ضربة مُرجَّحة ومستويات استهداف مُتباينة: ما الذي يعنيه الهجوم الأمريكي على إيران؟

ضربة مُرجَّحة ومستويات استهداف مُتباينة: ما الذي يعنيه الهجوم الأمريكي على إيران؟

ضربة مُرجَّحة ومستويات استهداف مُتباينة: ما الذي يعنيه الهجوم الأمريكي على إيران؟


27/01/2026

تبذُل الولايات المتحدة الأمريكية جهداً ملحوظاً لحشد أكبر قَدْرٍ مُمكنٍ من عتادها البحري، والجوي في المناطق المحاذية للشرق الأوسط تمهيداً لمعالجة المعضلة الإيرانية. ويأتي ذلك الجهد، بعد الوعد الذي قطعه الرئيس دونالد ترمب بدعم الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ مطلع العام الجديد، والقمع الذي مارسته السلطات الإيرانية لإخمادها، والذي أدّى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين، والقوات الأمنيّة.

وتُظهِرُ المعطيات أنّ الحُشود العسكرية التي توجد الآن قرب منطقة الشرق الأوسط، أو تتوجه نحوها، تتضمن ناقلتَيْ طائرات "أبراهام لنكولن" و"جورج دبلويو بوش"، وعشرات السفن الحربية المزودة بصواريخ توماهوك، إلى جانب أعداد كبيرة من الطائرات الحربية، وطائرات التزود بالوقود، والطيران الاستطلاعي، لتكون الحصيلة أحد أكبر التجمعات العسكرية الأمريكية على مستوى العالم في خلال الأعوام الأخيرة.

وبينما يُحيلُ العديد من المراقبين تراجُع الرئيس ترمب عن تهديده بتوجيه الضربة للنظام الإيراني في الأيام الماضية إلى النّقص الذي كانت تعانيه الآلة العسكرية الأمريكية في المنطقة لخوض مواجهة عسكرية مفتوحة على كل الاحتمالات مع إيران، سواءً على صعيد توافر العتاد الحربي، أو على صعيد توافر الدعم اللوجستي اللازم في منطقة الشرق الأوسط، فإن الجهد الأخير يُظهِرُ أنّ الولايات المتحدة تعملُ على إنجاز كاملِ التحضيرات لتوجيه هذه الضّربة، والاستعداد لكل الاحتمالات التي تليها، بما يطرح تساؤلاتٍ عن المستويات المُمكنة للضّربة التي تنوي واشنطن توجيهها، والغايات التي تبتغيها منها.

مُستويات الضّربة العسكرية: المعاني، وطبيعة الأهداف المتوخّاة

من شأن الضّربة العسكرية التي من المُرتقب تنفيذها ضدّ إيران أنْ تتضمن عدّة مستوياتٍ، تتبعُ الأهداف التي ينوي تحقيقها صانع القرار الأمريكي، وطبيعة المواجهة التي يُريد خوضها (شاملة أم محدودة). وفي سياق المستوى الشّامل، يمكنُ تصوُّر السيناريوهات التالية:

السيناريو الأول: استهداف واسع النّطاق للقدرات العسكرية الإيرانية؛ إذْ يُمكن تصور ضربة عسكرية أمريكية تستهدف المؤسسة العسكرية الإيرانية على مستوى المقارّ، والقواعد، والقيادات العسكرية. وما يُرجِّحُ هذا السيناريو، هو مشاركة تلك المقارّ والقيادات - خصوصاً على صعيد الحرس الثوري - في قمع الاحتجاجات، والتأييد الذي يمكنُ أنْ يحصل عليه ضربُها على المستوى العالمي الذي يتجه نحو إدانة هذه المؤسسة، بسبب انخراطها في قمع المحتجين. ومن المفترض أنْ يتضمن هذا السيناريو ضرباتٍ جويّة دقيقة وواسعة تستهدف قواعد تابعة في الأغلب للحرس الثوري، وقوات البسيج في مختلف المحافظات الإيرانية، واغتيالات جوية تستهدفُ قيادات الصفّ الأول. ويُعوّلُ هذا السيناريو على أنْ تتكفّل التطوُّرات اللّاحقة بتغيير نمط الحكم في إيران، سواءً من طريق تراجُع قيادات النظام الإيراني عن مواقفها، أو نتيجةَ خروج الشّعب الإيراني إلى الشّوارع مرّة أُخرى، وعودة الاحتجاجات بزخمٍ أكبر. غير أنّ هذا السيناريو يُواجه عدّة عقبات، من بينها الانتشار الجغرافي الواسع للقواعد العسكرية التابعة لقوات الحرس الثوري، وقوات البسيج؛ حيثُ يضعُ هذا الانتشار مانعاً كبيراً على طريق نجاح الضّربات في تحقيق غاياتها. ومن جهة ثانية، تُظهِرُ التجربة أنّ القيادة الإيرانية العُليا (مؤسسة بيت القائد) تمتلكُ قدرة جيّدة على استبدال الخطّ الأول من القيادات العسكرية بخلفاء يحملون المستوى ذاته تقريباً من الولاء للنظام السياسي، ويتمتّعون بدرجات مقبولة من القُدرة على قيادة الوضع الميداني، بما يرجح أنْ تستطيع المؤسسة العسكرية إعادة ترتيب أوراقها بفاعلية كبيرة بعد الموجة الأولى من الهجمات.

السيناريو الثاني: استهداف القيادة السياسية؛ ويفترض تنفيذ هجمات واسعة، تهدف إلى تغييب مجموعة القيادة السياديّة في إيران، والتي تتمثّل في القائد الإيراني الأعلى، والخطّ الأول من القيادات السياسية التي تُطبّق أجندة القائد. ويتصوّرُ هذا السيناريو، أنّ القائد علي خامنئي يُشكّل البؤرة الأساسية التي يرتبطُ بها بقاء النظام، كما يُشكّل الحلقة التي تتمكّن من إعادة تشغيل المؤسسة العسكرية، وتوجيهها، وأنّ القضاء على هذه البؤرة، يعني بشكلٍ واضحٍ تشظّي النظام الإيراني، ويعملُ على تحييد المؤسسة العسكرية الأيديولوجية؛ وهو تصوُّرٌ صحيحٌ إلى حدٍّ بعيدٍ، لكنْ ثمّة عقباتٍ تجعل تطبيق هذا السيناريو بمفرده صعباً، وبعيداً عن تحقيق ما هو مطلوب. وتتمثّلُ العقبة الأولى في إمكانية العُثور على موقع اختفاء القائد الإيراني الأعلى علي خامنئي؛ فعلى الرّغم من تلميح ترمب أثناء حرب الاثني عشر يوماً إلى أنّه يعرف موقع خامنئي، فإنّ القائد الإيراني الأعلى يُطبّق نظاماً مُعقّداً من التّخفّي، بما يجعلُ العثورَ على موقِعه الدّقيق أمراً مُستعصياً إلى حدٍّ بعيد، إذْ يحتاج إلى معلوماتٍ استخباراتيّة دقيقة جداً، خُصوصاً إذا أخذنا بالحسبان احتمال أنْ يكون الرّجل خارج العاصمة، أو خارج الجغرافيا الإيرانية. وإلى جانب ذلك، فإنّ سيناريو النّيْل من المجموعة السيادية (القائد الأعلى، والقيادات التي تطبق أجندته) من دون مُلحَقٍ يعالج المؤسسة العسكرية - الأيديولوجية التّابعة له، والمؤسسات السياسيّة الأخرى، سيُؤدي إلى فراغٍ سياسيٍّ، لا تقتصرُ آثاره ونتائِجُه السّلبيّة على المشهد الداخلي فحسب، وإنما تمتدُّ إلى ما وراء الحُدود؛ حيث تُكرِّسُ على الأرجح، انزلاق إيران إلى مرحلةٍ طويلةٍ من الفوضى.

السيناريو الثالث: الاستهداف الشامل للقدرات العسكريّة والقيادة السياسيّة؛ وهو مزيجٌ من السيناريوهين السابقين؛ إذْ يتصوّر أنْ تتضمّن الضّربة القيادات السياديّة، كما تتضمّن القواعد العسكريّة التابعة للحرس الثوري، وقوات البسيج، لضمان شلل الأذرع العسكرية للنظام السياسي الإيراني الرّاهن، أثناء عملية تقويض النظام السياسي. ويعملُ هذا السيناريو على تفادي جزءٍ كبيرٍ من نقاط ضعف السيناريوهين السابقين، لكنّه لا يقضي على احتمالات الفوضى التي يُمكن أنْ تخلِف تغييب القائد الإيراني الأعلى، باعتباره بؤرة المشهد السياسي والعسكري في إيران، وحلقة الوصل بين مؤسساته؛ كما أنّ الانتشار الجغرافي الواسع لقواعد الحرس الثوري، وقوات البسيج، وتحصيناتها الجيّدة، ستبقى تُشكّل عائقاً على طريق نجاحه. هذا فضلاً عن المُشكلة التي تخلقها حالة السّلاح المُنفلِت، نتيجةَ انهيار المؤسسة العسكرية الأيديولوجية، والقيادة السياسية/الأيديولوجية، بما يُنذِر بنشوء فلولٍ مُسلَّحةٍ واسعةٍ في مناطق عدّة من إيران. 

