
في داخل مخيم منارة الحياة بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، تجلس على الأرض فاطمة علي (46 عاماً) التي نزحت مع عائلتها بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي منزلها وقد أسندت ظهرها إلى عمود خشبي ضعيف يسند الخيمة.
تقول بعد لحظة صمت طويلة: "أتعرف ماذا يعني ألّا يكون لديك مكان خاص بك؟ لا أقصد فقط مكاناً تنام فيه، وإنّما أقصد مكاناً تبكي فيه دون أن يراك أحد، وتتحدث فيه بحرية، ونحن فقدنا هذا كله".
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م، قُتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، بينهم ما يزيد على 12 ألف امرأة، وأصيب أكثر من 171 ألفاً، أكثر من 70% منهم من الأطفال والنساء.
وتقول الأمم المتحدة إنّ هناك أكثر من 690 ألف امرأة وفتاة في غزة يحتجن إلى منتجات النظافة الشهرية، بالإضافة إلى المياه النظيفة والمراحيض.
وحذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من مخاطر صحية متفاقمة تُهدد حياة 2.2 مليون فلسطيني في قطاع غزة، أكثر من 85% منهم نازحون، نتيجة الانهيار الحاد في شروط النظافة لا سيّما في الخيام ومراكز الإيواء المكتظة، وهو ما يُنذر بتفشٍ واسع للأمراض المعدية.
وبحسب دراسة لهيئة الأمم المتحدة عام 2024، فإنّ 75% من نساء غزة يعانين من اكتئاب دائم، و62% يعانين من صعوبة في النوم، و65% من التوتر والكوابيس، لكن خلف الأرقام تبقى المعاناة أعمق؛ فنساء غزة أصبحن معيلات لأسرٍ فقدن فيها الأزواج، وحملن مسؤوليات لم يتخيلن يوماً أن يحملنها.
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإنّه منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ما زالت المرأة الفلسطينية تواجه تحديات جسيمة للتعافي واستعادة الحياة الطبيعية، حيث نزح مليونا نسمة بينهم نحو مليون امرأة وفتاة، وهناك ما لا يقلّ عن 13 ألف امرأة أصبحن أرامل ويحاولن إعالة أسرهن، في ظل عدم توفر أماكن آمنة للناجيات بالقدر الكافي.
وتشكل النساء والأطفال ما نسبته 69% من إجمالي الجرحى، كما أنّ 70% من المفقودين في قطاع غزة هم من النساء والأطفال، حيث بلغ عددهم 14222 مفقوداً.
تفاصيل يومية تتحول إلى معاناة
تتنهد فاطمة، ثم تتابع بصوت منخفض: "الخيمة لا تستر شيئاً، كل كلمة تقال تُسمع، وكل حركة تلاحظ، حتى الخلافات الزوجية أصبحت علنية، رغم أننا نحاول أن نهمس، لكن لا فائدة، فالصوت يمر من كل الجهات".
وتشرح كيف تغيرت طبيعة العلاقة بينها وبين زوجها، وتكمل: "لم نعد نتحدث كما كنا سابقاً قبل الحرب، هناك أشياء كثيرة لا يمكن قولها هنا، وحتى المزاح بيننا اختفى، ونشعر دائماً أنّ هناك من يسمعنا ويراقبنا، حتى لو لم يكن يقصد".
وداخل الخيمة، تتشارك فاطمة وزوجها وأطفالها الأربعة مساحة ضيقة، قطعة قماش رقيقة تفصلهم عن عائلة أخرى، وتقول: "أحياناً أستيقظ في الليل لأعدل ملابسي، فأشعر بالخجل، رغم أنني داخل خيمتي، لكن ماذا أفعل؟ لا يوجد مكان أختبئ فيه، حتى النوم أصبح مرهقاً، لأنك دائماً منتبه لأيّ حركة حولك".
وتصف واحدة من أكثر اللحظات صعوبة: "تغيير الملابس هو كابوس يومي، وأحاول أن أختار أوقاتاً يكون فيها الأطفال نائمين، لكن حتى هذا غير مضمون، وأحياناً أضطر أن أطلب من الجميع أن يلتفتوا للجهة الأخرى، فتخيل هذا المشهد داخل عائلة واحدة".
وتتغير ملامحها عندما تتحدث عن بناتها، وتوضح: "عندي بنتان في سن المراهقة، لم أعد أعرف كيف أتعامل مع وضعهما هنا، في البيت كان لكل واحدة غرفتها أو على الأقل مساحة تشعر فيها بالأمان، وهنا كل شيء مكشوف".
النساء يدفعن الثمن الأكبر
وتسكت قليلاً، ثم تضيف بصوت مكسور: "أشعر أنني قصرت في حقهن، رغم أنّ الأمر ليس بيدي، فالبنت تحتاج خصوصية، وتحتاج أن تشعر بأنّها بعيدة عن العيون، لكن في الخيمة لا يوجد هذا الشعور".
وتكمل: "حتى أحاديثنا كأم وبناتها لم تعد كما كانت، هناك مواضيع لا أستطيع أن أفتحها هنا، لأنّ الجميع قد يسمع، وأؤجل الحديث لأيام، وربما أنساه".
وتتابع بصراحة: "حتى التعبير عن المشاعر أصبح صعباً، فلا تستطيع أن تكون على طبيعتك، فهناك دائماً حاجز نفسي، وشعور بأنك مراقب، وهذا يخلق توتراً بين الزوجين، حتى لو لم نتحدث عنه، فنصمت لساعات، ليس لأننا غاضبان، بل لأننا لا نجد المساحة المناسبة للحديث".
الأطفال يعيشون في واقع مختلف تماماً عمّا كان ينبغي أن يعيشوه: وتوضح: "أطفالي لم يعودوا يفهمون معنى الخصوصية، وكل شيء مشترك، وهذا يؤثر على تربيتهم وسلوكهم".
وتستذكر: "في البيت كان لكل طفل زاوية يلجأ إليها عندما يغضب أو يحزن، وهنا، لا يوجد مكان للهروب، وحين طلب منها أن تختصر ما تفتقده أكثر، لم تذكر الكهرباء أو الماء أو حتى الأمان، بل قالت: "أفتقد الباب، مجرد باب أستطيع أن أغلقه".
وتؤكد: "نحن نعيش ضغطاً نفسياً كبيراً، حتى أبسط الأمور مثل الجلوس بحرية أو ترتيب ملابسنا أصبحت معقدة، فالإنسان يمكن أن يتحمل الجوع، لكنه لا يستطيع أن يعيش مكشوفاً طوال الوقت".
التربية في بيئة بلا جدران
أمّا الأربعينية صابرين حسونة، وهي سيدة، تعيش منذ أشهر داخل خيمة لا تقي حراً ولا برداً ولا تحفظ سراً، في داخل مخيم للنازحين بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة.
وتبدأ حسونة (41 عاماً) حديثها بتعريف بسيط لكنّه عميق، وتقول: "الخصوصية ليست رفاهية، هي راحة نفسية، فعندما تفقدها تشعر أنك دائماً تحت ضغط، حتى لو لم يكن هناك أحد يقصد إيذاءك".
وتشرح كيف تغير شعورها بنفسها: "كنت في بيتي أعرف متى أكون وحدي، الآن لا يوجد هذا الوقت، حتى وأنا صامتة، أشعر أنني مكشوفة".
وتضيف: "أحياناً أريد فقط أن أبكي، لكنني أؤجل ذلك، لأنّ البكاء هنا ليس خاصاً، بل يسمع ويلاحظ، فداخل الخيمة تختفي فكرة "الغرفة"، فالجميع في مكان واحد، وكل نشاط مهما كان بسيطاً يصبح مشتركاً".
