
في حي الرمال بقلب مدينة غزة يقف الشاب علاء الجاروشة (29 عاماً) أمام صيدلية صغيرة في أحد أزقة الحي ممسكاً بقائمة أدوية لشرائها.
الجاروشة أب لطفلين، يعاني من مرض مزمن في القلب منذ سنوات، وهو واحد من آلاف المواطنين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع نقص الأدوية الأساسية.
وكشفت وزارة الصحة في غزة عن واحدة من أسوأ الأزمات الدوائية في تاريخ القطاع، فقد وصلت نسب نفاد الأدوية والمستهلكات الطبية إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما أدى إلى توقف خدمات حيوية بالكامل ووضع آلاف المرضى أمام مصير خطير.
وبينت الوزارة أنّ الوضع الدوائي في غزة "كارثي جداً"، ولم تمرّ الوزارة بأزمة مشابهة من قبل، موضحة أنّ أكثر من 71% من قائمة المستهلكات الطبية الأساسية أصبحت صفراً، وأكثر من 55% من قائمة الأدوية الأساسية غير متوفرة.
وأشارت إلى أنّ هذا النقص أدى إلى توقف خدمات كاملة مثل القسطرة القلبية وجراحة القلب المفتوح وجزء كبير من جراحات العظام، وباتت خدمات العمليات والعناية والطوارئ مهددة بالتوقف في أيّ لحظة بعد اختفاء أكثر من ثلث مستلزماتها.
وعن الفئات الأكثر تضرراً، بينت الوزارة أنّ الضرر الأكبر يطال مرضى الأورام وأمراض الدم، وأنّ 69% من أدوية هذه الفئة غير متوفرة، وهو ما يعني توقف بروتوكولات العلاج بالكامل، ومرضى غسيل وزراعة الكلى جزء كبير من مستلزماتهم الأساسية غير متوفر، وهو ما يهدد استمرار الخدمات، وكذلك مرضى الأمراض المزمنة فأكثر من 69% من أدوية الرعاية الأولية مفقودة، وهم يشكلون شريحة كبيرة من المجتمع، كما أنّ أكثر من 34% من مستلزمات أقسام الطوارئ غير متوفرة، بما في ذلك مواد أولية مثل شاش العمليات.
رحلة البحث عن الدواء
يبدأ الجاروشة يومه في البحث عن الأدوية منذ ساعات الصباح الأولى، ويقول: "أحياناً أذهب إلى ثلاث أو أربع صيدليات لأجد دوائي، وأحياناً لا أجد شيئاً على الإطلاق، حتى أصبحت حياتي كلها تعتمد على الحظ".
ويضيف: "أدويتي الأساسية للضغط والقلب قد انتهت منذ أسبوع، وأنا الآن أعيش على جرعات أقلّ من اللازم، وكل يوم أخاف أن يحدث شيء لي فجأة".
الجاروشة يحكي كيف يضطر للجوء أحياناً إلى بدائل أقلّ فعالية، ويبين: "أحياناً أشتري دواء ليس تماماً كما وصفه الطبيب، لكن ليس لديّ خيار آخر، أعرف أنّ هذا قد يؤذي صحتي، لكن ما العمل؟".
ويوضح: "الأسعار المرتفعة للأدوية في السوق السوداء أو الصيدليات الخاصة تجعل الوضع أكثر صعوبة، فراتبي بالكاد يكفي للمعيشة، والدواء أصبح رفاهية لا أستطيع تحملها إلا بشق الأنفس".
ويعبّر الجاروشة عن إحباطه من الوضع الصحي في غزة: "المستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية، وأحياناً يضطر الأطباء لتأجيل العلاج أو استخدام بدائل أقلّ فعالية، ونحن نتحمل العواقب".
وفي نهاية حديثه يقول الجاروشة: "نريد أن نعيش حياة طبيعية، بدون خوف من نفاد الدواء، ونريد أن نكون أماناً لأولادنا وللمجتمع، هذه هي حياتنا اليومية الآن، البحث عن علاج في غياب الدواء".
بدائل مؤقتة وحلول صعبة
الفلسطيني خالد الهندي من مخيم جباليا شمال قطاع غزة يعاني من ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري المزمن، وهو واحد من آلاف المرضى الذين يواجهون نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
ويروي الهندي بصوت متعب: "أذهب إلى الصيدليات كل أسبوع بحثاً عن الدواء، وأحياناً أجد شيئاً، وأحياناً أعود خائباً، حتى عندما أجد الدواء، غالباً ما يكون بسعر مرتفع لا أستطيع تحمله بسهولة".
ويضيف: "في بعض الأيام أضطر لتقليل الجرعة أو استخدام بدائل غير مناسبة، وهذا يؤثر على صحتي بشكل كبير، فكل يوم أخاف أن يحدث لي شيء فجأة".
ويشرح الهندي كيف يحاول التعامل مع هذا الوضع: "أحياناً أطلب المساعدة من أصدقائي أو أقاربي، وأحياناً أبحث عن الدواء في صيدليات بعيدة، وأصبح البحث عن العلاج جزءاً من حياتي اليومية".
ويتابع: "كل يوم هو صراع بين المال والدواء، أحياناً أضطر لشراء الأدوية من السوق السوداء بسعر أعلى بكثير، وغالباً ما تكون منتهية الصلاحية، لكن لا بدائل أخرى أمام المريض فإمّا الموت وإمّا النجاة".
ويؤكد الهندي: "نحن نعيش في غزة، ولكنّ الحصول على دواء أساسي أصبح حلماً بعيد المنال".
أوضاع صحية حرجة
يرى د. أحمد حميد، رئيس قسم الاستقبال والطوارئ بمستشفى "أبو يوسف النجار" أنّ "الوضع الحالي للمخزون الدوائي للمستشفيات حرج جداً، وتعاني المستشفيات نقصاً شديداً في أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري، وضغط الدم، وأدوية السرطان، وبعض الأدوية تصل بشكل متقطع ولا تكفي الأعداد الكبيرة من المرضى".
ويضيف حميد: "هناك أعداد كبيرة من المرضى بغزة الذين يتأثرون بنقص الأدوية، كالمصابين بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والقلب وهم الأكثر تأثراً، لأنّها تحتاج إلى علاج يومي مستمر، أيضاً مرضى السرطان وأمراض الأطفال المزمنة يعانون بشكل كبير بسبب الحاجة لأدوية متخصصة".
ويوضح: "عدم توفر الأدوية للمرضى أدى إلى حدوث مضاعفات خطيرة لأعداد كبيرة منهم، كارتفاع ضغط الدم المفاجئ، ومضاعفات السكر، وأزمات قلبية، وفي بعض الحالات تفاقم السرطان بسبب تأجيل العلاج الكيميائي، وللأسف، بعض هذه المضاعفات قد تكون قاتلة إذا لم يتم توفير الدواء في الوقت المناسب".
ويتابع: "كأطباء نحاول استخدام بدائل أقلّ فعالية أحياناً، أو تعديل الجرعات لتغطية أكبر عدد من المرضى، لكنّ هذه الحلول مؤقتة وغير مثالية، وقد تؤثر على صحة المرضى على المدى الطويل".
ويؤكّد: "نقص الدواء يؤثر على الحالة النفسية للمرضى وعائلاتهم، فبات القلق والخوف جزءاً من حياتهم اليومية، وكثير من المرضى يشعرون بالعجز، والعائلات تعيش حالة توتر مستمر خوفاً من فقدان أحد أفرادها بسبب عدم توفر الدواء".
ويتابع: إنّ "التحدي الأكبر الذي يواجهنا كأطباء هو عدم القدرة على تقديم العلاج الأمثل للمرضى، فنقص الأدوية والمستلزمات الطبية يجعل عملنا صعباً، وأحياناً يكون قرارنا بين تقديم علاج جزئي أو تأجيله، وهذا أمر مؤلم لكل طبيب".




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)