
على ركام البيوت التي تحولت إلى حجارة متناثرة، تحاول عائلات فلسطينية في قطاع غزة إعادة ترتيب حياتها، ولو بالحد الأدنى، وبين جدران مهدمة وسقوف غابت تبرز محاولات البقاء، حيث لا يملك السكان رفاهية الانتظار ولا خيار الرحيل.
ويستقبل سكان غزة الشتاء في خيم لا تقيهم شدة البرد بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم خلال حرب الإبادة التي استمرت عامين، في حين طالبت الأمم المتحدة بالإسراع في إعادة توفير الخدمات للناس.
وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن تدمير أو تضرّر (436) ألف مبنى، تمثل 92 %من المنازل في قطاع غزة.
ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة تم تدمير (160) ألف مبنى، وتعرّض (276) ألف مبنى لأضرار جسيمة أو جزئية، ونزوح 90% من سكان غزة من منازلهم.
وقال مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة إنّ (127) ألف خيمة من أصل (135) ألفاً في القطاع أصبحت غير صالحة للإقامة بفعل المنخفضات الجوية.
وذكر المكتب أنّ هناك نقصاً في الكميات اللازمة من الأغطية ووسائل التدفئة بنسبة تتجاوز 70% على مستوى القطاع.
نصنع بيتاً من الصبر
في حي الشجاعية شرق مدينة غزة يقف سالم نصر (43 عاماً) على حجر كان يوماً جزءاً من جدار منزله، ويمرر نظره بين الأنقاض قبل أن يقول بصوت متعب: "هذا كان بيتنا، ثلاث غرف، وضحكات أولادي، ذكريات (20) سنة، واليوم لم يبقَ إلا هذا الركام، لكننا عدنا لأنّ غزة هي حياتنا، حتى لو عشنا فوق الحجارة."
بعد أسابيع من النزوح قررت عائلة نصر العودة إلى بيتها، رغم انعدام أيّ مقومات للحياة، ونصبوا خيمة صغيرة بجانب الأنقاض، واستخدموا بعض الأخشاب والنايلون لصنع مأوى مؤقت.
يقول نصر: "لا ماء، ولا كهرباء، ولا أمان، لكنّ الغربة أصعب، وهنا على الأقل نشعر أننا في بيتنا، حتى لو كان بلا جدران."
ويشير نصر إلى زاوية من الركام قائلاً: "هذه كانت غرفة البنات، ثم يصمت لحظة قبل أن يضيف: كل شيء انتهى في دقائق، لكننا لم ننته."
ويتابع: "بقائي هنا رسالة، فالاحتلال يريد منا أن نرحل، لكننا نعود، حتى لو عشنا بلا سقف، الأرض تعرف أصحابها."
ويوضح نصر الذي فقد اثنين من أبنائه خلال الحرب: "الألم لا يُمحى، لكنّه يتحول إلى دافع للاستمرار، فنحن لا نبحث عن حياة مثالية، فقط عن حياة ممكنة."
ويؤكد نصر: "لا ننتظر أحداً، فإن جاء الإعمار فأهلاً به، وإن تأخر فسنبقى نحاول، فغزة علمتنا كيف نعيش بالقليل، بيتي دُمّر، لكن إرادتي لا، سنبني من جديد، ليس فقط جدراناً، بل حياة كاملة، لأنّ هذه أرضنا، ولن نتركها."
لم أستطع أن أترك المكان
في حي النصر غرب مدينة غزة يعيش محمود النواجحة (37 عاماً) فوق أنقاض منزله الذي دُمّر كليًّا، ولم يغادر المكان، بل حول الركام إلى مساحة حياة مؤقتة، ويؤكد من خلالها أنّ البقاء في غزة ليس خياراً عاطفياً فقط، بل ضرورة وجودية.
يقول النواجحة وهو يجلس على لوح إسمنتي متشقق: "حين عدت بعد القصف لم أجد بيتاً، وجدت حجارةً وحديداً محروقاً، ففكرت أن أرحل، لكنّ قدميّ لم تتحركا، هذا المكان شهد زواجي، وولادة أطفالي، وكل تفاصيل عمري."
يعيش النواجحة مع زوجته وثلاثة أطفال في خيمة بسيطة نصبها بنفسه، مستخدماً بقايا قماش وأعمدة حديدية من المنزل المدمّر، ويصف يومه بأنّه صراع صامت.
ويضيف: "نستيقظ مع شروق الشمس لأنّ الليل بارد ومخيف، ونبحث عن ماء، عن طعام، عن أيّ شيء يشعرنا أننا نعيش، لا ننتظر الموت."
ويوضح النواجحة: "أطفالي يستيقظون خائفين، ويتخيلون القصف كل ليلة، لكنني أحاول أن أبدو قوياً أمامهم، لكن الحقيقة أننا جميعاً خائفون."
ورغم ذلك، يحاول النواجحة خلق روتين بسيط لأطفاله، كتنظيف المكان يومياً أو مساعدته في ترتيب الخيمة، حتى لا يشعروا أنّ الحياة توقفت.
وبسؤاله عن سبب عودته رغم غياب الخدمات، يجيب النواجحة بحزم: "العيش هنا صعب، لكنّ النزوح أصعب، في النزوح أنت رقم، هنا أنت صاحب الأرض، العودة ليست راحة، لكنّها كرامة."
حياة بلا جدران
في أحد الأزقة الضيقة بحي الزيتون جنوب مدينة غزة تعيش ليلى أبو سمعان (41 عاماً) فوق أنقاض منزلها الذي دُمّر بالكامل، ولم يبقَ من البيت سوى درجات إسمنتية مكسورة وباب حديدي معوج، تحول اليوم إلى شاهد على حياة لم تُمحَ رغم الدمار.
تقول وهي ترتب أغطية مهترئة داخل خيمة صغيرة: "حين تهدم البيت شعرت بأنّ العالم كله سقط فوق رأسي، لكنني عدت، ولا أستطيع أن أعيش بعيدة عن هذا المكان، حتى وهو مدمّر."
وتسكن أبو سمعان مع أربعة من أبنائها بعد استشهاد زوجها، وتؤكد: "العودة كانت قراراً صعباً لكنّه الوحيد الممكن."
وتصف يومها بأنّه يبدأ وينتهي بمحاولات التكيف: وتقول: "نعيش بلا خصوصية، بلا ماء منتظم، وبلا كهرباء، وأطبخ على نار الحطب، وأغسل الملابس يدوياً، وأحاول أن أجعل المكان نظيفاً كي لا يشعر أولادي أننا في مأساة دائمة."
وتشير إلى زاوية من الركام وتقول إنّها كانت غرفة الجلوس: "هنا كنا نجتمع، نضحك، الآن أجلس هنا لأتذكر وأصبر."
وتضيف: "إنّ أصعب ما أواجهه هو حماية أطفالي نفسياً، أخشى عليهم أكثر من خوفي على نفسي، فحين يسمعون أيّ صوت عالٍ، يلتصقون بي، وأحاول أن أبتسم، حتى لو كان قلبي يرتجف."
وعن سبب إصرارها على البقاء تؤكد: "لو تركنا بيوتنا المدمرة، فكأننا نترك حقنا، البقاء هنا رسالة بأننا أصحاب الأرض، حتى لو عشنا بلا سقف."
وتوجّه رسالة إلى العالم قائلة: "انظروا إلينا كبشر، لا كأرقام في الأخبار، نحن أمهات نحلم بالأمان لأطفالنا، ولسنا جزءاً من مشهد عابر."
وتزرع أبو سمعان نبتة صغيرة قرب الخيمة، وتقول: "هذه النبتة تشبهنا قد تنمو ببطء، لكنّ جذورها قوية، وغزة مثلها لا تموت."
توتر دائم
يقول استشاري الطب النفسي الدكتور طارق العريني: إنّ "العودة للعيش فوق الأنقاض هي سيف ذو حدين، قد تمنح شعوراً بالانتماء والصمود، لكنّها في الوقت نفسه قد تعيد تنشيط الصدمة إذا غاب الدعم النفسي والشعور بالأمان."
ويضيف العريني: "غياب الأمان من الحياة اليومية يؤدي إلى توتر دائم، واضطرابات نوم، وصعوبة التركيز، واستنزاف نفسي مستمر ينعكس على العلاقات والعمل والتربية."
ويوضح: "الأطفال قد يُعبّرون عن الصدمة عبر التبول اللاإرادي، والكوابيس، والتعلق الزائد، والعدوانية أو الانسحاب، وغالباً لا يستطيعون التعبير بالكلام كما يفعل الكبار."
ويتابع: "الصدمات الأكثر شيوعاً لدى البالغين هي الصدمة المرتبطة بفقدان الأمان، والشعور بالعجز عن حماية الأسرة، والإحساس بالذنب، والخوف الدائم من تكرار التجربة."
ويؤكّد العريني أنّ "من أبرز مخاطر إطالة العيش فوق الأنقاض تطبيع المعاناة، وترسيخ الصدمات، وأفكار إيذاء النفس، ونوبات هلع متكررة، وفقدان القدرة على أداء الوظائف اليومية، والعزلة الشديدة، وتأثيرات نفسية عميقة قد تمتد لأجيال."




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)