سيناء في براثن الإرهاب والاهمال

90
عدد القراءات

2017-11-29

مختارات حفريات

إثر عقد من الهدوء النسبي، صارت العريش، وهي عاصمة محافظة شمال سيناء المصرية، تربة خصبة للتجنيد «الداعشي». ففي التاسع من كانون الثاني (يناير) الماضي، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجومين في المدينة أوقع 8 قتلى من الشرطة. وبعد عشرة أيام، أعلنت وزارة الداخلية المصرية مقتل عشرة «إرهابيين»، ونقل التلفزيون المصري صور القتلى في عملية مداهمة لمخبئهم رداً على الهجوم الداعشي. لكن الصور وقعت وقع الصدمة على عائلات بدوية بارزة في شمال سيناء: 6 من «الإرهابيين» القتلى من أبناء المنطقة، وسبق أن أُلقي القبض عليهم في بيوتهم قبل شهرين. وتعتقد العائلات أن هؤلاء الرجال نقلوا من الزنزانة إلى شقة، وقتلوا هناك لإقناع المصريين بأن ثمار الحرب على الإرهاب انعقدت. ورفض ممثلو العائلات هذه مقابلة وزير الداخلية، وطالبوا بالإفراج الفوري عمن سجن من غير محاكمة من أبناء شمال سيناء. ولم يعد مجلس العائلات يأمن سلامة السجناء، وأعلن حملة عصيان مدني إذا لم يفرج عنهم.
وفي هذه المنطقة القبلية، تمسك العائلات البدوية الكبيرة بشطر راجح من الأعمال والثروات وتمثل نواة السكان. لذا، الشرطة حريصة على علاقات جيدة بها. وقلق أهل العريش في محله. وبعد إطاحة الرئيس السابق حسني مبارك عام 2011، عاد مئات الإسلاميين المصريين من أفغانستان، وأفرج عن مئات الإسلاميين من السجون المصرية. وتجمّع كُثر منهم في شمال سيناء. وإثر تنحية محمد مرسي عن الحكم عام 2013، بدأ الإسلاميون عملياتهم ضد القوى الأمنية في المنطقة هذه. وبعد ثلاث سنوات على إعلان نجاح العمليات العسكرية في شمال سيناء ووشك تطهيرها من الإرهاب، لم ينقطع سيل العمليات العسكرية ضد القوى الأمنية والحواجز. وتُخلى مناطق هناك قسراً من سكانها، وعدد النازحين في الداخل كبير، وخسر الجيش شطراً راجحاً من التأييد الشعبي مع رسوخ «داعش» هناك. زرت منزل الشيخ علي ديب في العريش، وابنه عبد العاطي هو واحد من الشباب الذين أعلنت القوات الأمنية مقتلهم. «ابني قتل وظلم»، قال الشيخ وهو يمسك نفسه عن البكاء. «في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر)، جاء حفيدي يبلغني خبر اعتقال ابني ومصادرة شاحنته. لكن حين قصد ديب مقر الشرطة للسؤال عن ابنه، نفى رجال الشرطة أن يكونوا من قبض عليه، وقالوا ربما من قبض عليه «داعشيون». ثم وقعت عيناه على شاحنة ابنه في هذا المقر. «فسألتهم كيف لكم أن تنكروا اعتقاله وشاحنته معكم!». واطمأن قلب الشيخ ديب حين اطلع على مكان اعتقال ابنه، وشعر أنه في أيد أمينة. «لكنني لم أتخيل يوماً أن تكون نهايته على أيديهم». وقابلتُ أشرف الحفني، الناطق باسم اللجنة الشعبية في العريش، وأبلغني أن كُثُراً من الشباب يعتقلون من دون تحقيق وأن حالات الاختفاء القسري كثيرة. لكن «قتل ستة مسجونين والزعم أنهم إرهابيون هو غير مسبوق. جلّ ما نريده هو أن نكون جزءاً من مصر. لكن الحكومة تحاول إقصاءنا عنها».
