق المادة (37)، وحمايتهم من كل أشكال العنف بحسب المادة (19)، وضمان الحياة والنماء وفق المادة السادسة".
ويتابع عبد العاطي: "يحق للطفل وذويه المطالبة بالعلاج وإعادة التأهيل، والتعويض المادي والمعنوي والنفسي من خلال المحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان وآلياته، والولاية القضائية العالمية".
تأثيرات نفسية عميقة
تقول الإخصائية النفسية فى مركز الشفاء الصحي بغزة مي شراب: إنّ "التعرض لمستويات عالية من العنف الجسدي، وتحديداً لدى الأطفال، له تأثيرات نفسية عميقة حتى على الأطفال الذين لا يستطيعون التعبير بالكلام، فالرضيع قد يظهر اضطراباً في نومه، وبكاءً مفرطاً، وصعوبةً في الرضاعة، أو حتى الخمول الشديد، وكلها مؤشرات على شعوره بالخوف وعدم الأمان".
وتضيف شراب: "تبقى آثار الصدمة عالقة داخل الأطفال، وتظهر لاحقاً على شكل مشاكل في التعلق، والخوف المزمن، والسلوكيات العدوانية و الانسحابية، ممّا يضع الطفل في مسار حساس حيث يكون أكثر عرضة للمعاناة النفسية في مراحل لاحقة من حياته".
وتوضح: "تعرّض الطفل للتعذيب أمام والده تولد شعوراً هائلاً بالعجز والذنب، وقد تتجلى في انهيار نفسي، ونوبات غضب، وشعور بالانفصال عن الواقع، وأفكار متكررة للحدث، وخطر الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، وغالباً ما يترافق ذلك مع اكتئاب حاد واضطرابات قلق، وفي بعض الحالات قد تصل الأفكار إلى إيذاء النفس أو الانتحار إذا لم يتلقَّ الطفل التدخل المناسب".
وتتابع: "في بيئات النزاع والحروب تكون الصورة أكثر تعقيداً، فالصدمات المتكررة والمستمرة تجعل التعافي أصعب، وتزيد من احتمالية الصدمة المعقدة، حيث تتبلد المشاعر وتتشكل سلوكيات دفاعية لتجنب الألم، كما أنّ البيئة غير الآمنة تجعل الشعور بالسيطرة على الحياة شبه معدومة، ويصبح الشخص في حالة تهديد دائم".
وتكمل الإخصائية النفسية أنّ "الخطوات الأولى للتدخل النفسي الطارئ تركز على تأمين السلامة الجسدية والنفسية، والتهدئة، وتوفير الدعم العاطفي، وإعادة إحساس السيطرة على الحياة، في حين أنّ التعافي الطويل الأمد يعتمد على توفير بيئة مستقرة وعلاقات داعمة، إلى جانب تدخل نفسي متخصص متدرج يمكن أن يساعد الطفل أو الوالد على تجاوز الصدمة بأقلّ قدر ممكن من الآثار طويلة المدى".




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)