جريدة "الكرمل" إذ تكشف تواطؤ العثمانيين مع الصهيونية في فلسطين

جريدة "الكرمل" إذ تكشف تواطؤ العثمانيين مع الصهيونية في فلسطين
7926
عدد القراءات

2020-05-14

في استذكار رائد مناهضة الصهيونية والاحتلال العثماني، شيخ الصحافة الفلسطينية، نجيب نصار  (1865-1948)، تقفز إلى الأذهان جريدة "الكرمل" التي أسَّسَها نصار في حيفا عام 1908، واهتمت بالقضايا السياسية والاجتماعية، مع التشديد على قضايا حماية الأرض من السمامرة اليهود.
ورغم دعم نجيب نصّار السلطات العثمانية في البداية، لكنه سرعان ما ندد بهم وقارعهم بسبب قمعهم للقوميين العرب، وتواطؤهم مع الأنشطة الصهيونية. في إثر ذلك أغلقت السلطات العثمانية "الكرمل" في الأعوام 1913/1914، ثم جددت الجريدة نشاطها في فترة الانتداب البريطاني بين الأعوام 1920-1940.

 

فضح خيانة العثمانيين
حاول نجيب نصار لفت انتباه العثمانيين إلى خطورة الحركة الصهيونية على فلسطين، لذلك خصص 50 نسخة من كل عدد لجريدة الكرمل ليرسلها إلى السلطان والصدر الأعظم وولاة الشام ومتصرف القدس، وإلى جميع الجرائد التركية والعربية، حتى باتت جريدة الكرمل المصدر الأساسي لكل الصحف عن تطورات الأوضاع في فلسطين.

بسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى

حملت جريدة الكرمل على عاتقها مهمة فضح تخاذل العثمانيين عن مواجهة الأنشطة الصهيونية في فلسطين، كما يذكر موقع "عثمانلي" وامتازت الجريدة بجدية التصدي للصحف العميلة والأقلام المأجورة والولاة العثمانيين الذين فرطوا في أراضي فلسطين، حتى إنّ نجيب نصار جعل شعار صحيفته "أيها العرب بيعوا كل شيء باستثناء الأرض، ولا تشتروا من اليهود إلا الأرض".
وتحت عنوان "استعمار أم استدرار" كتب نجيب نصار مقالة هاجم فيها صمت العثمانيين عن النشاط الصهيوني في فلسطين، وحذر من العواقب الوخيمة المترتبة على الهجرة اليهودية وعلى بيع الأراضي للمهاجرين، وأكد أنّ تخاذل العثمانيين سينتهي بكارثة تحل بعرب فلسطين، والتي ستكون مماثلة لما حل بالعرب في الأندلس.

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟

وفي أيار (مايو)1911 شن نجيب نصار حملة صحفية شرسة على الصدر الأعظم الاتحادي، الذي أصدر قرارات صريحة إلى والي القدس يأمره بتسهيل بيع الأراضي إلى اليهود المهاجرين، كما نشرت الكرمل مقالات عن معنى الصهيونية وأهدافها السياسية، ولما غضت حكومة الاتحاد والترقي الطرف عن تحذيرات الكرمل، أطلقت الصحيفة مبادرة لتوحيد جهود الصحف القومية العربية لمواجهة الخطر الصهيوني، ونجحت المبادرة في توجيه الجرائد إلى فضح خيانة العثمانيين لفلسطين.

اقرأ أيضاً: هكذا استفادت الحركة الصهيونية من تحولات قوانين الأراضي العثمانية
ونظراً لإدراك نجيب نصار لجسامة الخطر الصهيوني، ورغبة منه في تعريف أبناء شعبه بهذا الخطر، ترجم مادة الصهيونية من دائرة المعارف اليهودية من العبرية إلى العربية، وخصص 16 عدداً من الكرمل لنشرها، ثم جمعها في كتاب تحت عنوان "الصهيونية: تاريخها، غرضها، أهميتها"، والذي نشر في عام 1911.
وفي 7 تموز (يوليو) 1914 نشرت الكرمل بيان "المنظمة الوطنية في القدس"، والذي طالب بالضغط على الدولة العثمانية لحظر بيع الأراضي العربية لليهود، وتطوير الصناعة المحلية ومقاطعة الصناعات الصهيونية، ودعا الأهالي لمقاومة دعوات بيع الأراضي لليهود بكل وسيلة، وطالب بطرد السماسرة خارج البلاد".

 

سماسرة فلسطين
جريدة الكرمل تميزت بقدرتها على الاطلاع على كواليس صفقات بيع أراضي فلسطين لليهود، وفضحت كل الوزراء والولاة العثمانيين المتورطين في صفقات السمسرة، وحذرت الأهالي من رهن أراضيهم لدى الشركة الأنجلو – فلسطينية؛ لأنها الوكيل الرسمي للمنظمات الصهيونية.

اقرأ أيضاً: منطق الفرس والعثمانيين
وفي أيار (مايو) 1909 نشرت الكرمل خبراً عن مشاجرات وقعت بين المزارعين اليهود بمستوطنة "الشجرة" وأهالي قريتي كفركنا والرينة، بعد أن اعتدى المستوطنون بالضرب على 8 فلاحين عرب، واعتبر ذلك نتيجة التساهل مع الصهيونية، ولكن مندوب شركة الاستيطان اليهودي "ايكا" قدم احتجاجاً لدى حكومة الاتحاد والترقي، واعتبر هذا الخبر معادياً للدور الاقتصادي الذي يقوم به اليهود بفلسطين، ولذلك صدر أمر بإغلاق جريدة الكرمل لمدة شهرين.
ونتيجة للحملات الصحفية التي شنتها الكرمل ضد الصهيونية، فقد تقدم النواب العرب بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) بطلب إحاطة حول حقيقة الصفقات التي فضحتها جريدة الكرمل، واستطاع النواب أخذ تعهد على طلعت باشا وزير الداخلية بحكومة الاتحاد والترقي بأن "لا يسمح لليهود بامتلاك أراض في فلسطين، وعدم السماح بهجرات يهودية جديدة".

اقرأ أيضاً: فرق تَسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب

وفي أواخر عام 1910 اهتمت جريدة الكرمل بالأراضي المدورة؛ أي الأراضي التي تنازل عنها أصحابها للسلطان عبد الحميد الثاني تخلصاً من الضرائب، والتي آلت ملكيتها للخزانة العثمانية بعد خلع عبد الحميد عام 1909، لكن الحركة الصهيونية استغلت نفوذ نجيب إبراهيم الأصفر مساعد والي بيروت وكلفته باستئجار هذه الأراضي لصالحها لمدة 99 عاماً، وقد شملت تلك الأراضي مساحات شاسعة من أراضي حيفا ويافا والقدس وطبريا وغزة والخليل، لكن جريدة الكرمل فضحت جريمة نجيب الأصفر، وأشارت إلى أنّ شركة بلجيكية صهيونية هي المستأجر الحقيقي في تلك الصفقة، وبفضل جريدة الكرمل فشل نجيب الأصفر في عقد الصفقة.
وجنّدت حكومة الاتحاد والترقي المناصرة للمشروع اليهودي عدة صحفيين للرد على جريدة الكرمل داخل فلسطين وخارجها، ومولت "متري الحلاج" لإصدار جريدة "جراب الكردي"، والتي اتهمت نجيب نصار بمعاداة العثمانيين، كما نفت أطماع اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، وأكدت أنّ المهاجرين اليهود يسعون من أجل تحصيل الأرزاق، بل ادعت أنّ المدن الفلسطينية ستشهد حالة الرواج الاقتصادي بعد إنشاء المستوطنات.

 

مؤامرة التطبيع
مهدي بك تولى حكم القدس في 15 حزيران (يونيو) 1912، والذي عرف بترحيبه بحركة الاستيطان اليهودي، وبعد أسبوع من توليه مهام منصبه زار مستوطنة "ريشون لتسيون"، وألقى خطبة في جموع المستوطنين اليهود جاء فيها: "لقد سمعتم بأنه يوجد أناس يشيعون أن لليهود مطامع سياسية في فلسطين، وهذا ليس بصحيح".
وأكد: "لأننا نحن الأتراك أكثر الناس معرفة بمقاصد اليهود في هذه البلاد، وهي ليست سياسية بل دينية؛ لأنّ هذه البلاد هي أرض آبائهم وأجدادهم". وتابع مهدي بك: "الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان، ولم تنفك عن الترحيب بهم في كل وقت اضطهدوا فيه".

العثماني مهدي بك تولى حكم القدس وأكد أنّ الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان

في ختام خطبته نصح مهدي بك المستوطنين اليهود بإنشاء بلدية وشرطة حراسة تكون على صلة بدوائر السلطة في يافا والقدس لتهب السلطة لنجدتهم عند كل خطر.
جريدة الكرمل انفردت بنشر أخبار زيارة مهدي بك حكم القدس إلى مستوطنة ريشون لتسيون، وعلقت على خطبة الوالي بقولها: "إنّ متصرف القدس يجهل أو يتجاهل المقاصد الاستعمارية للصهيونية"، ورأى نجيب نصار أنّ "بقاء مهدي بك في منصبه بعد خطابه المخزي إنما يدل على رضى حكومة إسطنبول عن أعمال الجمعية الصهيونية، والتي تسعى إلى تأليف قومية صهيونية في البلاد السورية".
جريدة "النصير" العثمانية التابعة لإسطنبول روجت لضرورة التفاهم بين العرب والصهاينة في شباط (فبراير) 1913، لكنّ جريدة الكرمل ردت بقولها: "على ماذا يتفقون؟ أعلى بيع البلاد؟ الصهيونيون يريدون تملك أراضي فلسطين العربية، ألا يكفي ما عندنا من الخونة الذين يدعون الزعامة وهم سماسرة أدنياء النفوس، يمدون أيديهم بكل ذلٍّ ليقبضوا ثمن وطنهم دريهمات معدودة".

 

الصهيونية: ملخص تاريخها
في كتابه "الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتدادها حتى سنة ١٩٠٥"، كشف نجيب نصار مطامع الصهيونية وتحالفاتها مع العثمانيين. ولفت إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تنفذ مخططاتها في فلسطين والأراضي العربية بحرص وإصرار شديدين، كانت الحكومات العثمانية تغضُّ الطرف، وتقلل من أهمية التحركات اليهودية التي لم تفتر منذ أواخر القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟
وتؤكّد المؤرّخة الفلسطينيّة خيريّة قاسميّة، في دراسة عن نصّار، نُشرت في مجلّة "شؤون فلسطينيّة" عام 1973، أنّ الصحافة العربيّة الّتي واكبت ثورة 1908  احتلت دوراً مهمّاً في تنبيه الأذهان نحو الخطر الصهيونيّ. و"كانت الصهيونيّة الشاغل الأوّل للصحافة الفلسطينيّة، ولم تعمل فقط على التنبيه للخطر الصهيونيّ وطرق مواجهته، بل إلى نقل القضيّة إلى خارج حدود فلسطين".
وبسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى فاختفى بعض الوقت، ثم سلّم نفسه فسيق إلى سجن الديوان العرفي بدمشق عام 1918 وبقي فيه إلى أن حكم المجلس العرفي ببراءته فعاد إلى فلسطين، وإلى صحيفة الكرمل يناضل فيها وبها، كما تذكر "الموسوعة الفلسطينية"، حتى وفاته في 12/3/1948 في الناصرة التي نقل إليها إثر اشتداد المرض عليه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



من كتاب الدماء المنسية: كيف أكلت الثورة الإيرانية أبناءها اليساريين؟

2020-05-19

ربما يكون التّصور السّائد عند جمهور المتابعين العرب، حول الثّورة الإيرانية، التي قامتْ في عام 1979 وغيّرت أوضاع المنطقة من حولها، مُنحصراً في اسمها، "الثورة الإسلامية"، فالعديد من هؤلاء المتابعين لا يعرفُ أنّ تلك الثورة قد شارك فيها شيوعيون وليبراليون إلى جانب الإسلاميين، وذلك قبل أن تأكلهم الثورة وتذلهم وتعدمهم، أو في أحسن الأحوال تتركهم للمنافي.

