إيران بعد شهر على احتجاجات شعبية تمكَّن النظام من قمعها

1254
عدد القراءات

2018-02-01

تُرى كم يستطيع النظام الايراني الإبقاء على تمدده الخارجي، وقد شهد 900 مظاهرة عمالية في عام 2017 و35% من عموم شبابه عاطل عن العمل، و5 ملايين جامعي إيرانيّ يبحثون عن عمل، و30% من الشعب الإيراني يعيشون تحت خط الفقر، و42 مليون من أقلياته من غير الفرس في حالة غليان واستياء؟ سؤال طرحه الأكاديمي عبد الخالق عبد الله في حلقة نقاشية أقامها الإثنين الماضي مركز الإمارات للسياسات في أبوظبي. الحلقة التي كانت تحت عنوان "إيران المأزومة: الأسباب والسياقات والمآلات" قاربت على مدار ثلاث جلسات حوارية طبيعة الأزمات الهيكلية والمزمنة التي يعيشها النظام الإيراني، واستكشاف القوى المتصارعة والمصالح المتضاربة والرؤى المتناقضة في سياقات النظام، وتحليل أسباب اندلاع الاحتجاجات الأخيرة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، واستمرت نحو أسبوعين، ومظاهر اختلافها عن الاحتجاجات السابقة، واستشراف نتائجها المحتملة واتجاهاتها المستقبلية.

تعرض قطاع واسع من الشعب الإيراني للضرر بسبب ارتفاع مُعدلي التضخم والبطالة

تمرد الهامش الاجتماعي على الأيديولوجيا

تمّتْ الإشارة في الحلقة النقاشية إلى الدوافع الاقتصادية والمعيشية الحقيقية للاحتجاجات، وبخاصة إثر تعرض قطاع واسع من الشعب الإيراني للضرر بسبب ارتفاع مُعدلي التضخم والبطالة نتيجة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي لحكومة الرئيس حسن روحاني، الذي من عناصره رفع الدعم الحكومي. ويترافق تطبيق هذا البرنامج مع غياب معالجة حالة التهميش منذ الثورة لكثير من المدن والمناطق التي تقع في أطراف البلاد، لذا سارعت الأطراف إلى الانضمام إلى حركة الاحتجاج.

الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة وتلك التي سبقتها في العقود الثلاثة الأخيرة تعبّر عن أزمة بنيوية في النظام

في هذا السياق، قال محرر الشؤون الإيرانية في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، عادل السالمي، إن الاحتجاجات الأخيرة في إيران هي تمرد الهامش الاجتماعي على المركز، مشيراً إلى أنّ المرأة قامت بدور مهم في الحراك الأخير. أما الباحث في الشأن الإيراني، الدكتور محمد الزغول، فذكر أنّ الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة كشفت عن حالة شعبية من تراجع الأيديولوجيا واضمحلال بريقها، وقال: (تُعدُّ مدينة مشهد التي انطلقت منها الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، المدينة التي يسكنها أكبر عدد من سكان "العشوائيات، أو مدن الصفيح")، مؤكداً أنّ الأزمات الداخلية تدفع النظام الإيراني أكثر نحو الخارج.

تزايد هجرة الإيرانيين إلى الخارج

ولربما كان ذلك ما سعى (جزئياً) التيار الأصولي في إيران إلى الإسهام في منعه، حيث قام بتسييس الاحتجاجات، سواء بالتشجيع الأوّلي من طرف هذا التيار لمعاقبة حكومة روحاني. كما رفع بعض المحتجين شعارات تندد بسياسات النظام التي أدت إلى إفقار الشعب وتبديد ثروته على التدخلات الخارجية، كشعار "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران". لذا خشيت فصائل النظام وقواه من تداعياتها. وكان لافتاً أيضاً رفع بعض المتظاهرين شعارات تطالب بعودة الملكية، بالرغم من أن الجيل الذي خرج إلى الشوارع هو الجيل الذي نشأ في عهد الجمهورية الإسلامية وتم تلقينه مبادئ الثورة والنظام الإسلامي. كما تم التطرق في الحلقة النقاشية إلى أنّ نجاح النظام في قمعِ المظاهرات وإخمادِ جذوتها، ما هو إلا تأجيلٌ للمشكلة فحسب، فما لم يعالج المظالمَ التي أخرجتْ الناسَ إلى الشوارع، ويستجيب للمطالبِ التي رفعوها، فستبقى احتمالاتُ تجدُّدِ هذه الاحتجاجات قائمةً، وستتعمقُ وضعيةُ الأزمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسيزداد تآكل شرعية النظام. وقد لفتت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إلى تزايد هجرات الإيرانيين إلى الخارج قد يكون عامل ضغط على النظام الإيراني لدفعه نحو الإصلاح والاستماع لشعبه الذي يهرب من القمع وضعف التنمية.

ثلاث أزمات بنيوية تعانيها إيران

وباعتبار أنّ الأطروحة الرئيسة للحلقة النقاشية هي أنّ الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، وتلك التي سبقتها في العقود الثلاثة الأخيرة، تعبّر عن أزمة بنيوية في النظام، فقد جرى التطرق إلى أوجه تلك الأزمة، فتمّ الحديث عن ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمات الهُوية ونموذج بناء الأمة- الدولة ونموذج بناء القوة، وأنه لا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران من دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرته إلى نفسه وإلى العالم.

الاحتجاجات هي تمرد الهامش الاجتماعي على المركز وكشفت عن حالة شعبية من تراجع الأيديولوجيا واضمحلال بريقها

وضمن هذا السياق، تكرر في المناقشات التي تبعت المداخلات طرحُ التساؤل عن مدى قدرة النظام الإيراني على تمثُّل النموذج الصيني، وما إذا كان الرئيس روحاني يقود البلاد نحو مسار شبيه بهذا النموذج. وفي هذا الشأن طُرحت شكوك عدة تتصل باختلاف النموذجين الصيني والإيراني؛ سواء فيما يتعلق بعلاقات الصين الاقتصادية مع الولايات المتحدة أوغياب التقييد الاجتماعي، على عكس ما هو قائم في إيران، ومع ذلك يبقى هذا الموضوع يتطلب مزيداً من البحث والتعمق.

تراجع دور وزارة الخارجية الإيرانية

ومن تجليات الأزمة في إيران، تمت الإشارة في الحلقة النقاشية إلى حالة التصارع بين مراكز القوى في النظام، ومن ذلك التناقض بين توجهات حكومة الرئيس روحاني التكونوقراطية الحداثية مع توجهات الحرس الثوري، وسعي الأخير إلى إفشال سياسات الحكومة الرامية إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وتطبيع علاقاتها مع دول الإقليم. وضمن هذا السياق، عالجت الحلقة النقاشية قضية التناقضات والتعقيدات في السياسة الخارجية الإيرانية؛ نتيجة لتراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخول الحرس الثوري كطرف فاعل فيها وتسلمه ملفات إقليمية، فضلاً عن تأثير تدخل مكتب القائد الأعلى في السياسة الخارجية، وهي التدخلات الممثلة بجهود مستشار القائد الأعلى للشؤون الدولية، علي ولايتي. وفي هذا الشأن، تمت الإشارة إلى تداعيات الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين التيارين الثوري والحكومي، والتي من أهمها غياب الثقة في الحوار وإبرام الاتفاقات مع الحكومة الإيرانية.

نجاح النظام في قمعِ المظاهرات وإخمادِ جذوتها، ما هو إلا تأجيلٌ للمشكلة فحسب

صراع الشبكات

وضمن هذا المحور أيضاً تم استعراض حالة التناقض والتضارب في الرؤى والمصالح، وجرتْ الإشارة إلى الشبكات السياسية-الاقتصادية التي بدأت تبرز في السنوات الأخيرة، وقد أظهرت وفاة الرئيس الإيراني الأسبق على أكبر هاشمي رفسنجاني مدى أهمية وخطورة الصّراع بين هذه الشبكات، ودورها في تشكيل المشهد السياسي الأوسع في طهران.

أي تدخل خارجي لدعم المعارضة الإيرانية الداخلية يضفي شرعية على سردية المؤامرة الخارجية التي يتذرع بها النظام

ومن القضايا المهمة التي برزت في المداخلات والمناقشات تقييم قوة النظام الإيراني، ومدى قدرته على البقاء والاستمرار، وما إذا كانت الأزمات التي يعانيها النظام ستقود إلى تعديله أو تغييره. وألمحت المداخلات إلى أنه برغم كل الأزمات التي يمر بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، فإنه يبدو أنّ لديه قدرة على البقاء، وثمة أسباب موضوعية عدة لذلك. وفي الوقت الذي انتقد بعض المتدخلين غيابَ الاستثمار العربي والخليجي للتناقضات والصراعات الداخلية في إيران، ذهب رأيٌ آخر إلى القول إنّ أي تدخل خارجي لدعم المعارضة الإيرانية الداخلية، أو الأقليات القومية، لا يؤدي – كما هو متوقع – إلى إضعاف النظام، بل يعمل-على العكس-إلى إضفاء شرعية على سردية المؤامرة الخارجية التي يتذرع بها النظام لتعزيز حكمه وقمع معارضيه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: