
رغم مرور سنوات على سقوط آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا والعراق، فإن المؤشرات الأمنية خلال النصف الأول من عام 2026 تكشف أن التنظيم لم يختفِ كما كان يُعتقد، بل أعاد تشكيل حضوره وفق معادلات جديدة تتجاوز مفهوم السيطرة الإقليمية التقليدية نحو شبكات أكثر مرونة وانتشارًا.
وبدلًا من التمركز في جغرافيا محددة، بات التنظيم يعتمد على فروعه الخارجية، ويستثمر في اللامركزية التنظيمية، ويوسع نشاطه داخل البيئات الهشة أمنيًا وسياسيًا، مستفيدًا من النزاعات الممتدة وضعف مؤسسات الدولة في عدد من المناطق.
وتشير الدراسة المعنونة «مؤشرات تصاعد تهديدات داعش الأمنية في النصف الأول من 2026» إلى أن التنظيم شهد خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري تصاعدًا ملحوظًا في مستوى النشاط العملياتي والانتشار الجغرافي، بالتوازي مع تطوير أدوات التجنيد والتمويل والدعاية.
كما تؤكد الدراسة أن القارة الأفريقية أصبحت تمثل المركز الرئيسي لعمليات التنظيم، بعدما تحولت تدريجيًا إلى الساحة الأكثر استقطابًا للعناصر والأكثر تسجيلًا للهجمات الدموية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو قراءة التحولات التي طرأت على بنية داعش واستراتيجياته ضرورة لفهم طبيعة التهديدات الأمنية المقبلة، خاصة أن التنظيم لم يعد يعتمد على الأساليب التقليدية التي ارتبطت بمرحلة "الخلافة" المزعومة، بل انتقل إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على المرونة والانتشار والاستنزاف طويل الأمد.
أفريقيا.. القلب الجديد للمشروع الداعشي
تكشف الدراسة أن التحول الأبرز في نشاط داعش خلال النصف الأول من 2026 يتمثل في انتقال مركز الثقل التنظيمي والعملياتي إلى أفريقيا. فبينما تراجع نفوذ التنظيم في سوريا والعراق نتيجة الضربات الأمنية والعسكرية المتواصلة، برزت مناطق الساحل وغرب ووسط أفريقيا باعتبارها المجال الحيوي الجديد الذي يعتمد عليه التنظيم للحفاظ على بقائه وتعزيز حضوره.
ولا يتعلق الأمر بمجرد زيادة عدد العمليات الإرهابية، بل بإعادة بناء منظومة نفوذ متكاملة داخل القارة. فداعش بات يستثمر في هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية، وضعف سيطرة الحكومات على الأطراف الحدودية، وانتشار النزاعات المحلية والصراعات القبلية، بما يسمح له بالتمدد داخل مساحات واسعة يصعب على السلطات إحكام السيطرة عليها.
فروع التنظيم في أفريقيا أصبحت تمثل اليوم العمود الفقري الحقيقي لداعش سواء من حيث القدرة على تنفيذ الهجمات أو استقطاب العناصر الجديدة
وبحسب الدراسة، فإن فروع التنظيم في أفريقيا أصبحت تمثل اليوم العمود الفقري الحقيقي لداعش، سواء من حيث القدرة على تنفيذ الهجمات أو استقطاب العناصر الجديدة أو توفير الموارد المالية. كما تشير المعطيات الواردة إلى أن ما يقارب 90% من الهجمات التي تبناها التنظيم خلال الفترة الأخيرة وقعت داخل القارة الأفريقية، وهو تحول يعكس بوضوح انتقال مركز النشاط الإرهابي من الشرق الأوسط إلى أفريقيا.
وتبرز بشكل خاص مناطق الساحل والصحراء، إضافة إلى الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وموزمبيق والصومال، باعتبارها الساحات الأكثر نشاطًا. ففي هذه المناطق ينجح التنظيم في استغلال الفراغات الأمنية وغياب التنمية وتفكك مؤسسات الدولة، ما يوفر بيئة مواتية لاستمرار عملياته وتوسيع نفوذه.
إعادة هيكلة التنظيم وترسيخ اللامركزية
أحد أهم المؤشرات التي رصدتها الدراسة يتمثل في استمرار داعش في تطوير بنيته التنظيمية بما يتناسب مع المتغيرات التي فرضتها خسائره السابقة. فالتنظيم لم يعد يعتمد على نموذج القيادة المركزية الصارمة الذي كان قائمًا خلال سنوات سيطرته على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، بل انتقل إلى نموذج لامركزي يمنح الفروع المحلية صلاحيات واسعة في الإدارة والتمويل والتخطيط.
وفي هذا الإطار، أجرى التنظيم عمليات إعادة هيكلة داخل مكاتبه الخارجية، خاصة في أفريقيا، حيث جرى تعزيز دور المكاتب الإقليمية المكلفة بالإشراف على الولايات المختلفة، فيما توضح الدراسة أن مكاتب مثل "الفرقان" و"الكرار" و"أبو الفدا" أصبحت تضطلع بأدوار محورية في إدارة النشاط الداعشي داخل القارة.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن اللامركزية جعلت التنظيم أكثر قدرة على الصمود أمام عمليات الاستهداف الأمني. فمقتل القادة أو اعتقالهم لم يعد يؤدي بالضرورة إلى شلل النشاط العملياتي، لأن الفروع تمتلك قدرًا كبيرًا من الاستقلالية يسمح لها بمواصلة العمل وتنفيذ الهجمات دون انتظار توجيهات مباشرة من القيادة العليا.
كما ساعد هذا النمط الإداري على توسيع نطاق التجنيد والاستقطاب، حيث أصبحت الولايات المختلفة قادرة على التكيف مع خصوصية البيئات المحلية وتطوير شبكاتها الخاصة من الأنصار والمجندين.
التجنيد الرقمي واستهداف جيل جديد
لم يعد التجنيد التقليدي يمثل الأداة الرئيسية لداعش في استقطاب العناصر الجديدة. فبحسب الدراسة، شهد النصف الأول من 2026 توسعًا ملحوظًا في اعتماد التنظيم على الفضاء الرقمي باعتباره ساحة استراتيجية لإعادة بناء موارده البشرية.
اللامركزية جعلت التنظيم أكثر قدرة على الصمود أمام عمليات الاستهداف الأمني
ويعتمد التنظيم بصورة متزايدة على التطبيقات المشفرة والمنصات الإلكترونية المغلقة لتجنيد الأفراد والتواصل مع المتعاطفين وتبادل المواد الدعائية. ويمنحه هذا الأسلوب قدرة على تجاوز القيود الأمنية والحدود الجغرافية، فضلًا عن الوصول إلى شرائح جديدة من الشباب والمراهقين في مناطق مختلفة من العالم.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول يعكس إدراك داعش لحقيقة التغيرات التكنولوجية المتسارعة، إذ بات الاستثمار في الأدوات الرقمية جزءًا أساسيًا من استراتيجيته للبقاء والاستمرار. كما تسمح هذه الوسائل ببناء شبكات عابرة للحدود يصعب تفكيكها مقارنة بالهياكل التنظيمية التقليدية.
وتزداد خطورة هذا التوجه مع استمرار التنظيم في توظيف الخطاب الدعائي والتحريضي بصورة تتناسب مع طبيعة المنصات الحديثة، ما يمنحه قدرة أكبر على التأثير في الفئات العمرية الأصغر سنًا واستقطاب عناصر جديدة إلى صفوفه.
تحولات ميدانية في طبيعة الهجمات
توضح الدراسة أن داعش لم يكتفِ بإعادة توزيع انتشاره الجغرافي، بل أجرى أيضًا تعديلات جوهرية على طبيعة عملياته الميدانية. فبعد أن كان يعتمد سابقًا على السيطرة المباشرة على الأراضي، أصبح يركز على استراتيجيات الاستنزاف وحرب العصابات والهجمات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
وتنوعت العمليات التي نفذها التنظيم خلال النصف الأول من 2026 بين الهجمات التفجيرية والاغتيالات الأمنية والعمليات الواسعة ضد المدنيين. كما برز استخدام الطائرات المسيّرة في بعض الهجمات، سواء لأغراض الاستطلاع أو لتنفيذ ضربات ضد أهداف عسكرية وأمنية.
وتشير الدراسة إلى أن التنظيم نفذ هجمات استهدفت قواعد عسكرية ومواقع أمنية في أفريقيا، كما كثف نشاطه في سوريا عبر عمليات اغتيال واستهداف مباشر لعناصر أمنية وعسكرية. ويعكس ذلك سعي داعش إلى الحفاظ على حضوره العملياتي في أكثر من ساحة بالتوازي، رغم تراجع قدرته على السيطرة المكانية المباشرة.
وفي الوقت نفسه، استمرت الهجمات ضد المدنيين في احتلال مساحة مهمة من استراتيجية التنظيم، خصوصًا في مناطق وسط أفريقيا، حيث يسعى إلى نشر الرعب وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة وإجبار المجتمعات المحلية على الخضوع لنفوذه.
أرقام تكشف حجم التهديد
تقدم الدراسة مجموعة من المؤشرات الرقمية التي تعكس حجم التصاعد في نشاط التنظيم خلال الأشهر الأولى من 2026. فوفق البيانات التي وردت في إصدارات داعش الإعلامية، تمكن التنظيم من تنفيذ أكثر من 250 هجومًا إرهابيًا حول العالم خلال تلك الفترة.
وتظهر الأرقام أن أفريقيا استحوذت على أكثر من 85% من هذه الهجمات، ما يؤكد مرة أخرى أن القارة أصبحت الساحة الرئيسية لنشاط التنظيم.
يعتمد التنظيم بصورة متزايدة على التطبيقات المشفرة والمنصات الإلكترونية المغلقة لتجنيد الأفراد والتواصل مع المتعاطفين
كما سجلت بعض الولايات الأفريقية مستويات مرتفعة من العنف، خاصة في الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا.
وتلفت الدراسة إلى أن ولاية وسط أفريقيا وحدها نفذت عشرات الهجمات خلال شهري مارس وأبريل، ما أسفر عن مقتل أكثر من 150 شخصًا بين مدنيين وعسكريين.
كما شهدت مناطق عدة عمليات حرق للمنازل واستهداف للبنى الاقتصادية ومواقع التعدين، وهو ما يعكس سعي التنظيم إلى إحداث تأثيرات تتجاوز الجانب الأمني لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
التمويل والمرونة.. عوامل استمرار الخطر
لا يقتصر تصاعد التهديد الداعشي على النشاط العسكري فقط، بل يرتبط أيضًا بقدرة التنظيم على الحفاظ على مصادر تمويل متنوعة، فالدراسة تشير إلى أن داعش يواصل البحث عن آليات جديدة لتمويل أنشطته، من بينها استخدام العملات الرقمية المشفرة وتحويل الأموال عبر شبكات معقدة يصعب تتبعها.
كما أن التنظيم ما زال يستفيد من عمليات الابتزاز والنهب والسيطرة المؤقتة على بعض المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، خاصة في أفريقيا. وتوفر هذه الموارد إمكانات مالية تساعده على تمويل عملياته ودفع رواتب عناصره والحفاظ على استمرارية نشاطه.
وتضاف إلى ذلك المرونة التنظيمية التي اكتسبها خلال السنوات الماضية، والتي مكنته من التكيف مع الضربات الأمنية والعسكرية وإعادة إنتاج نفسه بأشكال مختلفة كلما تعرض لخسائر ميدانية.
هذا وتكشف الدراسة بوضوح أن داعش لا يعيش مرحلة انحسار نهائي كما يُشاع أحيانًا، بل يمر بمرحلة إعادة تموضع استراتيجية سمحت له بالحفاظ على مستوى مرتفع من التهديد الأمني خلال النصف الأول من عام 2026.
وتشير المعطيات الواردة في الدراسة إلى أن استمرار الأزمات السياسية والأمنية وضعف التنسيق الدولي والإقليمي يوفر للتنظيم فرصًا إضافية للبقاء والتوسع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)