ومنذ عودة سيناء إلى مصر، إثر اتفاق السلام مع إسرائيل، تظن السلطات الظنون في سكان سيناء. وتخشى أن يعود ولاؤهم إلى الإسرائيليين وليس إليها. ويحظر على أبناء سيناء الالتحاق بالوظائف الحكومية العالية، ولا يسعهم العمل في الجيش أو الشرطة أو السلك القضائي أو الديبلوماسي. وفي الأربعين سنة الأخيرة، لم تنفذ مشاريع تنموية في شمال سيناء. وتفتقر قرى رفح والشيخ زويد إلى المدارس والمستشفيات وشبكة مياه شفة. ويعتمد السكان على مياه الأمطار والآبار، كما لو أنهم يعيشون في العصور الوسطى. وضربت السلطات المصرية طوق عزلة على مدن شمال سيناء البارزة، رفح والشيخ زويد والعريش، ولا يسع المصريين دخولها إذا لم يكونوا من أبنائها ولم يثبت ذلك في بطاقات الهوية. والحواجز عبء ثقيل، وقد يمضي المرء ثلاث ساعات في انتظار إذن الدخول. وأغلق الجيش شطراً راجحاً من شوارع العريش، ودمّر مساحات واسعة من بساتين الزيتون «لاقتلاع الإرهابيين من مخابئهم». وقطع الإنترنت عن المنطقة هذه 12 ساعة يومياً خلال إقامتي هناك طوال أسبوع. والنفايات تملأ الشوارع. وبعد هجوم حرق فيه داعش شاحنات نقل النفايات، كان الجزاء من نصيب السكان، فلم تزودهم السلطات ببديل من الشاحنات المحروقة. وإلى وقت قريب، نجت العريش من الاشتباكات المسلحة بين القوات النظامية وداعش. ولذا، لجأ إليها كُثُر من سكان الشيخ زويد ورفح هرباً من العمليات العسكرية المزمنة في مناطقهما. لكن أصوات النيران تسمع في العريش. فالقصف متواصل على جنوب المدينة «لتصفية ملاذات الإرهابيين».
وطوال أعوام، سعت السلطات إلى شراء ولاء قبائل سيناء من طريق تحويل دور زعيم القبيلة إلى منصب حكومي. لكنها لم تسمح للقبائل أو القرى بتعيين زعيمها، واصطفت من تشاء. ولم يعد الزعيم الرسمي وجيهاً قيادياً في العائلات ولا أهل ثقة. كما لو «أن أعمى يوجه أعمى»، على قول صفوت الجلبانة، وجيه بارز في عائلة الجلبانة في العريش. والشيوخ المعينون يبلغون السلطات بما تريد سماعه، وينقلون تعليماتها إلى السكان، لكن الأغلب على الظن أنهم عاجزون عن لجم الاضطرابات. وفي غياب شيوخ نافذين، أهالي سيناء واقعون بين مطرقة الجيش وسندان داعش. ويلفظ السكان خطاب داعش، ويلقون بلائمة تفاقم البؤس في أوساطهم على التنظيم هذا. لكن ثقة أهالي سيناء في المؤسسة العسكرية تزعزت جراء قطع الخدمات والاتصالات عنهم وحصار مدنهم والقصف والنزوح. وحين يسلم الأهالي إرهابياً إلى الجيش، يذبحهم داعش. وإذا التزموا الصمت، قد يقعون في قبضة الاستخبارات العسكرية. وعلى سبيل المثال، قتل مسلحون داعشيون تاجر أثاث من داعش «كان ييبع الجيش قطع أثاث، ولم يكن مخبراً ولا دليل العسكر إلى مواقع داعش. لكن التنظيم أرداه في وضح النهار، ولم يحرك أحد ساكناً»، قال قريب التاجر. «تعتقلوننا وتخونوننا وتقصفون منازلنا ولا تكلفون أنفسكم البحث عمن يقتل من يتعاون معكم أو يتاجر معكم. صارت بلادنا تربة غنية للإرهاب».

مجد عاطف - عن "فورين أفيرز" الأميركية، 13/3/2017، إعداد: منال نحاس "الحياة"

اقرأ المزيد...

الوسوم: