جيش الظلال: كيف أعادت حرب أفغانستان المرتزقة إلى الواجهة؟

جيش الظلال: كيف أعادت حرب أفغانستان المرتزقة إلى الواجهة؟

مشاهدة

04/09/2021

محمد العربي

بين عامي 2017 و 2018، اقترح إريك برنس، مؤسس شركة بلاك ووتر الشهيرة، والمستشار غير الرسمي لدونالد ترامب، على الإدارة الأمريكية أن تقوم بخصخصة الحرب في أفغانستان بشكل كام. أي أن تتحول كافة القوات المقاتلة إلى قوات المتعاقدين الأمنيين المقاتلين. بلغت تكلفة خطة برنس ٥ مليارات دولار، إلا أنه أكد أن دافع الضرائب الأمريكي لن يتحمل أية تكلفة إضافية في الحرب، إذ أن قوات المتعاقدين نفسها ستقوم باستغلال المناجم والثروات المعدنية التي تحظى بها أفغانستان. وسيشرف عليهم نائب أمريكي. وبهذا سيحقق المتعاقدون للولايات المتحدة ما لم تحققه قوات الناتو خلال سبعة عشر عامًا. وجدت خطة برنس قبولاً لدى بعض الدوائر في واشنطن، إلا أن تطبيقها كان يعني انتحارًا سياسيًّا لإدارة ترامب؛ فقد بمثابة اعتراف بفشل كبرى جيوش العالم في التصدي للتمرد الذي تقوده طالبان.

إلا أن هذه الخطة لم تكن بعيدة تمامًا عن الواقع؛ فقد توسعت الإدارتان السابقتان، بوش الابن وأوباما بالفعل في استخدام المتعاقدين في حربي أفغانستان والعراق؛ حيث بلغ حجم المتعاقدين في الحربين 70% و50% من إجمالي القوات العاملة على التوالي. في الواقع، كانت هاتان الحربان بمثابة نقطة تحول في تاريخ شركات المرتزقة والمتعاقدين؛ إذ أنهما أكدت على عودتهم القوية بعد قرون من العمل في الخفاء. بسبب توسع الطلب الأمريكي على خدمات المرتزقة والمتعاقدين[1]، تحول هؤلاء المقاتلون من مجرد بنادق للإيجار إلى شركات كبرى يتم تداول أسهمها في بورصات نيويورك، ومكونًا رئيسًا في الحرب الحديثة. وفي أفغانستان، ساهم اعتماد القوات الأمريكية والحكومة الأفغانية على المرتزقة في تعزيز مكانة وثروات “أمراء الحرب” وأذكت أيضًا الصراعات القبلية.     

الاعتماد الأمريكي المتزايد على المتعاقدين والمرتزقة

كان التصور الرئيس للحرب على الإرهاب، كما قال رامسفيلد إن هذه الحروب لن تستغرق خمسة أيام أو خمسة أسابيع أو خمسة شهور على الأكثر، وليس أكثر من هذا. إلا أن أمد الحربين قد طال، واستغرق الخروج من العراق ثمان سنوات، ومن أفغانستان عقدين. لذا، فكانت الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الأمريكي إما التوسع في التجنيد، وهو بمثابة مخاطرة انتخابية تعيد ذكريات فيتنام؛ أو الانسحاب السريع من البلدين، وهو أيضًا بمثابة انتحار سياسـي. فكان الاختيار الثالث الاستعانة بشركات الأمن الخاصة والتوسع في ذلك.

لقد أدرك القليلون بمرور الوقت أن معظم العاملين مع الجيش الأمريكي ليسوا أمريكيين. فلخفض التكاليف، استعانت وزارة الدفاع الأمريكية بشركات قادرة على تجنيد متعاقدين من دول العالم الثالث. وبلغ عدد هؤلاء وفقًا لتقرير الوزارة في 2018 حوالي 50 ألف متعاقد يعملون في نطاق القيادة المركزية الأمريكية وبلغ عدد الأمريكيين فيهم 20 ألف متعاقد. والكثير من هؤلاء كانوا من غير المسلحين، ويقومون بوظائف غير قتالية. أما المرتزقة المقاتلون فقد بلغ عددهم 2002 متعاقد مقاتل، بلغ عدد الأمريكيين فيهم حوالي 746 فقط. بلغ أقصى عدد للمتعاقدين في الحرب الأفغانية حوالي ٩٠ ألف متعاقد. وبلغ حجم الإنفاق على المتعاقدين منذ ٢٠٠٢ حوالي 107.9 مليار دولار.

عمدت الولايات المتحدة في حربها في أفغانستان إلى الاعتماد على المتعاقدين المحليين خاصة فيما يتعلق بعملية الإمداد اللوجيستي للقوات العاملة هناك. إلا أن تحقيق للكونغرس بعد تسع سنوات من الحرب خلص إلى أن أغلب الشركات الأفغانية ليست إلا واجهة لأمراء حرب سابقين. كان أهم مشروعات الإمداد اللوجيستي يدعي “إدارة حاويات الدولة المضيفة” لإدارة عملية إمداد القوات المنتشرة عبر البلاد من خلال حاويات، حوالي 2.6 مليار دولار تم تقسيمها بين ثمان شركات أفغانية وأمريكية وأخرى من الشرق الأوسط، وبلغ عدد العمليات التي تقوم بها هذه الشركات حوالي 6000 و8000 عملية في الشهر الواحد. وحملت هذه الحاويات أغذية ومعدات ووقود وذخائر وحتى مركبات مضادة للألغام وللكمائن. كذلك أوكل تأمين هذه القوافل لمتعاقدين أمنيين أفغان، حيث رافق القافلة الواحدة حوالي 500 فرد أمن. 

استخلص تقرير الكونغرس الذي جاء بعد تحقيق أن:

أن أمن سلسة الإمداد التـي تدعم القوات الأمريكية في أفغانستان يقدمه أمراء حروب، وأن معظم المتعاقدين من الباطن من الشركات الأفغانية يقودها قادة مليشيات وأمراء حروب وزعماء قلبيين والكثير منهم يتنافس على سلطة الحكومة الأفغانية. ولم تؤد العقود التي قدمتها القوات الأمريكية إلا في زيادة مراكز وثروتهم وشرعيتهم في المجتمعات المحلية.

أن الكثير من أمراء الحروب أولئك يقومون بعمليات ابتزاز في مقابل توفير الحماية؛ حيث تقوم الشركات المتعاقدة والمتعاقدون من الباطن بدع عشرات الملايين من الدولارات سنويا إلى أمراء الحرب المحليين في مقابل الحصول على الحماية. على الرغم من أن أمراء الحرب يقومون بتقديم الحراسة وتوفير الأمن. تدفع شركات الحاويات أموالاً لأمراء الحرب على الطريق السريع.

الأموال التي تدفع لتوفير ممر آمن تمثل مصدرًا هامًا لتمويل تمرد طالبان. فالكثير من أمراء الحرب على الطريق السريع يقومون بدفع أموال لحركة طالبان. بالإضافة إلى هذا فهناك عدم محاسبية حيث تتحكم آليات الفساد في تصريف أموال التعاقد. كما أن وزارة الدفاع تفتقد أية آلية للإشراف الكفء على عملية الإمداد والتعاقدات مع الشركات الأمنية الخاصة الأفغانية.

أشار التقرير أيضًا إلى أن الجيش السوفياتي في حربه في أفغانستان كان قد خصص فرقًا من الجيش لتنفيذ الأعمال اللوجستية والإمداد، وذلك حرصًا على خرق نظامه الأمني. أما الجيش الأمريكي فقد ركز أغلب موارده على عملية مكافحة التمرد. ولم ينتج عن التجربة الأمريكية إلى تعززي مراكز أمراء الحرب والفساد بل ودعم التمرد الذي تقوده طالبان بشكل مباشر. وبالتالي فاق تأثير عملية الإعداد اللوجيستي الأهداف الاستراتيجية الأخرى للتواجد الأمريكي في أفغانستان، بل أدى إلى نتائج مضادة.  

من إمارة الحروب إلى الارتزاق بالسلاح

نقلت استراتيجية الحرب بالأمريكية في أفغانستان سوق العنف إلى مستوى آخر أكثر خطورة. كما ذكر تقرير الكونجرس سابق الإشارة، وجد أمراء الحرب الأفغان في الطلب الأمريكي على المتعاقدين فرصة لتغيير جلودهم إلى “شركات أمن.” سجلت الأمم المتحدة في ٢٠٠٥ وجود حوالي ٥٠٠٠ تنظيم مسلح تتكون من ١٢٠ ألف شخص مسلح منتشرين عبر البلاد. وبعد حوالي ١٥ عامًا من الاحتلال الأمريكي لم يتم حل ونزع سلاح أكثر من ١٠٪ من هذه التنظيمات، أو توقيف قادتها، فيما ظل معظمها يعمل خارج حدود القانون. وكان عجز حكومة كابول في تنفيذ برنامج حل المليشيات ونزع سلاحها هو التوسع في الاعتماد عليها.

ولم يقتصر الأمر على الحكومة الأفغانية وقوات الناتو، إذ أن الشركات المتعاقدة البريطانية والأمريكية، أخذت في إبرام عقود من الباطن مع شركات الأمن الأفغانية، مثل:

في ولاية بروان، تولت شركة أصيل خان مهمة تأمين قاعدة باجرام الأمريكية الجوية، وأصيل خان أحد قادة التحالف الشمالي السابق، وحليف عضو اللويا جيرغا حاجي ألمظ؛

تعاقدت أيضًا شركة أفغانستان نوين على توريد ٥٠٠ حارس لحماية قوافل القاعدة بين كوندوز وغزنة؛ ويمتلك الشركة أحد قواد المجاهدين السابقين ويدعى لطف الله؛

تعاقدات شركات أمن غربية مع بعض القادة الأفغان، على توفير الحماية لرجالها على الأرض من خلال عقود الباطن. مثل شركة الولايات المتحدة للحماية والتحقيق USPI التي تحالفت مع مليشيا دين محمد جرآت. وقد عملت الشركتان معًا في حماية وكالة الولايات المتحدة للتنمية، والبنك الدولي وكاتب الأمم المتحدة والوكالة اليابانية للتعاون الدولي وغيرها، وكان هذا قبل حل الشركة الأمريكية بسبب تورطها في فضائح تزوير؛

وتعاقدت شركة “أرموركورب” البريطانية مع شركتي “مستر وايت” و”مستر بينك” الأفغانيتين على عقود للحراسة. وقد وجد تحقيق الكونغرس أن الكثير من المتعاقدين الأفغان في هذه الشركات لهم صلات بجرائم القتل والاختطاف والرشوة والأنشطة المعادية للتحالف.

هناك شركات أخرى تحمل أسماء مثل شركة وطن لإدارة المخاطر، مجموعة أمن قندهار، الشركة الدولية لحلول الأمن الاستراتيجي، خدمات أمن النخبة ومجموعة أمن آسيا.

بعض هذه الشركات وغيرها له صلات قبلية وعائلية وثيقة بالنخبة التي نشأت في ظل الاحتلال الأمريكي، ومن ضمنها عشائر البولبازي وكارازي وغُل أغا شيرازي وغيرها. اتهمت بعض هذه الشركات بالعمل بالتنسيق مع طالبان لإضعاف الجيش والشرطة، فيما اتهمت شركات أخرى مثل وطن بتحريض طالبان على شن هجوم على المصالح الغربية للإبقاء على الطلب على خدماتها. 

فضلاً عن تحويل الأمن إلى سلعة خاصة في سوق محكومة بالفوضـى والفساد، ارتكبت هذه الشركات وغيرها انتهاكات ضد المواطنين الأفغان، بل وسجلت حالات قتل واعتداء ارتكبها المتعاقدون الغربيون ضد مساعديهم الأفغان. وهو ما أدى إلى اتخاذ الرئيس السابق حميد كارزاي قرارًا بإغلاق ومنع عمل ثمان شركات أمن خاصة متعاقدة مع حكومة كابول في ٢٠١٠ من أصل ٥٤ شركة أخرى، من ضمنها شركة بلاك ووتر التي أًصبحت تحمل اسم “زي Xe”-وتعرف حاليا باسم الأكاديمية-. وفقًا لكارزاي، فإن انتشار شركات الأمن الخاصة أدى إلى إعاقة تطور قطاع الأمن الأفغاني الرسمي مع تحولها إلى وكلاء الأمن للعديد من السفارات والوكالات الأجنبية وغيرها.  إلا أن التدخل الغربي واتساع اعتماد الناتو على هذه الشركات، دفع الحكومة الأفغانية لتأجيل هذا القرار عدة مرات، في حين قامت بعض هذه الشركات بإعادة تقديم نفسها بأسماء جديدة وبشراكات من الباطن مع شركات أفغانية أخرى.

بلغت خطورة انتشار المرتزقة إلى حد أنهم أصبحوا جزءًا من الصراعات القبلية داخل العرقية الواحدة في أفغانستان وعبر الحدود مع باكستان. قديمًا كان المقاتلون في هذه الصراعات مقاتلين قبليين يحاربون على أساس الولاء وبدوافع من الشجاعة والتضحية. إلا أن التغيرات التي لحقت بالمجتمع الأفغاني خلقت جيشًا من المقاتلين المستعدين للقتال بين العشائر من أجل المال. بلغت أسعار المرتزقة المقاتلين في هذه الصراعات التي لا تهدأ حوالي ٣٥ ألف أفغاني (٤٥٠ دولار) في الشهر الواحد. تتضمن مصادر تمويل هؤلاء المقاتلين أموالاً محلية أو تلك التي يدفعها أبناء العشائر المغتربون في الخليج أو الغرب. وغالبًا ما يكون القتال عبر الحدود مع باكستان حيث توجد هناك روابط قبلية بين عشائر الباشتون وتغيب الرقابة على الحدود، خاصة باكتيا.

إعادة انتشار مع الانسحاب الأمريكي

مع بدء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في فبراير ٢٠٢١، بدأ يتكشف تضاؤل حجم القوات الأمريكية المتبقية ٢٦٠٠ في مقابل ١٧ ألف متعاقد من بينهم ٦١٤٧ أمريكي. أوضحت قيادة المنطقة المركزية الأمريكية أن معظم المتعاقدين العاملين مع وزارة الدفاع سيخرجون أيضًا مع الجيش الأمريكي. فيما أكدت شركات أخرى تعمل مع وزارة الخارجية والسفارات الأجنبية أنها باقية في أفغانستان لإتمام عقودها مع هذه الجهات والحكومة الأفغانية. بل إن بعضها أمل أن يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى ارتفاع في الطلب على خدماتها.   الشركات. وبدأ بعض هذه الشركات في الإعلان عن مناصب للحراسات الأمنية في أفغانستان وعن وظائف لوجستية في تواريخ تتجاوز الموعد النهائي لانسحاب قوات الناتو في ١١ سبتمبر. لكن يبدو أن هذه الخطط قد انهارت مع استيلاء طالبان على كابول في منتصف أغسطس ٢٠٢١.     

لقد اتضح مع التدهور السريع لقوات الأمن والجيش الأفغاني مدى فداحة الاعتماد المبالغ فيه على المتعاقدين والمرتزقة. فلأن معظم هؤلاء لا يسعى من الحرب إلا وراء الربح، لم يتمكنوا من التصدي لقوات طالبان. خاصة مع انهيار سلاح الجو الذي كان يعمل بالاعتماد الكامل على المرتزقة الأجانب. ويرى عسكريون أمريكيون أن هذا الفشل كان حتمًا وفي صميم تكوين الجيش الأفغاني. إذ أن القوات الأمريكية بنت نظيرتها الأفغانية على صورتها حيث الاعتماد شبه الكامل على القوة الجوية والإسناد الكامل من المرتزقة والمتعاقدين على الأرض. كان المرتزقة المقاتلون على الأرض يقومون بالجزء الأكبر من العمليات المتعلقة بالاستخبارات والرقابة والاستطلاع، ومع انسحابهم أمام تقدم طالبان، لم يكن أمام القوات الأفغانية إلا التقهقر أو الاستسلام.       

حزم المتعاقدون الأجانب أمتعتهم وقامت شركاتهم بإعادة توزيعهم في مناطق أخرى في الشرق الأوسط. أما المتعاقدون الأفغان، فقد حاول الكثير منهم الحصول على تأشيرات للخروج من السفارات الغربية التـي كانوا يقومون بحراستها، إلا أن الكثير منهم لم يفلح في الخروج من أفغانستان وأصبحوا يلاقون مصيرًا مجهولاً أمام سيطرة طالبان.

على الرغم من فشل تجربة الاعتماد المتزايد على المتعاقدين والمرتزقة في أفغانستان، إلا أنها أكدت أن هذه الشركات أصبحت جزءًا رئيسًا من الحرب الحديثة. فلم يعد تجنيد المرتزقة قاصرًا على الدول ذات الجيش المحدودة فقط، بل إن الطلب الأكبر عليهم قد جاء من كبرى جيوش العالم. وهو ما ساهم في إعاقة تحقيق الأهداف الاستراتيجية في حرب أفغانستان وحال دون تأسيس قطاع أمني قوي، ثم سقوط الحكومة بشكل كامل في يد طالبان. وبقدر ما تخلق الحروب طلبًا على المرتزقة، بقدر ما تساعد على رواج بنادقهم، سواء كانوا جنود متعطلين بعد انتهاء الحروب أو مقاتلين أعجزتهم الظروف الاقتصادية عن إيجاد مصدر للرزق غير القتل. لذا لن يكون من الغريب في الفترة القادمة وجود مرتزقة أفغان في صراعات جنوب ووسط آسيا والشرق الأوسط.   

[1]  لغويًّا لا يوجد خلاف كبير بين المتعاقدين Contractors والمرتزقة Mercenaries، فكلاهما يقوم بخدمات مدفوعة للحكومات والجيش. إلا أن الإشارة للمتعاقدين سواء يقومون بمهام قتالية أم خدمات لوجستية، وتقتصر الإشارة للمرتزقة على هؤلاء الذين يقومون بمهام قتالية لحساب الدول.       

عن "مركز الإنذار المبكر"

الصفحة الرئيسية