وهذه السيناريوهات الثلاثة كلها، تفترضُ أنّ الإدارة الأمريكية، تنوي الدُّخول في مواجهة مفتوحة مع النظام الإيراني، إما بُغية تعديلٍ جوهري في هياكله، أمْ بُغية إحداثِ تغييرٍ جوهريٍّ في سُلوكه. وهو افتراضٌ مُرجّحٌ حتى اللحظة، بحكم التّطورات، وطبيعة الشروط التي وضعها الرئيس ترمب؛ حيثُ تتضمّن شروطه المعلنة (تنازُلاً كاملاً عن التخصيب النووي، والتوسُّع الإقليمي، ووضع القدرات الصاروخية عند أقلّ من 500 كيلومتر، والاعتراف بإسرائيل، على أنْ يكون التّفاوض مع القائد الإيراني الأعلى أو من يمثّله). وهي شروطٌ يبدو أنّ مجموعة القيادة السّيادية في إيران ترفضُها حتى الآن.

أمّا في حال افترضنا أنّ الإدارة الأمريكية لا تنوي تطبيق مواجهة مفتوحة مع النظام الإيراني، وأنّها تخطّطُ لمواجهةٍ محدودة، تُبقي على مستويات ردّ الفعل الإيراني ضمن الحُدود الدُّنيا فإنّ هذه الحُشود العسكرية الأمريكيّة، ستعملُ على تحقيق أحد السيناريوهين التاليين:

1. التلويح بتطبيق الأسوأ، لدفع النظام السياسي الإيراني نحو التراجُع، والجلوس إلى مائدة المفاوضات الشّاملة؛ وهذا ما يمكنُ أنْ نستشفّه من أحاديث الرئيس الأمريكي ترمب، حيثُ أكّد في أكثر من محطّة في خلال الأيام الماضية، أنه يرجو ألا تضطرّ واشنطن إلى اللجوء إلى استخدام القوة، مُبيّناً أنّ الولايات المتحدة تُريدُ التّفاوض مع إيران. كما يُمكنُ استشعارُه من مواقف بعض رجال إدارة الرئيس ترمب، بمن فيهم المبعوث ستيف ويتكوف، الذي صرّح بأنّ واشنطن تفضّل المسار الدبلوماسي مع إيران. ومع ذلك، فإنّ نجاح المُخطط رهنٌ بالطبيعة التي يريدُها الفريق الأمريكي لمائدة المفاوضات، والشُّروط التي يبتغي وضعها على تلك الطاولة، ومدى تجاوب النظام الإيراني مع فكرة العودة إلى مُفاوضاتٍ تتناولُ ملفاته الجوهريّة، ومدى استعدادِه للتنازُل عن تلك الملفّات، مقابلَ حَصْد امتيازاتٍ، غالبيّتها تأتي على صعيد الاقتصاد.

2. الذّهاب نحو ضَرْب الملفات الخلافيّة، أيْ إنهاء التّهديد بدلاً من إطاحة النظام؛ من طريق هجمات مُركّزة تستهدفُ ما تبقّى من البرنامج النووي، كما تستهدفُ قواعد البرنامج الصّاروخي الإيراني، والدّفاعات الجويّة، للقضاء على ملفّين من أصل ثلاثة ملفات خلافيّة بين إيران والمجتمع الدولي. وفي هذا المستوي فإنّ المُراد من الهجمات، لن يكونَ التخلُّص من النّظام الإيراني، أو العمل على تغيير طبيعته، بمقدار ما يكونُ التخلُّص من التهديد الإيراني. ومن هذا المنظور، قد تؤدّي ضربة على هذا المستوى، إلى إنعاشِ الاحتجاجات الشعبية المناهِظة للنظام، لكنّ ذلك لن يكون الغاية الأساسية من شنّها بكل تأكيد. ومع أنّه سيكونُ خياراً وارداً، لكنّه لا يتناسبُ بكلِّ تأكيدٍ، مع الوعد الذي قطعه الرئيس ترمب وحاشيته بدعم المحتجين في إيران، كما أنّه يمكنُ أنْ يُعدَّ من جهة النّظر الإسرائيلية تفويتاً للفرصة التاريخية للتخلُّص من النظام السياسي الإيراني الذي شكّل على مدى عدّة عقود تحدّياً لمصالح الولايات المتحدة، وتهديداً وجوديّاً لأقرب حلفائها في الشرق الأوسط، وبوابةً لتغلغل القوى الشرقيّة إلى هذه منطقة النفوذ الأمريكي.

المُعضلة التاريخيّة للمُقاربة الأمريكيّة: الحاجة إلى مُلحقٍ سياسيّ للضّربة العسكرية

تنطلقُ المخاوف الإقليميّة من التدخُّل العسكري الأمريكي بشكلٍ عامّ، من أنّ فكرة اللجوء إلى الضّربة العسكرية للنّيل من النظام السياسي في إيران، من دون أنْ يتبع هذه الضّربة ملحقٌ سياسيٌّ واضحُ المعالم، يُعالجُ مشكلةَ الفراغِ النّاجم عن تغييب القيادات، ومُشكلة التّشظّي المُحتمَل في المؤسسة العسكرية/الأيديولوجية ستتضمّن تداعياتٍ، تجعلُ المشهد الإيراني المنكوب مشهداً مُستعصياً على الإدارة والتحكُّم. وتستحضرُ الذّاكرة الإقليميّة العديدَ من الشّواهد التّاريخية، والتّجارب القاسية عن تدخُّلاتٍ أمريكيّة غير محمودة العواقف في المنطقة. وتُقرّ الإدارة الأمريكية الحاليّة بالنتائج الكارثيّة لبعضِ هذه التّدخُّلات، وهي تُوجِّهُ نقداً لاذعاً، وبشكلٍ مُتكرّرٍ للإدارات الأمريكية السابقة المسؤولة عنها.

وبالنّظر إلى الدُّروس المُستمدّة من هذه التّجارب الأمريكيّة السّابقة فأغلب الظنّ أنّ الإدارة الأمريكيّة الحاليّة تعملُ على عدم تكرار هذه الأخطاء، عبر بلورة مثل هذا المُلحق السّياسي للتدخُّل العسكري المحتمل ضدّ إيران. ويمكنُ تصوُّر عدّة سيناريوهات لهذا المُلحَق السياسي الذي يُفترض بأنّ الإدارة الأمريكية تُعدّ العدّة له، لكنّه بكلّ الأحوال ينبغي أنْ يتضمّن هذا الملحق تغييراً من داخل النظام الإيراني، لا أنْ يستندَ إلى جرّ إيران نحو حالة الفراغ السياسي؛ فواقع المُعارضة الإيرانية الخارجية الهزيل، والانقسامات الحادّة بين صُفوفها، وضعف تمثيلها في الشارع الإيراني يعملُ على تكريس وجهة النّظر القائلة بأنّ هذه المعارضة/المعارضات لن تستطيع إدارة مرحلة انتقاليّة سلسة أو حتى قليلة المخاطر في البلاد. ويتطلّبُ هذا المسار خُضوع النظام السياسي الإيراني، أو ما يتبقّى منه بعد المواجهة العسكريّة، ودخوله في مُفاوضاتٍ لإدارة المرحلة الانتقاليّة، خاصّةً في حال تغييب القائد الإيراني الأعلى، وذلك من أجل الحيلولة دون نُشوء فوضىً محليّة، تنعكسُ آثارها السلبيّة على الأمن الإقليمي والدولي.

وبشكل عامّ، يبدو وفق طبيعة المشهد الإيراني الحالي، وبُنية مؤسساته العسكرية، أنّ هذا الملحق/المسار، يتطلّبُ تعاوناً من القيادات السياسية والعسكرية الداخليّة لإدارة المشهد الإيراني في المرحلة الانتقاليّة أو يفترضُ تنازلاً من القيادات الرّاهنة، نتيجةَ التّلويح بما هو أسوأ، وتخيير هذه القيادات بين إطاحة النّظام بالكامل، أو تطبيق خطوات انتقالية تُبقي على هياكله قائمةً. إنّها مواجهةٌ يعتمدُ نجاحُها، وتحقيقُ أهدافها على تعاون الخَصْم، أو خُضوعِه، وليس حذفُه من المشهد. 

مركز الإمارات للسياسات




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية