
في ميناء غزة البحري، وبين القوارب الخشبية المتهالكة المصطفة كأنّها تنتظر دورها في الحكاية، يجلس الصياد خليل الهسي (52 عاماً)، الذي يعمل صياداً منذ أكثر من ثلاثة عقود، على طرف قاربه الخشبي، ويمرر يده على ألواح متشققة، ويقول بصوت يختلط فيه التعب بالأمل: "البحر كان بيتي الثاني، واليوم أصبحت أخرج إليه كأنني أغامر بكل شيء".
وقبل الحرب الإسرائيلية على غزة كان الهسي يمتلك مركباً بمحرك حديث نسبياً، وشباكاً كلفته سنوات من الادخار، لكنّ القصف لم يبقِ له سوى بقايا أخشاب وبعض الشباك المحترقة.
وكان 5 آلاف صياد يعملون في قطاع الصيد، وقد تقلص العدد حالياً إلى 400 يعملون على قوارب صغيرة جداً ضمن نطاق بحري لا يتجاوز 800 متر تحت تهديد يومي مستمر من البحرية الإسرائيلية.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: إنّ 100% من الثروة السمكية تضررت نتيجة استهداف الاحتلال لمناطق الصيد.
ويُعتبر قطاع الصيد ثاني أهم قطاع إنتاجي في غزة بعد الزراعة، وقد دمّر الاحتلال خلال أشهر الحرب الأولى 95% من مراكب الصيادين لإحداث عجز في تأمين الغذاء لأكثر من مليوني فلسطيني.
وكان ميناء غزة يؤمن ما نسبته 70% من الإنتاج السمكي في قطاع غزة، ويصدّر في كثير من الأحيان إلى الضفة الغربية.
ودمّر الاحتلال ميناء غزة بأكثر من 26 صاروخاً من مقاتلات "إف 16" وشطره إلى نصفين، ممّا أدى إلى غرق مئات المراكب والقوارب البحرية الصغيرة، والمراكب السياحية، فضلاً عن تدمير محلات بيع الأسماك والمنشآت المرتبطة بقطاع الصيد.
شباك مُمزقة وأحلام مُعلقة
ويضيف الهسي وهو يشير إلى مركب تقليدي بلا محرك: "في ليلة واحدة فقدت المركب والشِباك، وكل شيء احترق، ولم أعد أملك سوى هذا القارب الصغير الذي أصلحته بيدي".
ويشرح: "الشِباك ليست مجرد خيوط، فهي رأس المال، وعندما تتمزق، يتمزق معها مصدر رزق العائلة، فإصلاح الشِباك يحتاج إلى مواد غير متوفرة بسهولة، وأسعارها تضاعفت مرات عدة، في ظل الحرب والحصار ونقص الإمدادات".
ويوضح الهسي: "لم يعد هناك وقود، حتى لو توفر، فثمنه فوق طاقتنا، فأخرج بمركب المجداف لمسافة قصيرة، لكنّ الصيد يكون قليلاً، ماذا نفعل؟ البيت ينتظر واحتياجاته كثيرة".
العودة إلى القوارب التقليدية
وهذه القوارب تحدّ من قدرة الصيادين على الوصول إلى مناطق الصيد الأبعد، حيث تكون الأسماك أوفر، ويقول: "كنا نذهب إلى مسافات أبعد، نصطاد ما يكفي لنبيع ونعيش بكرامة، اليوم نصطاد بالكاد ما يسدّ رمقنا".
ويؤكّد الهسي: "مع غروب الشمس أعود بقارب الصيد الصغير، وبصيد متواضع، لكنّه يحمل معنى أكبر من حجمه، بأنّ البحر ما زال نافذة للحياة حتى في أصعب الظروف".
ويكمل حديثه: "عندما أجد سمكة في الشبكة أشعر أنّ الحياة ما زالت ممكنة، فنحن أبناء البحر، وسنبقى خلف الشِباك ما بقي فينا نفس، فهذه المهنة ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، أمّا الحرب فقد تكسر الخشب، لكنّها لا تكسر إرادتنا".
ويلخص الهسي المشهد قائلاً: "نحن لا نطلب المستحيل، ونريد أن نعمل فقط، البحر أمامنا، لكنّ الوصول إليه أصبح أصعب من أيّ وقت مضى".
مركب صار حطاماً
وعلى رصيف ميناء غزة، حيث تختلط رائحة الملح بالمراكب المحترقة والمدمرة، يجلس الصياد لطفي النجار (47 عاماً) ممسكاً بإبرة كبيرة يخيط بها شبكة ممزقة، ويرفع رأسه نحو البحر، ثم يعود إلى خيوطه المتشابكة، وكأنّه يخيط ما تبقى من حياة مزقتها الحرب، ويقول بصوت مبحوح: "نحن لا نعرف مهنة غير البحر، كبرنا على صوته، وتعلمنا منه الصبر، لكنّ ما جرى لنا خلال الحرب لم يمر علينا من قبل".
وقبل اندلاع الحرب كان النجار يمتلك مركب صيد متوسط الحجم يعمل بمحرك الديزل، ويعمل عليه أربعة صيادين من أقاربه، كانوا يخرجون مع بزوغ الفجر ويعودون عند الظهيرة بحمولة تكفي لإعالة عائلاتهم الخمس، ويقول: "كان المركب رأس مالنا، وقد بذلنا فيه تعب سنين طويلة، وأعرف كل لوح خشب فيه، ولكن حين تعرّض الميناء للقصف الإسرائيلي، ذهبت لأتفقد مركبي فوجدته كومة من الأخشاب المتفحمة".
