إرث أفغانستان هو مستقبل حروب الطائرات المسيرة

إرث أفغانستان هو مستقبل حروب الطائرات المسيرة

مشاهدة

04/11/2021

أحمد ليثي

من منظور تاريخي، قد تكون الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان أهم محرك للتغيير في حرب الطائرات المسيرة، أو الطائرات بدون طيار. في عام 2000، لم يكن لدى القوات الجوية الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية أية طائرة مسيرة مسلحة. لكن بحلول نهاية عام 2001، أصبحت ضربات الطائرات المسيرة تكتيكًا مهمًا ضد القاعدة في أفغانستان. ومنذ ذلك الحين، تضخمت عمليات الطائرات المسيرة، واستخدمتها القوات الأمريكية في العديد من المسارح الأخرى. لقد بدأت الطائرات المسيرة الكبيرة في الخروج من دور مكافحة التمرد إلى القتال الحربي التقليدي، وتلعب الطائرات المسيرة التكتيكية دورًا متزايد الأهمية في قتال المشاة. لكن ما كان لشيء من هذا ليحدث لولا حرب أفغانستان.

ليست هذه مجرد مسألة تقنية؛ فالطائرات المسيرة تشبه الطيران المأهول. وقد كان هناك طائرات بدائية غير مأهولة في الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية، قامت البحرية الأمريكية بتشغيل وحدة الطائرات المسيرة الهجومية STAG-1، التي قصفت أهدافًا يابانية محققة بعض النجاح. كانت الطائرات المسيرة موجودة في حربي كوريا وفيتنام، ولكن تم تهميشها مرارًا وتكرارًا، وتم إنهاء البرامج لصالح الطيران المأهول. في سبعينيات القرن الماضي، تم تجهيز الطائرات المسيرة بنجاح بأسلحة موجهة جديدة وتم تجربتها على الأهداف الأرضية، لكن لم يكن أحد مهتمًا. ولم تزدهر الطائرات المسيرة سوى في الظروف الخاصة لأفغانستان.

لطالما كانت نقاط ضعف الطائرات المسيرة واضحة. إذ أنها لا توفر الوعي الظرفي للطائرة الموجهة: ولا يمكن للمشغل عن بعد أن ينظر حوله ويرى ما يحدث. كما أن أجهزة التحكم عن بعد تتأخر في الاستجابة وتفتقر إلى القدرة على المناورة، بل وتكون عرضة للاصطدام عند الهبوط. لذلك، يميل كبار الضباط – الذين بدأ العديد منهم كطيارين مقاتلين – إلى رؤية أوجه القصور في الطائرات المسيرة وليس في إمكانياتها.

غيرت أفغانستان ذلك. لقد كانت طائرة “إم كيو-1 بريداتور” المسيرة موجودة منذ الصراع في يوغوسلافيا السابقة في التسعينيات. وهي بالأساس طائرة شراعية غير مأهولة تعمل بالطاقة، وقد فعلت ما لا تستطيع أي طائرة أخرى القيام به: الطيران فوق منطقة لمدة 20 ساعة أو أكثر على امتداد، مع الحفاظ على رؤية مستمرة للمنطقة مع أجهزة استشعار ليلاً ونهارًا عالية الدقة. ولذلك، أثبتت هذه الطائرات أنها لا تقدر بثمن لمشاهدة القرى ومعسكرات التدريب، وتعقب القوافل واكتشاف تجمعات المتمردين. وبالاقتران مع المعلومات الاستخباراتية على الأرض، ساعدت الطائرات المسيرة في تحديد “الأهداف عالية القيمة” – والتحكم في المتمردين.

مع ذلك، قد يكون من المحبط متابعة قائد أمام الكاميرا وقتله باستخدام طائرة هجومية، حيث قد يستغرق ذلك نصف ساعة أو أكثر. لكن تقدمت صناعة الطائرات خطوة مهمة في التسليح، إذ على الرغم من أن وضع صاروخ كبير على الطائرة المسيرة الصغيرة كان يمثل تحديًا. لكن تم تعزيز الأجنحة وأكدت الاختبارات أن الجناح المركب يمكن أن ينجو من الانفجار الخلفي العنيف الذي يحدث عند إطلاق صاروخ.

لقد فشل الإطلاق الأول لصاروخ “إيه جي إم-114 هيلفاير” من الطائرة “إم كيو-1 بريداتور” في أكتوبر 2001 فشلاً ذريعًا؛ حيث أخطأ إصابة القائد الأعلى لطالبان الملا عمر وكاد قادة برنامج الطائرات المسيرة أن يوقفوا من عملهم على الرغم من أن الضربة الثانية قتلت “محمد عاطف” في غضون أسابيع قليلة، وهو الذي صار القائد العسكري للقاعدة. بعد ذلك، انتقلت ضربات الطائرات المسيرة من مرحلة إلى مرحلة أعلى. حيث تم توسيع الأسطول الأولي للقوات الجوية المكون من 16 طائرة استطلاع فقط من طراز بريداتور بسرعة إلى حوالي 360 طائرة استطلاع وهجوم بريداتور في القوات الجوية الأمريكية في مارس 2018.

ثم جاء الدور على “بريداتور 2″، المعروفة باسم “إم كيو-9 ريبر”، وهي مركبة أكبر وأسرع وأكثر قوة. بينما كافحت طائرة بريداتور 2 لحمل صاروخين من طراز “إيه جي إم-114 هيلفاير”، يمكن لـ “إم كيو-9 ريبر” حمل ثمانية صواريخ، بالإضافة إلى 500 رطل من القنابل الموجهة بالليزر.

عززت مكافحة التمرد في أفغانستان، وفيما بعد في العراق وأماكن أخرى، من نمو حرب الطائرات المسيرة. إذ لا يمكن من مراقبة الجماعات المتطرفة من السماء بأي طريقة أخرى. وقد تهمش الطائرات المسيرة مرة أخرى بعد انتهاء الصراع بعد عدة سنوات، كما حدث في نهاية حرب فيتنام. لكن الحاجة المستمرة تعني أن تقنية الطائرات المسيرة قد تم تطويرها وتعزيزها بأجهزة استشعار جديدة وقدرات أخرى، على سبيل المثال، تتبع وتحديد اتصالات الهاتف المحمول وتحديد الهواتف.

يعني الصراع أن تكنولوجيا الطائرات المسيرة أصبحت أكثر نضجًا وأكثر ثقةً وثباتًا من الناحية التشغيلية مما كانت ستكون عليه قبل ذلك. وقد دفع هذا صانعي “جنرال أتوميكس” والقوات الجوية الأمريكية إلى البدء في تطوير إصدارات من “إم كيو-9 ريبر” للحروب التقليدية، وتغيير طريقة تشغليلها من طائرات اغتيال إلى طائرات مقاتلة، وتولي مهام الاستطلاع والحرب الإلكترونية والهجوم.

كانت حرب الطائرات المسيرة مثيرة للجدل إلى حد كبير، مع العديد والعديد من الادعاءات بسقوط ضحايا مدنيين وأبرياء جرى استهدافهم بالخطأ. تعد الطبيعة النائية لحرب الطائرات المسيرة، مع عدم وجود أحد على الأرض لتأكيد الحقيقة، مشكلة حقيقية ولا تظهر أي بوادر على أن تصبح أسهل بعد 20 عامًا من ضربات الطائرات المسيرة. إن المخاطر السياسية المنخفضة لضربات الطائرات المسيرة قد تجعلها جذابة – خاصة بعد الفشل الظاهر لـ “الجنود على الأرض” في أفغانستان – لكن هناك مخاوف جدية بشأن حقوق الإنسان على الجانب الآخر.

في حين أن الطائرات المسيرة الكبيرة قد استحوذت على كل اهتمام وسائل الإعلام، إلا أن الطائرات المسيرة الصغيرة قد يكون لها تأثير أكبر على المدى الطويل.

“آر كيو 11 رافن” طائرة مسيرة يتم إطلاقها يدويًا وتعمل بالبطارية وتزن حوالي أربعة أرطال وتشبه نموذج طائرة يتم التحكم فيها عن طريق الراديو. استخدمت في البداية من قبل القوات الخاصة وهي تزود القوات على الأرض باستطلاع جوي خاص بهم. ثم أدرك الجنود بسرعة قيمتها في حماية المحيط، وحراسة القوافل والدوريات، وتوجيه نيران قذائف الهاون واستكشاف مواقع العدو المحتملة. فصنعت آلاف الطائرات للقوات الأمريكية، مما يجعل هذه الطائرة هي النوع الأكثر شيوعًا في الاستخدام.

ربما تم تطوير مثل هذه الطائرات المسيرة دون اندفاع الحرب في أفغانستان. ولكن، بالنظر إلى أن الأفكار المماثلة كانت موجودة منذ عقود، فإن الحرب في أفغانستان كانت بمثابة محفز لحدوثها.

في هذه الأثناء، بدأ المتمردون في استخدام طائرات مسيرة خاصة بهم، وتعديل طائرات مسيرة للمستهلكين كقاذفات قنابل يدوية. في حين كان تنظيم داعش هو الرائد في هذا التكتيك في عام 2016، وبحلول أواخر عام 2020، كانت طالبان تستخدم أيضًا طائرات بدون طيار للهجوم المرتجل فيما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه: “تحول مقلق”. مرة أخرى، ظهرت هذه التكتيكات بسبب الفترة الطويلة للحرب.

يمكن تذكر أفغانستان كأول حرب حقيقية بطائرات مسيرة. ومن المرجح أن تكون كل حرب مستقبلية حربًا بطائرات مسيرة؛ حيث تقوم هذه الطائرات والمركبات الأرضية بدور أكبر في النزاعات، ويمكن القول إنها نتيجة مباشرة للتجربة الأفغانية.

وفي الحروب المستقبلية، حتى في حركات التمرد المضادة، ستكون هناك طائرات مسيرة على جانبي الصراع.

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية