"لا إكراه في الدين".. كيف نفهمها؟

"لا إكراه في الدين".. كيف نفهمها؟

مشاهدة

26/12/2020

دُعيت في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، إلى مؤتمر دولي تحت مسمى: "التعايش السلمي في الشرق الأوسط"، والذي نظمته وزارة الخارجية اليونانية، في العاصمة أثينا، وانصب الاهتمام الأكبر على مواجهة تنظيم "داعش"، الذي بزغ في أعقاب التحوّلات السياسية مطلع العام 2011.

وظهور تنظيم "داعش" ذاته لا يعني أنّ الفكرة حديثة المنشأ؛ فالحركات التي أطلقت على ذاتها صفة الجهاد الإسلامي المسلح، حاضرة في واقعنا من قبل وجود "داعش" على الساحة، إلا أنّ تلك الحركات الجهادية كانت تعتمد على فكرة التمركز في بقاع بعينها، وضرب مراكز حيوية في عمق الدولة المستهدفة، أما التنظيم فيعتمد على الاجتياح، واحتلال الأرض، ومحاربة الجيوش النظامية؛ أي إنّ الاختلاف قد يكون في النهج الجهادي وليس الأيديولوجي، بما توفر لـ"داعش" من عتاد وسلاح، وهو الأمر الذي استعرضه التقرير الصادر عن مركز الدراسات السياسية والأستراتيجية بالأهرام بعنوان:"دليل الحركات الإسلامية في العالم للعام 2014".

الحرية العقائدية من منظور ديني آخر حرية منقوصة فلا يجب حكم الأغلبية الدينية على أصحاب العقائد الأخرى

شارك في مؤتمر التعايش السلمي وفد من رجال الدين الأزهري، على اعتبار أنّ الأزهر ُيقدم خطاباً إسلامياً رسمياً مختلفاً، بالمقارنة مع تنظيم داعش، وعلى اعتبار أنّه مؤسسة حكومية، تمثل الذراع الديني للدولة المصرية، والتي تربطها باليونان علاقات سياسية وثيقة. 

استمعتُ جيداً لخطاب ممثلي الأزهر، والذي تمحور حول الآية رقم 256 من سورة البقرة "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وهو خطاب لا يختلف كثيراً عما أعلنه شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، في بيان مشترك مع المثقفين نشرته الصحف في كانون الثاني (يناير) العام 2012، بعد استحواذ تيار الإسلام السياسي من إخوان وسلفيين على أغلبية المقاعد البرلمانية في مصر) .

من قبل، تطرق الدكتور على مبروك أستاذ الفلسفة المصري الراحل( 1958– 2016) إلى هذه الجزئية في كتابه "لاهوت الاستبداد والعنف، الفريضة الغائبة في خطاب التجديد الإسلامي"، وأحاط فيه عناية الأزهر إلى أنّ استخدام الآية، دون تفكيك للنص قد ُيفرد الساحة، أمام من يستخدمها لإثبات العكس!

حين نتحدث بالإنجليزية عن أمور شديدة التخصص الفقهي نبدو وكأننا نغرد ونجادل في الماضي السحيق

ويأتي مبروك بالمثال على ذلك، بما أورده الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية؛ حيث تعددت تفسيراتها، فقيل إنّها آية منسوخة؛ لأن النبي قاتل العرب، ولم يرض منهم إلا الإسلام، وروي عن ابن مسعود أن آية "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" نسختها آية "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ"، واعتبار آية عدم الإكراه في الدين منسوخة، يعني أنّ حكمها بات مرفوعاً.  وقيل في رأي آخر إنها ليست منسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب، وأنهم لا ُيكرَهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، وفي كلا الحالتين نجد أنفسنا أمام معضلة كبيرة، وهنا يأتي دور الأزهر الفقهي، في مواجهة هذه المعضلة، خاصة وأن الجهاديين يرتكزون على مثل هذه التفسيرات في أفعالهم.

جاء دوري في إلقاء الكلمة، والتي لم يحضرها ممثلو الأزهر لسبب ما، وبكل تأكيد لم أكن لأتطرق في محفل دولي يحضره ممثلون لأكثر من 70 دولة، إلى إشكالية الناسخ والمنسوخ، فحين نتحدث بالإنجليزية عن أمور شديدة التخصص الفقهي، نبدو وكأننا نغرد ونجادل في الماضي السحيق، إلا أنّ هذا لا يعفينا من تسليط الضوء على ثغرات الخطاب.  

تحول خطاب "لا إكراه في الدين" الذي يتبناه الأزهر في المحافل الدولية لمجرد خطاب تجميلي يحمل ألغاماً خطرة

لربما مهمتنا (نحن) ليست فقهية، فمحاولة ترسيخ قيم حرية العقيدة، والمواطنة، والمساواة الكاملة، والتعايش السلمي، والتعددية الدينية، مبادئ إنسانية غير قابلة للاستفتاء.

