
يترجم التفاهم الأمريكي-الإيراني المؤقت، عبر"مذكرة تفاهم الـ 60 يوماً"، توافقا تكتيكياً براغماتياً بين واشنطن وطهران،هدفه تفادي مواصلة الحرب وإدارة الصراع عبر المواجهة الحالية، واستبدالها بصيغة"الخطوة مقابل الخطوة"،ولا يمكن وصف الاتفاق بأنه تسوية شاملة للصراع في الاقليم، لانه عمليا ينهي مؤقتاً الحصار البحري ويسهم في إعادة فتح مضيق هرمز وتثبيت وقف العمليات العسكرية المباشرة، إلا أن القراءة المتعمقة لبنود المسودة والمواقف المحيطة بها تكشف أن هذا التفاهم يقوم على ركائز هشة للغاية، قابلة للكسر والاختراق، قد تظهر في تفاصيل المفاوضات حول القضايا التي تم تأجيلها.
وتكشف سياقات التوصل لهذا الاتفاق ان واشنطن وطهران توصلتا للتفاهم الحالي، بمرجعية كسب المزيد من الوقت وتخفيف الضغوط المتبادلة عبر سياسة التمويل المشروط والهدنة المؤقتة، وبدلاً من حل الأزمات الهيكلية، اختارتا ترحيل الملفات الأكثر تعقيداً وعلى رأسها مصير اليورانيوم عالي التخصيب، والبرنامج الصاروخي الإيراني وملف التدخل الاقليمي للحرس الثوري الايراني ودعم الوكلاء في الاقليم، بالاضافة لذلك فان العقوبات المفروضة على ايران ، والآليات التفصيلية لإعادة بناء الاقتصاد الإيراني المتضرر، والتي يفترض ان تخضع لمفاوضات فنية وسياسية لاحقة ستمتد طوال فترة الشهرين، ستشكل تحديا حقيقيا لواشنطن وطهران.
فمن جانبها تتمسك إدارة ترامب بقاعدة صارمة تقوم على عدم الإفراج الشامل أو الفوري عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، وتربط التسهيلات الاقتصادية لايران تدريجياً وبشكل مشروط بمدى الامتثال الحقيقي لطهران على أرض الواقع وتحت مراقبة لصيقة، وهو ما سيفتح أبوابا لاسرائيل لاثبات خرق ايران للاتفاق، وفي المقابل تسعى إيران براغماتياً لاستغلال هذه التهدئة المرحلية كطوق نجاة مؤقت لتخفيف الخناق الاقتصادي وامتصاص آثار الغارات العسكرية السابقة وضبط الجبهة الداخلية أمام التيارات المتشددة التي ترفض التسوية وتعتبر فتح مضيق هرمز بمثابة تنازل، وأنه لا يمكن الوثوق بأمريكا وتعهداتها.
ورغم الاجواء الايجابية التي تحاول واشنطن وطهران اشاعتها، بادعاء كل طرف انه حقق انتصارا، الا ان ذلك لا يخفي حقيقة ان الاتفاق يواجه حقول ألغام إقليمية ومخاطر انهيار عالية،بسبب المعارضة الإسرائيلية الحادة والتوترات الميدانية المتصاعدة،حيث تبدي الحكومة الاسرائيلية قلقاً وإحباطاً شديدين من تفاهمات ترامب وطهران، وترى في هذه الخطوة تقويضاً مباشراً لمنظومة "الردع الإسرائيلي" ومكافأة مجانية تمنح إيران ووكلائها فرصة لالتقاط الأنفاي، وتؤكد الحكومة الإسرائيلية وبوضوح عدم التزامها بأية ترتيبات دولية تُفرض عليها، وهو ما سيجعل أية ضربة إسرائيلية جديدة ضد حلفاء إيران، لا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت، او في الداخل الايراني، صاعق تفجير مباشر للاتفاق بكامله، ورغم تسريبات حول احتمالات زيادة الفجوات بين إدارة ترامب والحكومة الاسرائيلية،الا ان المرجح ان واشنطن وتل أبيب قادرتان على بناء تفاهمات تضمن مصالح إسرائيل.
وتبرز معضلة "ترابط الساحات واختبار جبهة لبنان" كتحدٍ هيكلي إضافي في مسار صمود الهدنة، إذ تصر طهران على أن يشمل وقف إطلاق النار الساحة اللبنانية كجزء لا يتجزأ من التفاهم الإقليمي المشترك لحماية نفوذها، فيما يرفض الجيش الإسرائيلي هذا الربط ، ويتمسك بحقه في مواصلة عملياته العسكرية وعزل المسارات الميدانية، ومن المرجح ان هذه الفجوة ستجعل مصير الهدنة الأمريكية-الإيرانية معلقاً بالكامل تحت رحمة أي رصاصة أو تصعيد مباغت على الأراضي اللبنانية.
إلى جانب العقبات الميدانية، يصطدم الانتقال من الهدنة المؤقتة إلى التسوية الدائمة بأجواء عدم الثقة التاريخية والمواقف المتصلبة حول الطموح النووي، فبينما تهدف واشنطن من المفاوضات فرض شروط حاسمة لانتزاع اليورانيوم عالي التخصيب بشكل كامل وتطالب بمدد رقابة طويلة وصارمة تصل إلى عقدين من الزمن لحرمان طهران من القدرة على المناورة، تجد القيادة الإيرانية في التخلي الكامل عن قدراتها النووية انتحاراً سياسياً واستراتيجياً، إذ ترى في هذا البرنامج ضمانة ردعية تحميها من تقلبات المزاج السياسي الأمريكي ونقض العهود، مستحضرةً تجربة انسحاب ترامب من اتفاق عام 2015،هذا التباين الجوهري في قراءة الأمن والسيادة يقلص احتمالات بناء توقعات ايجابية سيتم إنتاجها خلال مهلة الستين يوماً للوصول إلى سلام دائم.
وفي الخلاصة، من الواضح ان ما تم التوصل إليه خلف الكواليس برعاية الوسطاء ليس بداية لعهد جديد من السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، بل هو "هدنة تكتيكية مؤقتة " سيبقى المشهد الإقليمي معلقاً ومحفوفاً بمخاطر الانفجار عند أول منعطف ميداني، وسيبقى نجاح هذا التفاهم مرهوناً بقدرة إدارة ترامب على لجم التمرد الإسرائيلي الساعي لتخريب الصفقة من جهة، وقدرة طهران على ضبط وكلائها الإقليميين وتياراتها الداخلية المتشددة، وفي مقدمتها تيارات متشددة في الحرس الثوري من جهة اخرى، وما لم تتحول هذه المذكرة المؤقتة إلى معالجة جذرية للملفات الأمنية والنووية، فإن المنطقة ستكتشف انها كانت بهذا الاتفاق أمام تأجيل مؤقت للمواجهة، وستجد نفسها بعد انتهاء الستين يوماً تقف مجدداً على حافة انفجار جديد، في جولة صراع قد تكون الأكثر عنفاً وتدميراً، تنتهي بحسم ميداني، وتغيب معه أفكار التفاوض والاتفاقات، وربما تترتب عليه تداعيات ستكون كل دول المنطقة مجبرة على التعامل معها، على غرار تعاملها مع تداعيات سقوط العراق وسوريا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/shutterstock_691088758_0_1.jpg.webp?itok=J3_6oJup)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)