وتكمل حسونة: "نأكل معاً، وننام معاً، ونختلف معاً، ليس لأننا نريد ذلك، بل لأننا مجبرون، حتى الصمت لم يعد خاصاً، فإذا جلست بهدوء، يسألك أحدهم: ماذا بك؟ لأنّ كل شيء مكشوف".
لا مساحات آمنة
وتتحدث حسونة بصراحة لافتة وتوضح: "العلاقة بين الزوجين تحتاج مساحة آمنة، وهنا لا توجد هذه المساحة، حتى أبسط لحظات القرب أو الحديث الخاص أصبحت مستحيلة، ونشعر دائماً أنّ هناك من قد يسمع، حتى لو كان الجار خلف قطعة قماش".
وحين تنتقل للحديث عن أبنائها، يتغير صوتها وتكمل: "أبنائي يعيشون في مكان لا توجد فيه حدود، وأرى الحرج في عيونهم، لكن لا أملك حلاً، ونحاول أن نتأقلم، لكنّ الأمر ليس سهلاً".
وترى حسونة أنّ غياب الخصوصية يؤثر على التربية بشكل مباشر، وتتساءل: "كيف أعلم أولادي مفهوم الاحترام والحدود، ونحن نعيش في مكان لا توجد فيه حدود أصلاً؟ الأبناء يرون ويسمعون كل شيء، ولا يمكنك التحكم في ما يصل إليهم".
وتتحدث حسونة عن شعور جديد لم تعهده: "داخل المخيم الجميع قريب من الجميع، وهذا يخلق نوعاً من الرقابة غير المقصودة، فالناس لا تقصد، لكنك تشعر أنّ كل تصرف يلاحظ، وهذا يجعلك تفكر كثيراً قبل أيّ خطوة".
وفي ختام الحديث، تختصر حسونة معاناتها بكلمات واضحة، وتقول: "الكرامة ليست فقط في الطعام أو الشراب، بل في أن يكون لك مكان خاص، فنحن لا نعيش فقط في خيام، بل في حالة انكشاف دائم".
ضغط نفسي مزمن
تقول الإخصائية النفسية بمركز الأمل الصحي في غزة د. نسرين الشافعي: إنّ "فقدان الخصوصية لدى سكان الخيام بغزة يتسبب في حدوث ضغط نفسي مزمن، فالشخص يعيش في حالة انكشاف دائم، وهو ما يرفع مستويات القلق والتوتر، ويخلق شعوراً مستمراً بعدم الأمان، حتى في غياب تهديد مباشر".
وتضيف الشافعي: "غياب الخصوصية أيضاً يضع الأسرة تحت ضغط دائم، فلا توجد مساحة لحل الخلافات بهدوء، ولا فرصة للتعبير الفردي، ممّا يزيد من الاحتكاك والتوتر بين الأفراد".
وتوضح: "النساء هنّ الأكثر تأثراً بفقدان الخصوصية، لأنّ احتياجاتهن أعلى بحكم عوامل بيولوجية واجتماعية وثقافية، وغياب هذه الخصوصية يولد شعوراً دائماً بالانكشاف، وهو ما يؤدي إلى القلق والخجل وربما فقدان الإحساس بالأمان الجسدي. ويؤثر غياب الخصوصية على الفتيات المراهقات، لأنّ المراهقة هي مرحلة حساسة لتكوين الهوية، وغياب الخصوصية قد يؤدي إلى اضطراب في صورة الجسد، وزيادة الشعور بالخجل أو الانسحاب، وربما صعوبة في بناء الثقة بالنفس".
وتؤكد الشافعي: "للتخفيف من غياب الخصوصية في ظل الإمكانيات المحدودة، لا بدّ من خلق تقسيمات بسيطة داخل الخيمة، وتحديد أوقات للخصوصية قدر الإمكان، وتعزيز الحوار داخل الأسرة".




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)