ويضيف وهو يقبض على كفه: "وقفت أتأمله غير مصدق، وشعرت كأنّ إنساناً فقد ابنه، لكن كان بجواره مئات المراكب التي تضررت ودمرت، واحترقت شباكها وتقطعت، وتبعثر ما تبقى فيها من أدوات الصيد داخل مياه البحر".
ويمدّ النجار شبكة مهترئة أمامه، ويشير إلى الثقوب الكبيرة فيها ويكمل: "هذه تحتاج أياماً لإصلاحها، وإذا لم تتوفر الخيوط المناسبة، تبقى ضعيفة، وغالباً ما نلجأ إلى جمع بقايا الشِباك القديمة وضمها ببعضها بعضاً، لتشكيل شبكة جديدة أقلّ جودة".
ومع انعدام الوقود وارتفاع ثمنه بشكل غير مسبوق، ورفض الاحتلال دخول المحركات التي تعمل بالديزل، اضطر النجار هو وعدد من زملائه للعودة إلى القوارب التقليدية الصغيرة التي تعتمد على المجاديف، ويوضح: "نخرج اثنين في قارب، ونجدف ساعة كاملة لنصل إلى مسافة قصيرة، فالتعب مضاعف، والصيد أقلّ".
البحر نافذة الحياة
ومن دون محرك لا يستطيع النجار الابتعاد كثيراً عن الشاطئ، فالمسافة التي كان يقطعها في نصف ساعة يحتاج اليوم إلى ساعتين ليبلغها، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويقول موضحاً: "يصبح الموج عدوّاً حين تكون في قارب صغير، ولا نستطيع أن نغامر كثيراً".
في بيت النجار تنتظر زوجته وأطفاله الخمسة ما يعود به من البحر، ويبين: "أحياناً أرجع ومعي القليل فقط، وبالكاد يكفي لوجبة واحدة، إلا أنني أضطر لبيع جزء بسيط من الأسماك لأشتري خبزاً وخضاراً".
ويرفض النجار فكرة ترك البحر، ويؤكد: "لو عملت في أيّ مهنة أخرى لشعرت بأنني غريب، فهنا مكاني، والبحر شاهد على كل ما مررت به، فالبحر قاسٍ أحياناً، لكنّه كريم مع من يصبر".
ويتابع النجار بثقة: "غداً سأخرج مرة أخرى، وحتى لو اضطررت إلى التجديف بيديّ لأيام وليس لساعات، فلن أترك البحر، فهو حياتي وملاذي الذي لا أستغني عنه".
خسائر فادحة
يقول رئيس لجان الصيادين بغزة زكريا بكر: إنّ "الاحتلال الإسرائيلي يمنع الصيادين منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 من دخول البحر وممارسة مهنة الصيد، وفي حال قيام الصيادين بدخول البحر يتعرضون لإطلاق النار المباشر من الزوارق الحربية والطائرات المسيّرة".
ويضيف بكر: "قطاع الصيد بغزة تعرّض إلى خسائر فادحة على الصعيد الاقتصادي والبشري، حيث تسببت الحرب بمقتل 230 صياداً، من بينهم 67 صياداً قتلوا أثناء ممارسة مهنة الصيد، عدا عن إصابة 100 صياد واعتقال 100 آخرين".
ويوضح: "الحرب والقصف الإسرائيلي تسببا بتدمير 95% من قطاع الصيد، وتدمير 740 حسكة صغيرة ومتوسطة وكبيرة، من أصل 850 حسكة، وكذلك تدمير 95 لنشاً كبيراً للصيد من أصل 96، بالإضافة إلى تدمير 800 مركب صغير بمجداف من أصل 1200 مركب، وتدمير 250 غرفةً ومخزناً للصيادين بشكل كلي، و50 غرفةً بشكل جزئي من أصل 350 غرفةً ومخزناً".
ويؤكّد: "قبل حرب الإبادة كان قطاع الصيد ينتج 3500 إلى (4) آلاف طن سنوياً من الأسماك، في حين تقلصت كمية إنتاج الأسماك إلى أقلّ من 2% من حجم الإنتاج الطبيعي ما قبل حرب الإبادة الاسرائيلية".
ويتابع: "غالبية الصيادين بغزة باتوا مجبرين على ترك مهنة الصيد واللجوء للعمل بمهن أخرى أو البقاء عاطلين عن العمل بسبب منع الاحتلال للصيادين من ممارسة عملهم، حتى وصل عدد الصيادين الذين يعملون حاليّاً بهذه المهنة إلى 500 صياد فقط من أصل (5) آلاف صياد".
ويرى بكر أنّ "قطاع الصيد بحاجة ماسة إلى بناء من جديد على كافة المستويات، الأمر الذي يتطلب الضغط الدولي والرسمي على الاحتلال للسماح بإدخال معدات الصيد ومواد تصنيع المراكب، لإنقاذ هذا القطاع من الكارثة الكبيرة التي حلت به والتي أدت إلى تدمير قطاع الصيد بشكل نهائي".




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)