سر محمود درويش: متى نرتقي من نقد الأشخاص إلى نقد الأفكار؟

سر محمود درويش: متى نرتقي من نقد الأشخاص إلى نقد الأفكار؟

مشاهدة

29/06/2020

نشر الروائي والشاعر، سليم بركات، نصاً، كان قد كتبه في وقت سابق، يعبّر فيه عن مديونيته لمحمود درويش الشاعر واعتزازه ببنوته له، أو بأبوة درويش الأدبية له. الأبوة الأدبية استحضرت الأبوة البيولوجية، على الأرجح، فباح بركات بما اعتبره سراً أودعه إياه محمود درويش، بأنّ له ابنة من سيدة متزوجة، لا يشعر بأبوته لها.

اقرأ أيضاً: ماذا قال مثقفون عرب لـ"حفريات" بخصوص الابنة غير الشرعية لمحمود درويش؟

أثار البوح بهذا السر "الخطير" عاصفة عاتية اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الصحف، وقسمت المتابعين والمهتمين والمهتمات أيضاً قسمين: قسم يدافع عن معصومية درويش، ويُدين بركات، وقسم يتشفى بتحطيم الأصنام، ولم يلتفت أيّ من الفريقين إلى المسألة الرئيسية المسكوت عنها، أعني مسألة المرأة التي بلا اسم، وبلا ملامح، والتي يمكن أن تكون أي امرأة من دائرة معارف درويش وصداقاته، وما يمكن أن يختلج في نفوس الأزواج من شكوك بزوجاتهم، أو ما يختلج في نفوس نساء يتمنين لو كان درويش من عشاقهن. هذه المسألة المسكوت عنها في نص بركات ونصوص نقّاده، تكشف هشاشتنا المعرفية والثقافية والأخلاقية.

أثار بوح سليم بركات بسر محمود درويش "الخطير" عاصفة عاتية اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي

السر في اللغة: هو ما يُكتم، وهو خلاف الإعلان (المُعلن)، تقول العرب: أسررت الشيء إسراراً، أي كتمته، وسارّه: أوصاه أن يسرِّه، وكنّي عن النكاح بالسرّ لأنه يُخفى، هذا ما يقوله قاموس المعاني والكلمات.

إفشاء السر أو إعلانه كقيمة اجتماعية يثير "فضيحة"، والفضيحة كيمياء، كما أطلق عليها الكاتب "أنيس منصور"؛ أي تفاعلٌ أو تداول بين أفراد المجتمع، وكل فرد أو جماعة يتناولها حسب منظوره الخاص، لا كما يقصد بها فاشي السر.

قد تكون الفضيحة اجتماعية أو سياسية أو دينية أو اقتصادية، وبعض الفضائح الاجتماعية تُعتبر خطيئة، وذلك حسب نظام  القيم الاجتماعية لكل واحد من المجتمعات المختلفة.

استقبل "المجتمع الأدبي"، إذا جاز التعبير، مقالة سليم بركات على نحو ما تُستقبل "الفضيحة" في المجتمع التقليدي بين مصدّق ومكذّب، ونصّب كثيرون من مثقفي هذا المجتمع أنفسهم مدعياً  ومحامياً وقاضياً، في محكمة تفتقر إلى أي شرط من شروط التقاضي ومبادئه العادلة، على نحو ما تُحاكم النساء؛ و"ليس للنساء إلا الريح"، بالإذن من درويش وبركات.

اقرأ أيضاً: إعادة إحياء الجنيه الفلسطيني بصور لعرفات ودرويش وإدوارد سعيد

كشف مقال سليم بركات عن ضحالة ثقافة العالم الافتراضي؛ فلم يفرّق المنتقدون (لا النقاد) بين درويش الإنسان ودرويش الشاعر، ما أوقع الكثيرين منهم/ـن في فخ الأيديولوجيا الضاربة جذورها في الذهن العربي والثقافة العربية، منذ كان مديح وهجاء ورثاء إلى يومنا، على الرغم من ادعاءات الحداثة.

فمثلاً كتب أحدهم في صفحته على فيس بوك: "ما كتبه سليم بركات عن علاقته بمحمود درويش صادمٌ ومريب، ويشير، في الوقت الذي يدعي فيه سليم حبَّ درويش وبنوتَه له، إلى رغبة في إلحاق الأذى بالشاعر الراحل، وغيرة مستحكمة وضغينة مضمرة، وادعاء بأهمية شعرية توازي أهمية درويش، في مقالة فيها الكثير من البلاغة الممجوجة والتقعر والإغراب اللغوي، مما يثقل على النفس ويشعر القارئ بالملل والرغبة في الترك وعدم المتابعة. وما يدعيه بشأن السر، الذي استودعه إياه درويش قبل اثنين وعشرين عاماً، بأن له ابنة غير شرعية من علاقة عابرة مع امرأة متزوجة، سقطة أخلاقية غير مغتفرة وإثارة تافهة لا تليق بشاعر يدعي أنه كبير، والأفظع من ذلك أنه يعترف أنّ درويش عامله كابنٍ، بل ندٍّ، له. فأن يذيع الصديق سر صديقه، الذي رحل عن عالمنا، وليس في مقدوره أن يرد أو يصحح أو ينكر، يدل على انحدار القائل إلى حضيض أخلاقي تأباه الصداقة الرفيعة والمناقبية الأخلاقية".

اقرأ أيضاً: في ذكرى الغياب.. قصائد درويش جرس يذكّر بمآسي العرب

وكتب آخر: "ما يؤرّقكم هو هذه الفضيحة غير المكتملة التي تشهد اتهاماً ولو بسيطاً للشاعر درويش، فبحثتم عن ضحية، وها هي موجودة ومناسبة جداً للتصويب عليها: كردي يتفوّق عليكم وعلى شاعركم الفحل في معقلكم، في لغتكم، وينال اعترافاً قسرياً منه بصعوبة التخلّص من تأثيره عليه، فوجدتم فيه نهراً ملائماً لترموا حصاكم الأخلاقية فيه ووسيلة للتذكير بكل الحكم العربية التي تدعو إلى كتمان السرّ، وأنتم أصلاً تعيشون في فضيحة كبرى منذ 1400 عام."

اقرأ أيضاً: في ذكرى محمود درويش يستيقظ الحب: 10 محطات للحنين

بين المدافعين والمهاجمين، ثمة آراء رصينة؛ فقد تساءل "إسلام أبو شكير"  قائلاً: "هل ترون في هذه المعلومة التي ذكرها (بركات) ما يسيء إلى درويش؟ علاقة حب عاشها مع امرأة خارج مؤسسة الزواج؟ ترون في ذلك فعلاً مشيناً، كان يجب ألا يقترفه درويش؟ وإن اقترفه، لا يجوز لأحد أن يتحدث عنه؟.. ماذا لو أن سليم بركات باح بسرّ شخصي آخر لكنه يتماشى مع قناعاتكم، ويعزز صورة درويش الملائكية في نظركم؟ هل ستهاجمونه أيضاً.. لماذا درويش بالذات، وأنتم يقتلكم الفضول تجاه علاقة المتنبي بأخت سيف الدولة، ومثلية أبي نواس، وإدمان فلان، وبخل علان؟".

 

كشف مقال بركات ضحالة ثقافة العالم الافتراضي فلم يفرّق المنتقدون بين درويش الإنسان ودرويش الشاعر

الخطيئة فعل إنسانيّ بامتياز، والحق في محاكمة المخطئ/ـة ومعاقبته/ـا هو للقانون فقط، لا لأي شخص معرض للخطأ في كل لحظة. فما الذي يعني قراء درويش وقارئاته، ممن لا يعرفونه ولا يعرفنه شخصياً، وليس بينه وبينهم سوى علاقة الشاعر بالمتلقي/ـة غير شعره وإبداعه وخياله الخصيب، وما الذي يعنيهم من سليم بركات إلاّ الموضوع ذاته؟

قد تكون شهوة "بركات" لأن يكون درويشياً في الشعر والأدب، في نظر بعضهم، دفعته ليقول إنّ درويش حاول ألا يتأثر به، لكن تلك الشهوة لا تقل عن شهوة درويش الطبيعية أن يكون له ابن يشبه بركات: "لقاءان بالجمهور جَمَعانا، معاً، في معرض الكتاب بغوتنبرغ. قرأنا شعراً في الأول، فيما ذهبَ اللقاءُ الثاني مُرْسَلاً في بوحِ صديقين على أسئلةٍ في صداقتنا إنسانيْنِ، وصداقتنا شاعريْنِ. كان محمود مذهِلاً في تلقائيةِ "اعترافه"، بلا تحفُّظ من شاعرٍ كبير مثله، أنه جاهدَ كي لا يتأثر بي، وفي اعترافه أنه لم يعد يعرف أين الحدُّ بين أن يراني صديقاً، أو يراني ابناً له". وعندما يقول بركات "تزوج مرتين ولم يُنجبْ، بقرارٍ قَصْدٍ في أنْ لا يُنجب. كلُّ شاعر أنجب طفلاً أنجب قصيدةً مُضافة إلى ديوانه. وكل شاعر لم يُنجب طفلاً، أنجب الكونَ معموراً" لا يكون قد أجحف في حق درويش الشاعر.

اقرأ أيضاً: محمود درويش متحالفاً مع الخلود... منقباً عن فلسطين الأعماق

هل سنرتقي في المستقبل من نقد الأشخاص إلى نقد الأفكار، ومتى سيعترف المجتمع (لا القانون فقط) بتساوي النساء والرجال في جميع الحقوق؟ ليس للنساء إلا الريح.


الصفحة الرئيسية