في ذكرى رحيل محمود درويش: الكمنجات فقدت أعذبَ أوتارها

في ذكرى رحيل محمود درويش: الكمنجات فقدت أعذبَ أوتارها

مشاهدة

09/08/2020

في الذكرى الثانية عشرة لرحيل الشاعر الكبير محمود درويش، يبقى المتربع وحده على عرش الشعر العربي حداثةً وأسلوباً وانفراداً وتميزاً، كما كتب الصحفي ثائر نوفل أبو عطيوي، في موقع "أمد" الإلكتروني العام الماضي، فهو الذي أعطى للشعر وحداثته في واحة اللغة العربية بعداً جديداً منفرداً في حد ذاته، من خلال الأسلوب الشعري في انتقاء الكلمات والمفردات، وجعلها عقداً ثميناً متألقاً في صدارة الشعر العربي الحديث.

برحيل محمود درويش تكون فلسطين قد فقدت محاميها الأكبر: المحامي الذي ترافع عنها خمسين عاماً أمام مئات الملايين من شهود الزور

ورحل درويش في الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت 9 آب (أغسطس) 2008 بعد إجرائه عملية قلب مفتوح في مركز تكساس الطبي في هيوستن، ليدخل بعدها في غيبوبة أدت إلى وفاته.

 محمود درويش صنع من نفسه ولنفسه مدرسةً خاصة في واحة الشعر والأدب تعتمد على رؤية مترابطة المضمون متكاملة الأوصاف ومتشعبة الحكايات، تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل وفق مفاهيم إنسانية، تعبر في طياتها عن القيم والأهداف والآمال والطموحات للوجود الإنساني من جهة، وتعبر عن القياس النفسي للحالة الإنسانية في رحاب الفرح والحزن والألم والسعادة والأمل واليأس، التي تجتمع كلها في عالم عنوانه انهض واستمر لا بأس ...، فعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة!؟

أيقونة تعبيرية مجردة ومنفردة

الكبير محمود درويش، كما يقول أبو عطيوي، أضاف للشعر العربي الحديث أيقونة تعبيرية مجردة ومنفردة في سياق الأسلوب السهل الممتنع، ليعلن بعد الرحيل أن للشعر أبواباً موصدة لا يملك مفاتيحها إلا من أدرك معنى الفكرة والإنسان تمام الأدراك، وليعلن بأنّ الشعر ما هو إلا عبارة عن مساحات واسعة القوافي والفصول، وممتدة الإبحار عبر المسافات دون حواجز أو قياسات، حتى تبقى ذكرى الشاعر خالدةً رغم مرور الليالي وأيم البعاد الطويلة بعد غياب الجسد وبقاء الروح بكينونتها تعطي للقصيدة بعداً إضافياً انسانياً لمعنى الشعر في ظل الكلام المتاح وغير المباح.

محمود درويش قام بتوظيف البعد الإنساني والوطني معاً لمعنى عدالة القضية الفلسطينية عبر قصائده الشعرية، لتكن مزيجاً معتقاً بين واحة المفردات وحدائق الذكريات وصهيل الحاضر حتى يكون بمقدورها أن تمتطي صهوة الزمن القادم وفق رؤيته الإبداعية، ونحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً.

استطاع شاعرنا الأجمل محمود درويش، أن يربط البعد الإنساني في كافة قصائده ويجعلها في حالة تواصل مع الأرض والحياة، فقد كان بارعاً ومبدعاً في توظيف الخصوصية وتحويلها إلى العمومية، وكان كثير الانزعاج من ربط بطاقة هويته الشعرية باللون السياسي فقط، وكان أيضاً يعلم أنّ الحياة ما هي إلا أيام معدودة!، وأنّ لاعب النرد يربح حيناً ويخسر حيناً.

أخرج القصيدة إلى النور

 محمود درويش وضمن الإطار العام لمحتوى القصيدة الشعرية الحديثة الذي أخرجها إلى النور، بعدما كانت تعاني من حالة الفتور وصقلها في رحى التنور ليعطيها انبعاثاً جديداً في واحة الأسلوب وامتلاك زمام اللغة وتطويعها إلى لوحة فنية كاملة متكاملة تحاكي رؤية الشاعر وروح القارئ معاً وفي وقت واحد.

رحل درويش في الولايات المتحدة الأمريكية يوم السبت 9 آب (أغسطس) 2008

سيبقى الكبير محمود درويش متربعاً على عرش مملكة الشعر الحديث من خلال قصائده المتناثرة والمتناسقة والمتباعدة لمترامية الأطراف والأهداف، وستبقى رمزية درويش في الشعر حداثة الشعر المعاصر، تأخذ قراءها للذكريات الماضية والأحلام المسافرة والحكايات الحاضرة، التي تعتمد في تكوينها على مستقبل حالم بغد أجمل وهو القائل... ولنا أحلامنا الصغرى، كأن نصحو من النوم معافين من الخيبة... لم نحلم بأشياء عصية... نحن أحياء وباقون، وللحلم بقية.