وهنا يكمن أصل المشكلة، حين نلتف حول المبادئ الإنسانية الأساسية، ونستبدلها بـنصوص دينية مجتزئة، وكأننا نضع التراب تحت السجاد، بدلاً من فتح النوافذ للتخلص من الغبار، فمناهضة التطرف أكبر وأشمل، من مجرد استخدام بعض النصوص الدينية المنتقاه، لنبدو في حال أفضل أمام المجتمع الدولي، ولنرتب أوراق خطاب ديني رسمي، نُطمئن به أنفسنا.

الخطاب الديني المزدوج يقتل أي فرصة لتجديد الفكر الديني لدى العامة

لذا، كان من الصعب أن تخلو كلمتي المتواضعة، من الإشارة إلى الأزمة الأكبر التي تواجهنا، والتي تتمثل في خطاب الأزهر ما بين الغرب والشرق، ففي الغرب، وقف شيخ الأزهر تحت قبة البرلمان الألماني في آذار (مارس) 2016 ، وأشار في خطابه لآية "لا إكراه في الدين"، أما في خطابه الموجه للمسلمين بالداخل فقال شيخ الأزهر إنّ حرية العقيدة شيء، وحرية الارتداد شيء آخر، وأسهب الشيخ قائلاً: إن آية "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" لا تتعارض مع قوله تعالى "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَم"،و "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ".

يمكن القول، إنّ الخطاب الديني المزدوج يقتل أي فرصة لتجديد الفكر الديني لدى العامة؛ بل ويكون السبب في تبنّي بعض مشايخ الأزهر أنفسهم، أو أئمة مساجد الأوقاف، لخطاب يهدد أمن واستقرار المجتمع، مثلما فعل الشيخ سالم عبد الجليل، حين وصف المسيحيين بأنهم أصحاب "عقيدة فاسدة"، أو كما فعل الدكتور عبد الهادي زارع، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر حين وصف المسيحيين بـ"أصحاب العقول الضالة".

هنا، لم يتم نسف خطاب حرية العقيدة وحده؛ بل ُنسف معه خطاب المواطنة، والأمر لا يتوقف عند المسيحيين، أو من أشار إليهم الأزهر بـ"المرتدين"، وإنما شن الأزهر كذلك هجماته على البهائيين، حين عقد دورات تدريبية للأئمة، لمواجهة "كفر البهائيين البواح" -على حد قوله-، وسبق أن أعلن الأزهر، أثناء كتابة دستور الإخوان العام 2012  ضرورة مواجهة  الشيعة، والتأكيد على أنّ مصر دولة لأهل السنة والجماعة فقط.

قيم التعايش السلمي تتطلب ألا يكون التسامح  انتقائياً فالتعايش السلمي مفهوم أوسع وأشمل من قبول عقائد بعينها

هنا تحول خطاب "لا إكراه في الدين"، الذي يتكئ عليه الأزهر في المحافل الدولية، لمجرد خطاب تجميلي، يحمل في ثناياه ألغاماً خطرة؛ فالأصل في مواجهة التطرف، هو محاربة التعصب ضد الآخر، حتى لا يتطور التعصب اللفظي، إلى حالة إرهاب مسلح، فهكذا يبدأ الإرهاب، فالمحارب في التنظيمات الجهادية، نشأ على خطاب تحريضي مماثل، ضد العقائد والمذاهب الأخرى، وظن الكثيرون أنه خطاب غير مؤذٍ، وهنا يغيب عنا أنّ نواة الإرهاب المسلح، تبدأ بالفكر المتعصب في نبذ الآخر.

"لا إكراه في الدين"، قد تظل معضلة في إطارها الفقهي، وقد تكون الحل في إطارها الفلسفي الإنساني، إن وضعنا مقومات إنسانية بحتة لها ومنها:

الأوطان وتشريعاتها يجب ألا تهتم  وتكترث بعقائد المواطنين ولا يجب أن تفتش في ضمائرهم

- أنّ قيم التعايش السلمي، تتطلب ألا يكون التسامح  انتقائياً، فالتعايش السلمي مفهوم أوسع وأشمل من قبول عقائد بعينها، ورفض عقائد أخرى، تحت مسمى أنّها ليست سماوية؛ فمفهوم الأديان السماوية مفهوم نسبي، فكل الأديان على وجه الأرض، في نظر أصحابها من الأديان السماوية.

- أنّ مفهوم الحرية العقائدية من منظور ديني آخر، ما هي إلا  حرية منقوصة، فلا يجب أن تحكم الأغلبية الدينية على أصحاب العقائد الأخرى، وإلا فقدنا قيمة المواطنة، في مواجهة ثقافة الغلبة العددية.  

- أنّ الأوطان وتشريعاتها، لا  يجب أن تهتم، أو تكترث بعقائد المواطنين، ولا يجب أن تفتش في ضمائرهم،  بقدر ما تكترث بحقوقهم الأساسية، من تعليم، وصحة، وحد أدنى من الحياة الإنسانية، وهنا فنحن بحاجة إلى مادة للتربية الإنسانية والحقوقية، تساعد على تشكيل وعي أجيال ناشئة، تتعرض عقولها للصدأ من جراء خطاب ديني، ملغم بقيم التسامح الشكلية، وزاخر بقيم احتقار الآخر ضمنياً.

الصفحة الرئيسية