ماذا بعد المعركة مع الإسلام السياسي؟

صورة طارق أبو السعد
كاتب مصري متخصص في الشؤون الإسلامية
1692
عدد القراءات

2017-12-12

ستنتهي معركتنا مع التيارات الماضوية "الدعوية منها والمسلحة"، المتَّخذة من الإسلام ستاراً، وهذا أمرٌ لا شكّ فيه، فهم ضدّ التاريخ، وضدّ طبيعة الزمن، وما يجب أن ننتبه إليه؛ هو كمُّ المخلَّفات الفكرية التي سيتركونها فينا قبل مغادرتهم، فنحن مشغولون جداً بتنظيف الحياة السياسية منهم، رغم أنّ أضرارهم في الحياة الفكريّة أخطر وأشدُّ عمقاً، من المهم جداً أن نرصد هذه الخسائر التي تسبَّبت بها تلك الجماعات، في المفاهيم، أو في استخدام الدين، لهذا يجب أن يكون لدينا وعي بحقيقة ما تركوه فينا، ولماذا هو مزيّفٌ وضارٌّ، حتّى لا يخدعنا أحد بادّعائه أنّ ما نستأصله من المجتمع هو من أصل الدين، كما يجب أن نعرف ترتيب أولويات إزاحة هذه المخلفات فيها أولاً، وأيّهما يأتي في النهاية، وعلينا أن نعرف، وبشكلٍ دقيقٍ، ما الأفكار

نحن مشغولون جداً بتنظيف الحياة السياسية من الإخوان المسلمين رغم أنّ أضرارهم في الحياة الفكريّة أخطر وأشدُّ عمقاً

التي تركها الإرهاب بيننا، وما الخسائر التي وقعت في المفاهيم الأساسية للمجتمعات، كما يجب أن ندرك حجم الجهود التي يجب أن تبذل لإزاحة الأنقاض الفكرية والسلوكية والمجتمعية عن كاهلنا، ولإدراك هذه الحقيقة؛ نقارن بين لحظة تأسيس وجود تلك الجماعات بأفكارها المغشوشة، ولحظة مغادرتها حياتنا الاجتماعية والسياسية والفكرية، فهم، أولاً، هبطوا علينا أثناء انغماسنا بالدين في صورته الشعبية، التي تنفذ إلى المقصود الرّسالي دون عناء، عندما لم يكن يتدخل أحد في شكل الآخر أو زيّه، عندما كنا نرى العبادة علاقة بين العبد وربّه، لا دخل لأيّ إنسانٍ فيها، ونرى الإنسان حرّاً في اختياره لدينه، والمسيحيين مؤمنين مثل المسلمين تماماً. لكنّهم سيغادروننا وهذا الدين الشعبي يعاني من الضمور، ويكاد ينقرض تحت ضربات من غزوٍ فكري ضحلٍ وساذجٍ، سنكتشف أننا كنّا أكثر تسامحاً فيما بيننا، وأصبحنا بسبب الإخوان المسلمين أكثر تعصباً وتطرفاً لأفكارنا، ولعلّ حالة التعصب والاستقطاب الحاد التي ظهرت بظهورهم، أكبر دليلٍ على ذلك، فهم من حوّل مفهوم الولاء والانتماء، وجعلوه للجماعة والتنظيم، بدل الانتماء إلى الفكرة، أو الأمة المسلمة التي ينتمي إليها كلّ هؤلاء الأفراد.

كنّا أكثر تسامحاً فيما بيننا وأصبحنا بسبب الإخوان المسلمين أكثر تعصباً وتطرفاً لأفكارنا

إنّ الأمة الإسلامية مرت بمرحلة من التعصب، لكنّها تخلَّت عنها فوراً، عندما وعت خطورة ذلك على مستقبلها، ومستقبل الإسلام ذاته، إلّا أّنها عادت وظهرت وتكاثرت بين فصائل الحركة الإسلامية أولاً، حتى آمنت كلّ فرقة بأنّها تملك الحقّ المطلق، وصاحبة الحق الوحيد في التواجد على مسرح الحياة الإسلامية، ثم بثّت هذه الروح الاستقطابية المتطرفة بين عموم المجتمعات التي ظهرت فيها، وللأسف، هذه هي الروح المسيطرة الآن، وهذه من أخطر مخلَّفات الإسلاموية؛ لأنّها تُفقد المجتمع العربي والإسلامي قدرته على التعايش السلمي، وقدرته على التسامح، هذا الركام يحتاج إلى جهودٍ مضنيةٍ، لرفعه- أولاً- من المؤسسات، ومن عقول الأفراد وفكرهم، ليتم بعدها  بناء مفاهيم التسامح والتعايش والمواطنة.
أيضاً، سيغادرنا هؤلاء ونحن نعاني من حالة التحجّر الفكري، والماضوية، وانتشار حالة الدوغماتية، والاستعلاء على الآخر، حتى أصبحنا نؤمن أننا، نحن المسلمين، من سيدخل الجنة فقط، أما الباقي فإلى النار، لا محالة، وآمنّا بأنّنا الوحيدون الذين -رضي الله عنهم- ونحن من حمى الله كتابنا من التحريف والتبديل فقط، ونحن خير أمّة أخرجت للناس، دون أن نعمل لنستحقّ أن نكون كذلك، ودون أن نعمل لنستحقّ الرضى الإلهي، وكأنّنا لم نتعلم من الأمم السابقة، وما أراده الله من ذكر قصصهم في القرآن الكريم، فهي ليست للتسلية، هي للعبرة والتحذير من انتهاج نهجهم.

ستغادرنا التيارات الإسلاموية ونحن نعاني من حالة التحجّر الفكري والاستعلاء على الآخر

هذا الاستعلاء جاء إلينا، وأصابنا في مقتلٍ، منذ بداية دخول الإسلام السياسي إلى حياتنا الاجتماعية، وهذا الاستعلاء والتحجر الفكري برز في تسمية التيار الإسلامي "الغرور الديني" بالثقة في منهج الله، وسنة الله الذي لن تجد لسنته تبديلاً، فنحن أقنعنا أنفسنا أننا شعب الله المختار، وكنّا فيما سبق نتقبل الأديان جميعها، ونساعدهم في حرية وحماية حياتهم الدينية، وكنا ندير حالة ثقافية ممتازة، قاربت على الإمساك بأوّل أدوات العلم والتعلم، وتكوين دولةٍ عصريةٍ بفكرٍ حديثٍ، مع دينٍ يبثّ روح الحضارة، فهبطت علينا التيارات الإسلاموية بكلّ تحجّرها، وقلبت الحياة رأساً على عقب، والآن نحن مطالبون برفع هذا الركام من طريقنا، ركام تيار الإسلام السياسي، بكل خرافاته التي ترتدي ثوب العلم، فهم من أدخل علينا وهْم الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنّة، وعندما حاولوا إثبات هذا الإعجاز، لم يجدوا إلّا أبحاث الغرب ونتائجهم، فنسبوها إلى القرآن الكريم، غير خجلين من أنّ من أثبت هذا الإعجاز ليس أهل القرآن، ورغم أنّ قضية الإعجاز لم تشغل بال الأوائل؛ لأنّها ببساطة لم تكن مقصود الإله ومراده، فالمفترض في القرآن أنّه كتاب هدايةٍ، ومحاولة لتنمية الفرد، ومعنيٌّ بالإجابة عن الأسئلة الكونية الرئيسة. ولما تقدّم الزمن، وباتت إجابات الأوائل، المستمدة من القرآن، لا تكفي لإشباع الجوع المعرفي، ولا تكفي للإجابة عن أسئلة البسطاء، أسقط في يد التيار الإسلامي، ولأنّ ركناً كبيراً من مشروعهم قائمٌ على أنّ كلّ شيءٍ جاء في القرآن، وبالتفصيل، ممّا لا يدع مجالاً للتفكير والتفكّر والإبداع، ولأنّ جعبتهم نضبت من الإثباتات العلمية، قرّروا ابتكار هذه الإثباتات.

آمنّا بأنّنا الوحيدون الذين -رضي الله عنهم- ونحن خير أمّة أخرجت للناس، دون أن نعمل لنستحقّ أن نكون كذلك

المشكلة أنّهم جعلوا من أنفسهم سدنةً لهذا المعبد الخرب، كلّ من يقترب منه، ويحاول كشف هذا الدّجل وفضحه، من السهل اتّهامه بأنّه يحارب الدين ذاته، وبسبب انتشار فكرة أنّ كلّ شيء موجود في القرآن، أحدث تكاسلاً علمياً، وانقطاعاً عن المصدر الثاني، وهو الآفاق والأنفس التي هي البيئة الاجتماعية والاقتصادية لفهم المصدر الأول، وهو القرآن الكريم وتوجيهاته. بالتالي، أحدث جفافاً في الوعي والفهم، مما يؤدي إلى انتشار مثل هذه الخرافات العلمية التي يجب رفعها، وبثّ روح التدبّر في الكون، وفق المناهج العلمية والمحترمة، ليس لإثبات علوِّ القرآن على ما سواه، بقدر البحث في الظواهر للاستفادة منها، ومن أجل خلق جيلٍ آخر يفهم حقيقة الحياة ومعناها، ويتعلم كيف يعيش الحياة في طاعة حقيقية لله، وأن يتعلم حقيقة الدين، ومعناه، وكيف يكون متديناً بحق، لا مقلداً لأشكال التدين المغشوشة التي بثّوها فينا، تلك التي تركز على الشكل بدل المضمون.

جيل يعلم أنّ التدين هو التمسك بالقيم والأخلاق الإنسانية العليا، وليس التمسك بسفاسف الأمور، جيل يأخذ بالأسباب، ويبتعد تماماً عن الأوهام والضلالات، يؤمن بالتسامح، ويتوقّف عن الأنانية، ويبتعد تماماً عن الاستعلاء الديني الإقصائي للآخرين، ويحرص على العمل الجماعي والتطوعي لإعمار الأرض، ويعمل جاهداً على أن يفيد البشرية. في هذه اللحظة فقط، نكون قد أزحنا ركام التيار الماضوي، وطهرنا الأرض ومجري المياه، لنتمكن من زرع فكرٍ جديدٍ صالحٍ للحياة، وليس فكراً يقدّس الموت والقتل باسم الله. هل نستطيع أم سنعجز؟ سيغلب علينا التكاسل، أم سيفضحنا تواطؤنا مع هذه التنظيمات من أجل مكاسب لحظية سياسية أو اقتصادية؟ هذا ما علينا أن نجيب عليه.. والله أعلم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: