في نقد الضحية العراقية حين تقلد الجلّاد!

2614
عدد القراءات

2017-12-31

لم تتردد مجموعة مسلحة من الأقلية الأيزيدية من الانضمام إلى لائحة الضحايا العراقيين الذين يقلّدون جلادهم. فقد اتهمت منظمة حقوق الإنسان "هيومن رايتس ووتش" مؤخراً، مقاتلين أيزديين عراقيين باختطاف وإعدام 52 مدنياً ينتمون لقبيلة عربية سنية انتقاماً للظلم الذي تعرضت له هذه الطائفة على يد تنظيم "داعش".

لا جديد في المشهد الذي وسم البلاد بعد انهيار سلطة النظام الديكتاتوري في 2003، فقد سبق الأقلية التي تعرضت إلى ما اعتبرته الأمم المتحدة عمليات تطهير عرقي، قادة الشيعة على نحو واسع ونظراؤهم الكرد على نحو أضيق في عمليات انتقام من الجلاد السابق، ناهيك عن استخدام السلطة في شتى الأشكال غير المشروعة، حدّ إن النظام الجديد في البلاد بزّ القديم في نهب المقدرات المادية، وتدمير كل ما يتصل ببناء دولة قادرة على الحياة وتنتمي للعصر.

المثال العراقي ليس جديداً لجهة قيام الضحية بتقليد جلادها، فهي ظاهرة تكاد تكون شبه شائعة في منطقتنا

وتمكنت الأغلبية المقموعة (الشيعة والكرد) من تحويل كراهيتها لنظام صدام حسين إلى عداء سافر للعراق كدولة وهوية وطنية، فنهبُ موارد البلاد وجد عند قادة الشيعة ذرائع ومبررات  تبدأ من التفسيرات الدينية (معظمهم من أحزاب إسلامية) التي تتعاطى مع المال العام بوصفه "مجهول العائدية" ولا صاحب حقيقياً له، وبالتالي يبدو نهبه متاحاً ولا عقوبة محددة حيال الاستيلاء عليه بدون وجه حق. وعلى الرغم من السجل الفضائحي لكبار قادة الشيعة من رجال السياسة والدين في نهب المال العام والاستيلاء على موارد الدولة (يسمونها مؤسسات النظام الكافر)، إلا إنهم يكرّرون دائماً ما اقترفه نظام صدام حسين من جرائم بحق البلاد والعباد ونهب موارد العراق وتدميرها.

برامج قادة الشيعة والكرد لم تظل في مستواها الحاكم والإداري بل تحولت ثقافة شعبية

في اتجاه موازٍ، سعى قادة الكرد إلى تحويل النقمة الشعبية لبني قومهم من الجرائم التي ارتكبها بحقهم النظام الديكتاتوري إلى كراهية للعرب أولاً، وللعراق كوجود ودولة ثانياً، بل عملوا عبر وجودهم في كبرى مؤسسات البلاد في الحكومة والبرلمان، فضلاً عن رئاسة الجمهورية، على الحط من الدولة الوطنية بتكرار إسطوانة "العراق دولة مختلقة لا وجود لها وصنعها الإنجليز بعد احتلالهم لها 1914"، ضمن مسعى أكبر يتعلق بحلم الدولة الكردية المستقلة، وضمن معادلة تقول: وجود العراق الفعال والحيوي والمعافى هو نقيض الدولة الكردية ويمنع وجودها.

برامج قادة الشيعة والكرد لم تظل في مستواها الحاكم والإداري بل تحولت، وهنا خطورتها، بعد عقد من سقوط النظام الديكتاتوري إلى ثقافة شعبية؛ فملايين الموظفين الحكوميين لا يعملون شيئاً مقابل مرتبات تكلف معظم خزينة البلاد، و"ضحايا" النظام السابق الذين صاروا مئات الآلاف، تفننوا عبر نفوذ سياسي وبرلماني وحكومي من إيجاد أغطية قانونية تجعلهم يتقاضون رواتب ضخمة بل أكثر من راتب في آن، حتى وهم يتمتعون بحياة آمنة مسالمة في بلدان اللجوء وبأثر رجعي يعود إلى ربع قرن أو يزيد، ولم تتوقف تلك الرواتب عليهم كافراد "مناضلين" و"ضحايا" بل حتى على ذريتهم من المولودين في المنفى.

العراقي الشيوعي ماركسي أكثر من صاحب "رأس المال" والبعثي العراقي مؤمن بحزبه ونظريته أكثر من ميشيل عفلق

صحيح إنّ المثال العراقي ليس جديداً ولا فريداً لجهة قيام الضحية بتقليد جلادها، فهي ظاهرة تكاد تكون شبه شائعة في منطقتنا التي تتراجع فيها قيم القانون لصالح قيم الانتقام التي تشجعها ثقافة اجتماعية تبرر العنف في معظم أشكاله، بل تحتفي به كمؤشر على القوة، لكن الظاهرة في مدارها العراقي تبدو واضحة بقوة، ويبدو أنّ "الإرث الوطني" هنا في التطرف هو الحاكم لها؛ فالعراقي الشيوعي ماركسي أكثر من صاحب "رأس المال"، والبعثي العراقي مؤمن بحزبه ونظريته أكثر من ميشيل عفلق، والقومي العراقي متصلّب أكثر من جمال عبد الناصر، والشيعي الحزبي والديني العراقي طائفي أكثر من "دولة الفقيه" ويناصرها، حين يؤمن بها، أكثر من المواطن الإيراني، والسني العراقي حين يعتنق السلفية يتحول جهادياً نموذجياً وقاتلاً أكثر من الزرقاوي.

تبدو الفرصة لتغيير الصورة، ممكنة اليوم في العراق، بعد أن تجاوزت البلاد محنتها الأخيرة المتمثلة في "داعش"

هذه الصورة البائسة يمكن أن تتغيّر في حال واحدة: نهوض الدولة العراقية الوطنية وصعود القانون العام على حساب قوانين الطوائف والقوميات وبرامج زعمائها. وهذا ليس بالأمر الصعب، فمثلما  قام "مقاتلون من الوحدات الأيزدية باختطاف وقتل 52 شخصاً من قبيلة البومتيوت السنية العربية"، توجهت عناصر من القوات الحكومية نحو المنطقة لوقف هذه الأعمال والقبض على منفذيها، بحسب بيان "هيومن رايتس ووتش".

وتبدو الفرصة لتغيير تلك الصورة، ممكنة اليوم، بعد أن تجاوزت البلاد محنتها الأخيرة المتمثلة في تنظيم "داعش"، إذ باتت على أعتاب مرحلة لا خيار فيها إلا خيار الدولة القابلة للحياة، دولة يقول فيها القانون كلمته وبمستوى أعلى من كل قامة، دينية  طائفية كانت أم قومية، عشائرية كانت أم ميليشياوية "مقدسة".

اقرأ المزيد...

الوسوم: