
منذ الإعلان عن فيلم الست، كان واضحًا أنّ صُنّاعه يضعون أنفسهم أمام واحد من أخطر الرهانات في تاريخ السينما المصرية، وهو الاقتراب من شخصية بحجم أم كلثوم، فأم كلثوم ليست مجرد مطربة عظيمة أو رمز فني عابر، بل هي كيان متجذر في الوجدان الجمعي للمصريين والناطقين بالعربية؛ صوت ارتبط بالهوية، وبالزمن، وبذاكرة أجيال كاملة، وأي محاولة لتقديمها دراميًا لا تُقاس بمعايير الفن وحده، بل تُحاكم عاطفيًا وشعبيًا قبل أن تُحاكم فنيًا، وهو ما جعل الفيلم يدخل ساحة المعركة مثقلًا بتوقعات شبه مستحيلة.
هذا التحدي المبدئي لا يمكن فصله عن أي تقييم للفيلم، لأنّ مجرد اتخاذ قرار تقديم عمل سينمائي عن الست هو، في حد ذاته، فعل شجاع، وربما متهور، في مناخ ثقافي يميل إلى تقديس الرموز أكثر من فهمها وأنسنتها.
المأزق الأبدي: السيرة الذاتية من المهد إلى اللحد
يقع فيلم الست في أزمة تكاد تكون مزمنة في السينما المصرية، وهي أزمة تقديم أفلام السيرة الذاتية، فبدلًا من اختيار زاوية محددة أو لحظة فاصلة في حياة الشخصية، يُصرّ أغلب صُنّاع هذا النوع من الأفلام على سرد الحياة كاملة، من الطفولة حتى الوفاة، وكأنّ العمل الفني شهادة ميلاد ووفاة مصورة، لا تجربة درامية حقيقية.
السيناريست الأمريكي الشهير “آرون سوركين”، أحد أبرز المتخصصين في كتابة أفلام السيرة الذاتية مثل: أفلام “الشبكة الاجتماعية” 2010 و”ستيف جوبز” 2015، يضع قاعدة ذهبية في هذا النوع من الأعمال حين يقول:
“عند تقديم سيرة ذاتية، اقفز مباشرة إلى النقاط المضيئة، لا تحاول أن تحكي حياة كاملة من المهد إلى اللحد.”
وهي قاعدة لم تأتِ من فراغ، بل من إدراك عميق لطبيعة الفيلم السينمائي، التي لا تُبنى على الكم، بل على التركيز والتكثيف.
فيلم الست اختار الطريق الأصعب، والأكثر استهلاكًا، فحاول أن يحتضن حياة أم كلثوم كاملة في زمن لا يتجاوز الساعتين والنصف، وهو زمن لا يكفي لتفكيك شخصية واحدة، فكيف بشخصية أسطورية متعددة الطبقات مثل أم كلثوم؟ وهذه كانت نفس مشكلة أفلام مثل: أيام السادات 2001 وحليم 2006 والتي أخذت نفس المسار، فجاءت النتيجة وكأنّنا نشاهد أفلام وثائقية تستعرض مراحل حياة الشخص بشكل عابر، وخطورة اختيار هذا الشكل في السرد، أنّه لا يحقق البناء الدرامي لفن السيناريو، وهذه طريقة غير محبذة في تقديم أعمال السيرة الذاتية، فالأفضل أن يركز السيناريو على حادثة واحدة أو مرحلة زمنية محددة في حياة الشخصية ، واتباع هذا الأسلوب يحقق فلسفة صناعة رحلة بطل واضحة المعالم، قائمة على ثلاث فصول؛ نرى من خلالها تطور الشخصية وبالتالي تصبح للشخصية ملامح واضحة.
محطات كثيرة… دون التوقف عند أي منها
يتنقل الفيلم بين محطات عديدة في حياة أم كلثوم، لكنّه يفعل ذلك على طريقة المرور السريع دون الغوص الحقيقي في أي محطة. نرى علاقتها بأبيها وأخيها، صراعاتها المبكرة، انتقالها من الريف إلى المدينة، قصص الحب المعقدة، علاقاتها المركبة بالرجال، شعورها الدائم بالوحدة رغم المجد، قلقها من السلطة السياسية وعلى رأسها جمال عبد الناصر، دورها في دعم المجهود الحربي، علاقتها بالصحافة، وصورتها العامة أمام الجماهير.
المشكلة ليست في هذه المحاور نفسها، فهي جميعًا زوايا ثرية ومغرية دراميًا، بل المشكلة أنّ كل واحدة منها تصلح لأن تكون فيلمًا كاملًا بذاته. لكن فتح كل هذه الخطوط في عمل واحد دون القدرة على تعميقها أو إغلاقها دراميًا، جعل الفيلم يبدو وكأنّه يستعرض محطات حياة أم كلثوم، بدلًا من أن يحللها ويفككها، والنتيجة هي إحساس بعدم الإشباع، كأنّ الفيلم يلامس السطح باستمرار بدلاً من الغوص.
هناك أيضا أزمة في بناء السيناريو، وتعود هذه الإشكالية في الأساس إلى البناء الذي اختاره كاتب السيناريو أحمد مراد بمشاركة هنا محمود، والذي حاول أن يقدّم صورة شاملة لحياة شخصية استثنائية. لكن تغطية حياة مديدة ومليئة بالأحداث لشخصية أسطورية في زمن سينمائي محدود، هو تحدٍ يكاد يكون مستحيلًا.
السيناريو بدا أحيانًا وكأنّه يريد إرضاء الجميع: محبي أم كلثوم، مؤرخيها، جمهورها العريض، والنقاد؛ فكانت النتيجة عملًا مزدحمًا أكثر مما ينبغي، وهنا تتجلى أزمة الفيلم أنّه لا يتبنى وجهة نظر محددة، فنحن لا نعرف عمّاذا يتحدث الفيلم بالتحديد، عن شعور أم كلثوم بالوحدة؟ أم علاقاتها العاطفية المضطربة؟ أم تأثير اصابتها بمرض جريفز والذى أثر على غدتها الدرقية، وشكل خطرًا على مستقبلها كمطربة، لأنّه تسبب في ورم قريب من الحنجرة؟ أم دورها في دعم المجهود الحربى بعد نكسة 67 ؟! فالفيلم يتحدث عن كل ما سبق لكن دون تفصيل أو تسليط ضوء كافي يمكننا من هضم كل هذه المحطات.
مروان حامد والسيطرة على الفوضى
في المقابل، يُحسب للفيلم أنّ المخرج مروان حامد استطاع إلى حد بعيد السيطرة على هذا التشظي السردي، فمروان حامد مخرج يمتلك حسًا بصريًا عاليًا وقدرة واضحة على إدارة الأعمال الضخمة، وهو ما بدا جليًا في تعامله مع الخطوط المتعددة للفيلم.
بمساعدة المونتير المتميز أحمد حافظ، نجح الفيلم في الحفاظ على إيقاع سريع لاهث، يمنع المشاهد من الشعور بالملل رغم كثافة الأحداث. المونتاج لعب دورًا محوريًا في ربط الأزمنة، والانتقال بين المراحل العمرية، ومحاولة خلق وحدة شعورية وسط هذا التعدد.
ويتألق فيلم الست بشكل واضح في عناصره الفنية، وعلى رأسها الديكور والصورة، فديكور أحمد عطية جاء واحدًا من أبرز نقاط قوة العمل، حيث نجح في نقل المشاهد بسلاسة بين مسقط رأس أم كلثوم قرية طماي الزهايرة في بدايات القرن العشرين، ومسرح الأوليمبيا في باريس، وصولًا إلى فيلا أم كلثوم في الزمالك، دون أن يفقد الإحساس بالزمن أو المكان.
أمّا تصوير عبد السلام موسى، فجاء مواكبًا لتطور الشخصية نفسيًا وزمنيًا، مع توظيف ذكي للأبيض والأسود مقابل الألوان. اختيار الأبيض والأسود لم يكن مجرد حيلة جمالية، بل أداة تعبيرية استخدمت لإبراز فترات المعاناة، سواء في الطفولة المليئة بالفقر أو في مراحل المرض والوحدة لاحقًا.
قد يلمس البعض تأثرًا بأسلوب المخرج البريطانى كريستوفر نولان في فيلم أوبنهايمر 2023، خاصّة في المزج بين الأبيض والأسود والألوان، لكن الفارق أنّ الست استخدم هذه التقنية بمنظور شعوري مختلف، مرتبط بالحالة النفسية لا بالبناء السردي كما فعل نولان.
منى زكي: أداء تحت المجهر
كان اختيار منى زكي لتجسيد أم كلثوم هو أكثر عناصر الفيلم إثارة للجدل منذ الإعلان عن العمل، حيث تصاعدت الاعتراضات بدعوى عدم التشابه الجسدي، وزادت حدتها مع عرض الإعلان الرسمي بسبب ضعف الماكياج.
لكن بعيدًا عن الجدل السطحي، يمكن فهم اختيار منى زكي من زاوية مختلفة، فمنى زكي ممثلة بارعة في التعبير عن هشاشة الأنثى، عن الألم الداخلي، عن الصراع الصامت، وهو ما أثبتته في عدد من الأعمال الدرامية مثل: تحت الوصاية 2023 ولعبة نيوتن 2021. وهذه الزاوية الإنسانية تحديدًا هي ما راهن عليه صُنّاع الفيلم.
يُحسب لمنى زكي أنّها لم تحاول تقليد أم كلثوم أو محاكاتها بشكل استعراضي، بل قدّمت قراءة خاصة بها، أخذت الشخصية إلى منطقتها كممثلة. صحيح أنّها لا تمتلك قدرة أحمد زكي الاستثنائية على الذوبان الكامل في الشخصية، كما فعل مع جمال عبد الناصر في ناصر 56، لكن أداءها جاء متوازنًا، صادقًا، وإن شابه ضعف واضح في الماكياج، خاصّة في المراحل العمرية المتقدمة وهو أمر هي غير مسئولة عنه بالطبع.
ضيوف الشرف: حضور جماهيري أكثر منه درامي
بحكم الميزانية الضخمة للفيلم، التي اقتربت من 8 ملايين دولار، أتيحت لصُنّاع الست فرصة الاستعانة بعدد كبير من نجوم الصف الأول في السينما المصرية كضيوف شرف، من بينهم كريم عبد العزيز، عمرو سعد، أحمد حلمي، آسر ياسين، أمينة خليل، وطه الدسوقي، وغيرهم. وبلا شك فإنّ هذا الحشد من النجوم يخدم بالأساس هدفًا تجاريًا واضحًا، يتمثل في جذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور إلى قاعات العرض، خاصّة مع توظيف وجوه هؤلاء النجوم بشكل ملحوظ داخل الإعلان الدعائي للفيلم. على المستوى الفني، جاءت مشاركاتهم في المجمل جيدة ومضبوطة، دون افتعال أو خروج عن روح العمل، مع تميّز نسبي لكريم عبد العزيز وعمرو سعد، اللذين قدّما حضورًا أكثر ثقلًا وتأثيرًا مقارنة بباقي الضيوف. ومع ذلك، لم يمنحهم ضيق المساحة الزمنية لحظات تجلٍّ حقيقية أو أداءً استثنائيًا يمكن البناء عليه دراميًا، فظلّ وجودهم أقرب إلى الإضافة التسويقية المدروسة منه إلى مكوّن درامي محوري داخل نسيج الفيلم.
فيلم مظلوم بسياقه الخارجي
بعيدًا عن النقد الفني، لا يمكن تجاهل أنّ فيلم الست تعرّض لهجوم شرس لأسباب خارجة عن العمل نفسه. مساهمة هيئة الترفيه السعودية في تمويل الفيلم فجّرت موجة من الاتهامات، اعتبرها البعض محاولة لتشويه الرموز المصرية، خاصّة مع دخول أسماء مثل: الفنان محمد صبحي على خط الأزمة بتصريحات اتهم فيها صُنّاع العمل ببيع أنفسهم مقابل حفنة من الدولارات. وتحولت القضية إلى معركة على السوشيال ميديا، بين مؤيدي صبحي، ومذيعي قنوات MBC)) مثل: عمرو أديب وياسمين عز، وهو صراع ابتلع النقاش الفني الحقيقي، وظلم الفيلم بشكل واضح.
المفارقة أنّ الفيلم لم يُسئ إلى أم كلثوم، بل قدّمها بشكل إنساني، وهو ما لم يعتده الجمهور، فنحن معتادون على تقديم الرموز المصرية في صورة ملائكية، بلا أخطاء أو تناقضات، كما فعل مسلسل أم كلثوم الذي قدمته صابرين في العام 1999 وأخرجته أنعام محمد على، والذي قدّمها كأيقونة مثالية بلا عيوب. لكن الدراما الحقيقية لا تُبنى على الكمال، ف الشخصية التي تفعل الصواب دائمًا لا تصنع صراعًا، ولا تخلق دراما، ولا تترك أثرًا إنسانيًا عميقًا لدى المشاهد.
الست فيلم جيد الصنع، والجهد الإنتاجي والفني حاضر بقوة في كل تفاصيل العمل، وسيبقى في الذاكرة بلا شك،ولكن كان يمكن أن يكون أفضل لو اختار التركيز على جانب واحد من حياة أم كلثوم، أو لو قُدّم في شكل مسلسل تلفزيوني يسمح بالتوسع والتعمق.
لكن الست يظل محاولة جادة، شجاعة، ومحترمة، ظلمها السياق أكثر مما ظلمتها عيوبها الفنية، وهو في النهاية خطوة مهمة في مسار إعادة التفكير في كيفية تقديم رموزنا كبشر، لا كتماثيل شمع.












![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187.png.webp?itok=cUgosDEz)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_7_0_0.jpg.webp?itok=Dz8R7P8M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9_2_0_1_4_0_0_2_1_0.jpg.webp?itok=JUavmW24)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/88888_1_0.jpg.webp?itok=z8gvC3RS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_0.jpg.webp?itok=Mf-zyZxn)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)