وكان الكاتب سعد سرحان، نشر في موقع "هسبرس" الإلكتروني، قبل ثلاثة أعوام، مقالة عن ذكرى رحيل محمود درويش، قال فيها:

برحيل محمود درويش تكون تضاريس العربية قد فقدت واحداً من أهم جبالها: الجبل الأكثر اخضراراً من أحلام الربيع.

برحيل محمود درويش تكون أجنحة الشعر قد فقدت بعضاً من ريشها الذهبي: الريش الذي لم يرض قط بغير الأرض سماءً.

برحيل محمود درويش تكون النساء قد فقدن عاشقاً كبيراً: العاشق الذي له ألف قلب من الكريستال.

برحيل محمود درويش تكون الكمنجات قد فقدت أعذب أوتارها: الوتر حيث يجري حليب الموسيقى.

أشجار الزيتون قد فقدت شقيقها المبارك

برحيل محمود درويش تكون أشجار الزيتون قد فقدت شقيقها المبارك: الشقيق الذي نذر زيته لفتيل الوطن.

برحيل محمود درويش يكون الليل العربي قد فقد نجماً: أقصد النجم الثاقب طبعاً.

برحيل محمود درويش تكون فلسطين قد فقدت محاميها الأكبر: المحامي الذي ترافع عنها خمسين عاماً أمام مئات الملايين من شهود الزور.

برحيل محمود درويش تكون بيروت (الحزينة الآن) قد فقدت مؤسسها الرمزي: المؤسس الذي أعلنها خيمتنا الأخيرة.

برحيل محمود درويش تكون الأرض قد فقدت أحد أبنائها البررة: الابن الذي لم يقل لها أفِّ أبداً، مع أنه شاهد تحت أقدامها أكثر من جحيم.

برحيل محمود درويش تكون الأغاني قد فقدت أصفى أصواتها: بحّة الناي في ذاكرة القصب.

برحيل محمود درويش تكون المطارات قد فقدت مسافرها المثير: المسافرَ ذا الحقيبة اللغز.

برحيل محمود درويش يكون البحر قد فقد موجته الساحرة: الموجة التي أخرجت شعر الحوريات إلى نثر الرمال.

برحيل محمود درويش تكون "إسرائيل" قد فقدت عدوها النبيل: من غيره قارع عظام الهدهد برفات كنعان؟

الحدائق فقدت بعضاً من عطرها الفصيح

برحيل محمود درويش تكون الحدائق قد فقدت بعضاً من عطرها الفصيح: انظروا إلى الأرض كيف أصبحت أقل ورداً.

برحيل محمود درويش أكون قد فقدت معلماً استثنائياً: أذكر، كنت لا أزال تراباً حين لقنني درساً في الربيع.

برحيل محمود درويش يكون جبل الكرمل قد فقد ظله العالي: هل ظِلٌّ ونواريه السماء؟

برحيل محمود درويش يكون خبز أمي وقهوة أمي قد فقدا الطعم والرائحة: من أين لهما والحنين نفسه في حداد؟

برحيل درويش يكون الضوء قد فقد صنوه المتواضع: ظلماء هي القصائد بعدك، فبرحيلك تكون بوصلة الشعر العربي قد فقدت شمالها : لكم أنت يتيمة أيتها الجهات

برحيل محمود درويش تكون الفراشة قد فقدت أثرها: زلزالاً في أرض القصيدة.

برحيل محمود درويش يكون الموت قد فقد ندّه الشهم: عزاؤنا واحد أيها الموت، لك من الشاعر الجدارية ولنا ما تبقى.

برحيل محمود درويش يكون الضوء قد فقد صنوه المتواضع: ظلماء هي القصائد بعدك وظلماء يا محمود.

برحيل محمود درويش تكون بوصلة الشعر العربي قد فقدت شمالها : لكم أنت يتيمة أيتها الجهات.

برحيل محمود درويش تكون العذوبة قد فقدت أحد منابعها الثرة: زُلالاً كان وزلالاً كان شعره.

برحيل محمود درويش تكون الحياة قد فقدت أحد محترفيها الكبار: شاهدة كلماته، فهي بمثابة سكرات الحياة.

برحيل محمود درويش يكون الشعراء قد فقدوا فنّاراً: فلتهتدي مراكبهم بضوء في الذاكرة.

برحيل محمود درويش تكون الإنسانية جمعاء قد فقدت الناطق الرسمي باسم الألم: راجعوا أعماله الكاملة، فثمة متحف للأنين.

الصفحة الرئيسية