"الثورة الإيرانية" شارك فيها شيوعيون وليبراليون إلى جانب الإسلاميين قبل أنْ تأكلهم الثورة وتعدمهم أو تتركهم للمنافي

"حين ذهبتُ إلى الزنزانة، أحضرَ إليّ السيد علي خاوري، رئيس حزب تودة، كوب شراب، وقد كان في الزنزانة المواجهة، وهو الآن خارج البلاد"، يحكي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأسبق، علي هاشمي رفسنجاني، عن ذكرياته مع الشيوعي علي خاوري، رفيقه في التعذيب والسجن تحت حكم الشاه. في ذلك الوقت، وبشهادة رفسنجاني، كان أغلبُ المعتقلين من الشيوعيين، وكانت العلاقات بين الإسلاميين والشيوعيين في سجون الشاه تلفّها السكينة والمودة، وتبادل النكات والحكايات، واقتسام فرص الحياة والموت، والاستفادة من الخبرات المتبادلة في مطبخ المعتقل. حين ينامُ الجلاد، تجلجل في السجن أصوات الضحكات والحكايات التي تحمل رائحة طهران، دون أن تفرق بين إسلامي وشيوعي.

الخميني يُنكِّل برفاق الثورة
ليس هذا فحسب، فالخميني نفسه جمعته، في البداية، علاقة مهمّة بالشيوعيين وبخاصة الحزب الشيوعي العراقي، قبل الثورة الإيرانية، ويروى أنّه كان يتبادل معهم بوجهه المتجهّم نكات مفاجئة، كأنْ يقول لهم "أريد أن أصالحكم مع الله". وفي فترات سابقة، كان يؤكد لهم على أنّ كليهما يحاربُ من أجل الكادحين. أيضاً، كان الخميني يستخدم في خطاباته مصطلحات ذات جذور شيوعية خالصة غير مألوفة على التراث الإسلامي، من قبيل الطبقة، وثورة الشعب، والكادحين، والصراع الطبقي. ورغم أنه أظهر في كثير من المرّات خصومته مع الأيديولوجيا الشيوعية، ورغم ما يتبين في خطاباته من موقف ديني تقليدي إزاء الملكية الخاصة، لم يفتأ يؤكد أنّ الإسلام جاء ليلغي الفوارق بين الطبقات، وأنّه لا يمكن أنْ يوجد فلاح واحد معدم في ظل الإسلام الحقيقي، وأنّ الرّسالة المحمدية هي رسالة لسكّان العشش لا سكان القصور.

حين ينامُ الجلاد تجلجل بالسجن أصوات الضحكات والحكايات التي تحمل رائحة طهران دون أن تفرق بين إسلامي وشيوعي

ربما يُنسي المشهد الإسلامي الخالص، الذي تشكّل بعد عام 1979، العديدَ من النّاس مشهد قدوم الخميني إلى طهران، حيث هبط من الطائرة رِفقة أبي الحسن بني صدر، القومي الإيراني، المتأثر بتجربة الرئيس اليساري الديمقراطي محمد مصدّق، الذي دبّرت الولايات المتحدة الأمريكية انقلاباً ضدّه بسبب سياساته الاقتصادية المستقلة. وبحسب شهادة الصحافي الفرنسي إيريك رولو، فقد كانتْ تجمع الرّجلين، الخميني وأبي صدر، علاقةٌ متناغمةٌ للغاية حينها.

إنّ القوى اليسارية والليبرالية الديمقراطية، التي قدّمت جليل التضحيات في الثورة الإيرانية، قد نُسيتْ تماماً بعد أنْ أكلتها ثورتها. وينبغي هنا التذكير بأنّ الثورة، بحسب كثير من المؤرخين، ونذكر هنا بالتحديد ما كتبه الصحافي المصري محمد حسنين هيكل في كتابه "مدافع آية الله" والصحافي والمفكر الإسلامي فهمي هويدي، وهو المقرّب إلى بعض دوائر الحكم في إيران، في كتابه "إيران من الداخل"، ضمّت في أطيافها تياراً ليبرالياً عريضاً ضمّ شرائح المثقفين القوميين الديمقراطيين المتأثرين بالثقافة الغربية، ومن رموز هذا التيار شاه بختيار، الذي كان آخر رئيس وزراء عينه الشاه قبل إسقاطه، والمهندس مهدي بازركان، الذي أصبح أول رئيس وزراء في حكومة الثورة؛ وتيار يساري ضمّ فصائل اليسار بشتى مشاربها، التي وصل عددها إلى 24 فصيلاً من بينها ماركسيين، واشتراكيين، ويساريين إسلاميين، وقد كانت دوافعهم تتمثل في الثورة الاجتماعية لصالح الطبقات المحرومة، ومن رموزه نور الدين كيانوري، رئيس الحزب الشيوعي تودة، ومسعود رجوي، رئيس منظمة مجاهدي خلق. وجدير بالذكر ههنا أنّ الشيوعيين كانت لديهم الرؤى الأكثر راديكالية بين كل هؤلاء، من قبيل تشكيل جماعات فدائية لمهاجمة رجال السافاك الإيراني "جهاز الاستخبارات الإيراني الذي كان الأسوأ سمعة بين أجهزة الدولة" واغتيالهم.
الخميني ورفسنجاني

الخميني: الإسلام لسكان العشش لذلك سأنكل بالعمال!
بعد فترة قصيرة جدًا من الثورة، نُكِّل بالقومي أبي الحسن بني صدر ورفاقه الذين رأوا في الخميني ثورياً مهيباً وصادقاً - وإن اختلفوا مع رؤاه الدينية -، لأنّهم كانوا أقرب لرؤى ما يُسمّى بالفكر الإسلامي الديمقراطي، ولأنّهم عارضوا استبدال الدكتاتورية العلمانية بأخرى دينية. بعد أقل من عامين، نُفي أبو الحسن بني صدر خارج البلاد، فيما أُعدِم صادق قطب زادة، وهو أوّل رئيس وزراء لإيران بعد الثورة، بتهمة التآمر على الثورة، ولم يمرّ سوى شهرٍ على التصويت لصالح إقامة دولة إسلامية في إيران بنسبة 98%، حتى جاء الأمر بمرسوم من الخميني بتشكيل الحرس الثّوري "لحماية الثورة".

القوى اليسارية والليبرالية الديمقراطية التي قدّمت التضحيات بالثورة الإيرانية نُسيتْ تماماً بعد أنْ أكلتها ثورتها

غير أنّ الأمرَ الأكثرَ أهميّةً، أنَّ موقف الخُميني إزاء الكادحين والفقراء والعمال، وكلّ من لا ينعمون بملكيات خاصة فارهة، والذين قال فيما سبق أنّ الإسلام جاء من أجلهم لا من أجل سكان القصور، سُرعان ما ظهر على حقيقته. لقد أعلنَ نظامُ ما بعد الثورة تجريم الإضرابات، ومن أجل عرقلة كل الاحتجاجات التي من شأنها أنْ تجعل الثورة أكثر راديكالية فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية، شنَّ النّظام حملته التجريمية هذه باعتبار أنّ الوقت قد حان للبناء لا الثورة. وهو الموقف الذي لطالما أخذته القوى اليمينية في أعقاب الثورات على مدار التاريخ الحديث.

من كتاب الدماء المنسية
في مقاله المعنون بـ"الثورة واليأس" عام 2015، يقولُ عالم الاجتماع الإيراني الشهير آصف بيات: "الشّعورُ باليأس ليس أمراً مفاجئاً، فكلّ المراحل التي تلي الثورات تقريباً يسودها شعور بالفرحة العارمة، يليه قدر كبير من خيبة الأمل، وضعف الروح المعنوية. يصف البعض كتاب ظاهريات الروح، أحد أهم أعمال هيجل، بالمرثية الفلسفية التاريخية لهزيمة الثورة الفرنسية، وهناك أيضاً العديد من الثوريين الروسيين الذين حاولوا الانتحار عندما تولّى ستالين الحكم، كما اجتاحت موجة من اليأس الثوريين الإيرانيين بعدما اندلعت الحرب مع العراق واتخذت الثورة منعطفاً قمعياً في ظل الدولة الإسلامية ".

إيران لم تتغيّرْ بعد سقوط الشاه الذي ناضلوا ضده فالعمامة حلّتْ محل التاج والعصا بدلًا من الصولجان

في الواقع لم يتعلق الأمر بالانتحار واليأس فقط، فقد تعرّض أكثر من 12 ألف معارض يساري، بعد الثورة التي كابدوها وضحّوا من أجلها، للإعدام أو القتل في المعارك مع رجال الخميني ونظامه، كما تم إعدام آخرين في السجون دون محاكمات بحلول نهاية ثمانينيات القرن العشرين "في صيف عام 1988 تحديدًا، أعدم ما يقارب 5000 سجين، بحسب العديد من التوثيقات".
على جانب آخر، جرى حظر الحزب الشّيوعي الذي كابد الثورة وشارك الإسلاميين قبلها عذابات السجون، وأعدم واعتقل عشرات الآلاف من كوادره، وتم إذلالهم عبر شاشات التلفاز بالاعتراف أنهم عملاء للاتحاد السوفيتي، وأنهم قد أجرموا بحق الدين الإسلامي. علاوة على ذلك، هُزِم الإسلاميون اليساريون هزيمةً نكراء في احتجاجهم المسلّح ضد دولة الخميني وشرّدوا؛ هؤلاء الذين تبنوا مطالب الثورة بصدور عارية منذ يومها الأول.
بخلاف هؤلاء، توجد أعداد غفيرة من الأطباء والشعراء والفلاسفة الإيرانيين الذين تم نفيُهم بعد الثورة، ولم تعد إيران مسرحاً مناسباً لأحلامهم، وهو ما وصفه أحد كتاب "الفورين بوليسي" سابقاً، بأنهم وجه إيران الآخر؛ وجهٌ يمثّل إيران أيضاً.
بالنّسبة إلى العديد من الشيوعيين، في المنفى، وأيضاً قطاع عريض من الجيل الشّيوعي الجديد، فإنّ إيران لم تتغيّرْ بعد سقوط الشاه الذي ناضلوا ضده، فالعمامة حلّتْ محل التاج، والعصا بدلًا من الصولجان.

 

 

للمشاركة:

كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟

2020-05-04

هناك مقولة ذهبية لإميل دوركايم مفادها: "التحديث يولد الثورة" وتكشف هذه المقولة طبيعة التوتر والقلق والإحباط والاختلال الوظيفي للقيم والعقائد والمنظومات الأخلاقية في خضم عملية التحديث.
ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي ظهرت الأيديولوجيا الأصولية في أوساط تلك القطاعات الاجتماعية التي ترى أنّ النظرة السائدة الموروثة من العصور الدينية لم تعد ملهمة ولا كافية للتعاطي مع العالم، وبالتالي أتت تلك الأيديولوجيا كحاجة ملحّة لتفسير الواقع (عبر تبسيطه بالطبع) وتقديم قيم جديدة للذين يحتاجون إليها.
عالم جديد جداً
يحاجج سمير أمين في "التطور اللا متكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية المحيطة بالرأسمالية" بأنه خلال القرن التاسع عشر نجحت الرأسمالية الأوروبية بشكل نهائي في إخضاع الكوكب الأرضي لهيمنتها وتغلغلت في قلب الأسواق المحلية لكافة بلدان العالم.

أن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة في العراء تميل مع كل ريح

وفيما يخص مصر فقد تمحوّر الإنتاج القومي حول الزراعة وتمحورت الزراعة حول محصول القطن، وهو ما أفرز طبقة محدودة العدد لكن مؤثرة وفعالة هي طبقة كبار الملاك (القاطنين في العاصمة) الذين عمقوا عملية إلحاق الاقتصاد المحلي بالاقتصادات الصناعية الأوروبية.
وآنذاك استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي، وكان لهذه التطورات أن تؤدي إلى تغيير تدريجي في مسار الحياة الاقتصادية؛ فبعدما كان هناك الحرفي والفلاح ورجال القوافل والمراكبي، على سبيل المثال، أصبحنا نرى الموظف وعامل المصنع والمهني والفني كما يقول بول سالم في "الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي".
وأدت هذه التحولات الاقتصادية إلى إعادة تنظيم الأنماط الديمغرافية من قبيل تفكك الأسرة وإعادة تنظيم وسائل الاتصال وإجبار العمال على التوجه نحو اقتصاد ذي ركيزة حضرية وخاضع لتوجيه الدولة، وبالتالي خلق هذا التحوّل ضغوطاً وتوترات غير معهودة، وخلق معايير اجتماعية وأنماطاً ثقافية جديدة؛ لتتهيأ البنية الاجتماعية لاستقبال أيديولوجيات شتى، كما يشير سالم.
تناسلت من طبقة كبار الملاك، التي حرصت على تعليم أبنائها في الخارج، كما يقول إريك دافيز في "مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث: تجربة بنك مصر 1920- 1941"، نخبة وطنية مصرية عصرية متأثرة بالقيم الثقافية الغربية ذات البعد الكوني؛ وبسبب هيمنة الأجنبية على كافة نشاطات الحياة الاجتماعية حاولت النخبة الصاعدة أن تكوّن لنفسها رؤية عالمية قادرة على تحدي الاحتلال المسلح بثقافة متفوقة: هذه النخبة هي التي أسست الدولة القومية المصرية وبشّرت بأيديولوجيتها الإدماجية.

 

ديانة جديدة؟
كانت هذه النخبة متأثرة بأنماط جديدة للهوية والولاء وتصورات عن الجماعة السياسية تتناقض جذرياً مع تلك الأنماط والتصورات الموروثة من عصور الخلافة، ونبتت تطلعات مغايرة لبناء مجتمع حديث جرى تعميمها خلال الممارسة السياسية الطامحة للاستقلال.

اقرأ أيضاً: طاقية بيضاء فوق الرأس ولبس القميص: مأزق الأصولية
فقد أسهمت الطبيعة التدخلية للدولة الحديثة في الوصول إلى الأطراف التي لم تكن السلطة تتمتع فيها من قبل سوى بنفوذ رمزي (كالريف والواحات والتجمعات البدوية) واستفادت النخبة القاهرية من ميراث التدخلات هذا في تحريض هذه القطاعات السكانية على المشاركة السياسية لصالح قضية الاستقلال، وهو ما أدمجها في صلب مشكلات الدولة الحديثة.
بدأ المجتمع المصري يخضع لتأثير معضلات ضخمة من قبيل السيطرة الاستعمارية وتأسيس الدولة القومية على غير سابقةٍ في التاريخ السياسي المصري (حتى دولة محمد علي كانت ولاية تابعة رسمياً للخلافة العثمانية) وكانت البلاد بحاجة إلى هوية إدماجية للقطاعات العرقية والإثنية والدينية والقبلية التي كانت متجاورة بلا رابط عضوي يشملها في ظل الخلافة التي لم تكن تتطلب سوى الولاء السياسي والالتزام بالنظام العام.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
وبالتالي كانت الهوية القومية المصرية: مصر للمصريين، ومصر مختلفة عن محيطها الإسلامي، المصريون شعب فريد ذو جذور ضاربة في التاريخ وخصائص فريدة، مدعُوّة لإنجاز المهمة الإدماجية بالغة التعقيد والصعوبة؛ إذ ما أن تقدمت خطوات، بفضل ثورة 19 والرموز الوطنية المُجمع عليها (الزعيم سعد زغول) وشعارات الوحدة الوطنية (مسلمون وأقباط ضد الاحتلال) حتى تبين قصورها الفادح عن إنجاز مهمتها.
حوّلت الوطنية الوليدة (مثل كل الأيديولوجيات الحديثة) مفاهيم الإيمان بالله تعالى إلى الإيمان بالوطن واستبدلت بالرموز الدينية رموز سياسية (العلم والنشيد) وأمدت الصحافة والتعليم النظامي السكان بمنظومة جديدة من القيم المشتركة نافست المنظومة الموروثة، (أثار هذا التنافس العاصف اضطراباً سياسياً لاحقاً) كما بُعث الماضي الفرعوني في مواجهة الماضي الإسلامي الذي حُمل وزر التخلف.
الرد الأصولي
أثارت هذه القطيعة السياسية مع الماضي نضالاً متشنجاً من قبل الأصوليين الذين حاولوا إعادة موضعة مكانة الماضي في الوعي العام، بعد أن بدأ التراث (المخزون الشعوري بلغة حسن حنفي) يفقد دوره في توجيه الوعي والسلوك (لذا انتشرت عمليات تحقيق التراث بكثافة) ودوره الأساسي في تحديد طبيعة الجماعة السياسية (هوية الشعب) ويمكن فهم استدعاء رشيد رضا لمدونة السياسة الشرعية إلى قلب النقاش مجدداً، بعد أن حدد الوطنيون المصريون الانتماء القومي كأساس للهوية الجماعية والشخصية أيضاً.
وسرعان ما اصطدمت الهوية القومية المُصوغة حديثاً بهوية جاهزة نابعة من ثقافة "الإسلام" صاغتها جماعة الإخوان المسلمين، وجرى ذلك في ظل الدور فائق الأهمية للإسلام تاريخياً في تنظيم الحياة الاجتماعية إلى درجة أن جيل كيبل يذهب في كتابه "النبي والفرعون" إلى أنّ العلمانية المصرية كادت أن تذهب إلى غير رجعة قبل ثورة يوليو تحت الضغوط الأصولية، وأنها لم تنتعش إلا مع مجيء عبد الناصر الذي قدم نموذجاً للعلمنة مدعوماً بسلطة فائقة.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
ففي هذا الأفق المتجه نحو قطيعة مع الماضي أحس حسن البنا (مؤسس الإسلام السياسي) بعجز المؤسسات الدينية وطرائق التفكير القديمة عن إيجاد حلول للمعضلات التي تواجه العالم الإسلامي بحكم تقليدية تلك المؤسسة وسكونية تلك القيم، ومن هنا وضع على عاتقه مهمة تفكيك السلطة الرمزية للشيوخ على الجمهور الإسلامي، وخلق إيديولوجيا ملهمة للإنتلجنسيا التي أنتجها التحديث (وهي فئة اجتماعية تشمل كل القائمين بعمل ذهني، إبداعي أو تنظيمي، أو مهني).

 

ملاذ التائهين
انتعشت الأيديولوجيات بفضل التغير الاجتماعي: نمو طبقة وسطى، ظهور طبقة عاملة، الهجرة المتزايدة من الريف، والسياسي: سقوط الخلافة، نشوء الدولة القومية، والثقافي: العلمنة، التغريب، الانقسام حول المرجعية الأخلاقية بين تقليدية موروثة وتقدمية وافدة. وآنذاك طرح الصراع على توجيه المجتمع وتنظيمه إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها الجماعة السياسية.

استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي

وبالنسبة إلى الذين مسهم الحراك الاجتماعي بعمق، خصوصاً أولئك الذين انتقلوا من الريف إلى المدينة، أو انتقلوا من وضع اجتماعي إلى آخر (أبناء الفئات المهمشة الذين منحهم التعليم امتياز الصعود الاجتماعي) كان لهذه التحولات وقع الكارثة؛ إذ كشفت عدم ملاءمة ثقافتهم التقليدية ومعاييرهم الأخلاقية مع البيئة الحضرية المُستحدثة، وكان من الطبيعي أن يؤدي التناقض بين الثقافة الموروثة والواقع الاجتماعي الجديد إلى وضع هؤلاء في رحى الاغتراب.
فعلى عكس أبناء كبار الملاك الذين تأثروا إيجابياً بالتحديث الذي منحهم امتيازاً اجتماعياً تجلى في إدارتهم لجهاز الدولة وللعملية السياسية وإنتاج المعرفة، أو بكلمة: كانوا الفئة القائدة التي أنتجها التحديث وقادته عملياته لاحقاً؛ فإنّ الذين عانوا اغتراباً (ثقافياً وسيكولوجياً) فقدوا إمكانية التواصل مع ثقافة آبائهم المغرقة في البساطة والتواضع (وبالتالي تجاوزوها في مرحلة مبكرة من حياتهم التعليمية) في وقتٍ عجزوا فيه أن يزرعوا جذورهم في الحياة الحضرية، أو المشاركة الفعالة في وسطهم الاجتماعي الجديد وثقافته وقيمه. يقع من يفقد إمكانية العودة إلى جذوره والاندماج في واقعه في شَرَك اغتراب ساحق ومذبحة "لا يقين" تبتر إحساسه بدوره وقيمته في الحياة التي أصبح على هامشها بحكم اغترابه.
وأن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة التي تقف في العراء تميل مع كل ريح قادمة من أي اتجاه، أو بمعنى أقل أدبية: يصبح عرضةً للتأثر للمثيرات الأيديولوجية وأكثر حساسية تجاه عزلته وبحاجة إلى جماعة يذوب فيها توفر له الهوية والدور والصحبة ومهمة تعطي لحياته، معدومة القيمة، معنىً يغطي على خوائها، ولن تكون مؤسسات الدولة الوطنية (غير المألوفة بالنسبة للمغترب) جذابة في هذا السياق، بل ستكون المنظمات الدوغمائية الصاخبة ذات الشعائرية الفجة والانضباط الصارم والأيديولوجيا المُبسِطة للواقع المعقد هي الملاذ الأخير للمغتربين في المدينة: لقد جاء حسن البنا في الوقت المناسب.

للمشاركة:

فصول مجهولة من قضية نصر حامد أبو زيد

2020-04-28

أقيمت الدعوى رقم 591 لعام 1993 للتفريق بين زوجين؛ بدعوى قيام الزوج بنشر عدة كتب وأبحاث ومقالات، تضع، طبقاً لما رآه علماء عدول، لغواً يخرجه من الإسلام، الأمر الذي يعتبر معه مرتداً، ويحتم أن تطبق في شأنه أحكام الردة، حسبما استقر عليه القضاء، وذكرت الدعوى أنّ الزوج ارتد عن الإسلام، طبقاً لما قرره الفقهاء، وبذلك فإنّ زواجه يكون قد انفسخ بمجرد هذه الردة ويتعين لذلك التفريق بين الزوجين بأسرع وقت، منعاً لمنكر واقع وشهود، وأنّ الدعوى المذكورة هي من دعاوى الحسبة وهي تدافع عن حق من حقوق الله تعالى التي يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعيانهم؛ لأنّ حل معاشرة المرأة وحرمانها من حقوق الله تعالى قضية يجب على كل مسلم أن يحافظ عليها ويدافع عنها.

جاءت قضية أبو زيد ضمن حملة ممنهجة ضد العقل والإبداع في الثقافة المصرية في تسعينيات القرن الماضي
تلك بإيجاز بداية قضية المفكر نصر حامد أبو زيد مع محاكم التفتيش، التي احترفت مجموعات من المحامين المنتمين إلى التيار الإسلامي المتشدد، إقامة دعاوى بها، مستغلين المادة الثانية من الدستور المصري حينها والتي تنص على أنّ مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، بهدف إلجام العقل والبحث العلمي وقصره على دراسة ما يريد التيار المتشدد ويرضاه وغلق باب البحث العلمي الرصين، ثم إحراج الدولة المصرية ومؤسساتها باعتبارها تتستر على مرتد داخل أسوار الجامعة والمزايدة عليها.

استغل المنتمون للتيار الإسلامي المتشدد المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أنّ مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع

جاءت قضية أبو زيد ضمن حملة ممنهجة ضد العقل والإبداع في الثقافة المصرية؛ ففي عقد التسعينيات شملت الحملة رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي السوري حيدر حيدر، ورواية "قبل وبعد" لتوفيق عبد الرحمن، و"أبناء الخطأ الرومانسي" لياسر شعبان، و"أحلام محرمة" لمحمود حامد، وتضمنت استجوابات لوزير الثقافة المصري فاروق حسني بمجلس الشعب.
لن تكتمل حلقات قضية أبو زيد سوى بالكشف عن دور المفكرين الإسلاميين الذين تصدروا المشهد الإعلامي باعتبارهم دعاة الوسطية وسماحة الإسلام، بينما يتعمدون دائماً رمي البنزين على نار الخلاف مع رسم ابتسامة عريضة على شفاههم مصحوبة بعبارات التسامح والتعددية، من أبرزهم المفكر الإسلامي وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر؛ الدكتور محمد عمارة وهو الضلع الأساسي في المحور المضاد لنصر حامد أبو زيد.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد كما عرفته
بدأت العلاقة بين أبو زيد وعمارة، كما يذكر الأخير في كتابه "التفسير الماركسي للإسلام"، في دار مناسبات للعزاء، حيث سلّم أبو زيد على عمارة والمفكر الماركسي الراحل محمود أمين العالم، الذي شهد لأبو زيد أنّ "الدكتور نصر أحسن من يُحلّل النص"، بعدها لاحظ عمارة أنّ أبو زيد ينشر مقالات ودراسات في الدوريات اليسارية والماركسية مثل؛ جريدة الأهالي، وأدب ونقد، وقضايا فكرية في مصر، والطريق اللبنانية، فتيقن من ماركسية أبو زيد!، وسعى عمارة لدحض أفكار أبو زيد وإبراز ما بها من مغالطات وظن أنّ الأخير وظّف الماركسية لتحليل الظاهرة الدينية من خلال مقولات المادة والبناء الفوقي والتحتي، فزاد يقيناً أنّه ماركسي .

لم يرد عمارة في كتابه، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1996 على نقد نصر له
وقد تجاهل كتاب "التفسير الماركسي للإسلام" تماماً، نقد نصر لعمارة الذي جاء في مقدمته لكتاب "الخلافة وسلطة الأمة"، الصادر في كانون الثاني (يناير) عام 1995، حيث انتقدت المقدمة تحولات عمارة الفكرية من اليسار إلى اليمين، ومن الدفاع الصلب عن روّاد النهضة العربية إلى الهجوم الشرس عليهم دون ذكر سبب واضح لذلك التحول، ونقده أبوزيد نقداً حاداً ذاكراً أنّه؛ "من واجب عمارة أن يكون أميناً في عرض هذه الحقائق التي تستوجب إعادة النظر في موقفه القديم؛ فعمارة لم يعبأ بتلك التقاليد العلمية الرصينة ولم يحترم عقل قارئه، كما أجرى عمليات تزييف فاضحة لخدمة أهواء سياسية ذات طبيعة نفعية براغماتية".

في عام 2003، رفع محمد عمارة تقريراً إلى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر يقضي بمنع تداول كتاب نصر أبو زيد "الخطاب والتأويل"

ولم يرد عمارة في كتابه، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1996 بعد كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" بعام كامل، على نقد نصر له، رغم أنّه ذكر تفاصيل أقل أهمية من ذلك، وإن احتفظ عمارة لنصر بتهمة الحكم بالتاريخية على القرآن الكريم بكل ما فيه من عقائد وشرائع وقيم وأخلاق، وبنص عبارة أبو زيد "إنّ القرآن خطاب تاريخي، لا يتضمن معنى مفارقاً جوهرياً ثابتاً، وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص".
قبيل المناظرة التي جمعت بينهما في قناة الجزيرة الفضائية في 31 كانون الأول (ديسمبر) 1996، رفض نصر عرض عمارة أن ينشر أبو زيد بياناً يتضمن أنه لم يقصد ما تبادر إلى الأذهان من معانٍ، وإثباتاً لحسن النية سيقوم نصر بحذف العبارات الموهمة من طبعات كتبه الجديدة، وسيرسل البيان إلى شيخ الأزهر حينها الشيخ محمد سيد طنطاوي؛ الذي سيصدر بياناً لاحتواء الأزمة، ولام عمارة على كتابه "التفسير الماركسي للإسلام" الذي عزّز من موقف خصوم نصر في قضية التفريق، بينما رفض نصر مناظرة  الإسلاميين القابعين في السجون والمعتقلات، فلا مجال لمناظرة مسجونين مجبورين على المناظرة.

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟
وفي 27 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2003، رفع محمد عمارة تقريراً إلى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر يقضي بمنع تداول كتاب نصر "الخطاب والتأويل"، ومصادرة ما وُزِّع من نسخه في الأسواق، بسبب طعن الكتاب في ثابتين من ثوابت العقيدة الإسلامية؛ وهما التوحيد وحفظ القرآن الكريم، الأمر الذي يمنع تداوله لطعنه في صحيح العقيدة الإسلامية.

المثير في الأمر أنّ ذلك الكتاب ضم الجزء الأكبر من المقدمة التي كتبها نصر عام 1996، ونقدت عمارة بحدة بعنوان؛ "موقف عمارة من علي عبد الرازق غلبة الأيديولوجي على المعرفي" فأصبح الأخير خصماً وحكماً في الوقت نفسه.

لن تكتمل قضية أبو زيد إلا بالكشف عن دور المفكرين الذين تصدروا المشهد الإعلامي باعتبارهم دعاة الوسطية

وفي 5 تموز (يوليو) 2010، رحل المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، وكانت قناعته كما ذكرها لمحاوره بموقع قنطرة؛ "فتح مساحات للحوار، فتح مساحات لتبادل الآراء، وليس فرض رأي أو استبعاد رأي، إذا تحاورت فقط مع من يقبل وجهة نظرك فهذا ليس حواراً"، وإن ظل نصر يُردّد أنّ الأهم  من مطاردة هذه الثلة من الإسلاميين المتشددين، هو الحديث مع هؤلاء الذين يؤيدون الإرهاب بصمتهم، أو الذين يوفرون له الأرضية الخصبة من خلال أفكارهم المتطرفة، ولو أُتيحت لهؤلاء الناس الفرصة لكي يعبروا عن آرائهم بشكل سلمي، لانكسر العمود الفقري للإرهاب كلية.
لم يتخيل نصر ما ستشهده المنطقة العربية من صعود تيار الإخوان المسلمين إلى سدة السلطة في دول "الربيع العربي" وانكشافها أمام الشعوب وفشلها، وظهور دويلة وحشية مثل "داعش" مارست شتى صنوف القمع بحق مواطنين أبرياء.

للمشاركة:



تونس: تصاعد الاحتجاجات ضد الغنوشي قبل مساءلته برلمانياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

تصاعدت الحركات الاحتجاجية في تونس ضد زعيم حركة النهضة الإخوانية ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، وخرجت من أروقة البرلمان إلى الشارع التونسي، الذي اتخذ موقفاً يتسق مع موقف كتل برلمانية في ما يتعلق بالمطالبة بعزل الغنوشي لمحاولته توريط تونس في الصراع الليبي.

الاتحاد العام التونسي للشغل يطالب بعزل الغنوشي، ويؤكد أن مرتزقة أردوغان تهدد الأمن القومي

وفي هذا السياق، أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل، بياناً شديد اللهجة، يندد بما تقوم به تركيا بنقل آلاف الإرهابيين من الجبهة السورية إلى ليبيا، مما يشكل تهديداً مباشراً لأمن تونس واستقرارها، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

وقال الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، سمير الشفي: "أصدرنا بياناً على اعتبار أنّ ما يحصل في ليبيا يهمنا، خاصة وأنّ هناك قوى تقوم باستقدام آلاف الإرهابيين من المشرق العربي إلى المغرب العربي، أي من سوريا إلى ليبيا".

وتابع: "هذا تهديد واضح للأمن القومي العربي، والأمن القومي الوطني التونسي".

وفي سياق متصل، أكد الأمين العام لحزب المسار، فوزي الشرفي، يوم الجمعة الماضي، خلال استضافته في برنامج "هات الصحيح" على قناة "نسمة" أنّ راشد الغنوشي "ليس رئيس التونسيين بل هو رئيس إداري للبرلمان". 

وتابع الشرفي قائلاً: إنّ رئيس التونسيين متواجد في قرطاج وانتخبه 2 مليون 700 تونسي.

الشرفي: الغنوشي  ليس رئيس التونسيين بل هو رئيس البرلمان ويجب أن يلتزم بموقفه من القضية الليبية

وبخصوص جلسة مساءلة الغنوشي المزمع عقدها غداً، اعتبر رئيس حزب المسار أنّ الجلسة ستكون لتحديد موقف البرلمان من القضية الليبية ويجب عليه أن يلتزم بهذا الموقف.

هذا وتتوالى الانتقادات للغنوشي، من داخل حركة النهضة الإخوانية، حيث دعا عضو مجلس شورى حركة النهضة القيادي، زبير الشهودي، الغنوشي، إلى اعتزال السياسة والانسحاب من المشهد السياسي.

وقال الشهودي، خلال حضوره ضمن برنامج حواري على قناة محلية مساء أمس "أنصح الغنوشي بالتنحي عن رئاسة الحزب واعتزال السياسة نهائياً، بعد استقالة عبد الفتاح مورو ورحيل الباجي قائد السبسي، لم يعد لك مكان، انسحب" .

كما شدّد على أنّه "لا مجال لانتخاب الغنوشي من جديد رئيساً للنهضة في مؤتمرها القادم"؛ لأنّ "الحزب ليس قائماً على شخص الغنوشي وهو قادر على الاستمرار بدونه"، مشيراً إلى أنّ الغنوشي عندما عاد من لندن وجد الحزب حاضراً وقائماً بذاته، ولم يتعرض مثل أبناء النهضة للاضطهاد، بحسب تعبيره. وقال إنّ "النهضة لها زعيم وليس الزعيم له النهضة".

زبير الشهودي: أنصح الغنوشي بالتنحي عن رئاسة الحزب واعتزال السياسة نهائياً

يذكر أنّ مسألة خلافة الغنوشي على رأس حركة النهضة، تعد من أبرز النقاط الخلافية داخل الحزب؛ حيث يدفع شقّ بالحركة باتجاه التجديد للغنوشي رغم أنّ القانون الداخلي للحزب يمنع ذلك، بينما يطالب الشقّ الآخر بضرورة تنحّيه وانسحابه وبعث دماء جديدة في قيادة الحزب.

وفي الفترة الأخيرة تعرض الغنوشي لموجة انتقادات برلمانية، وحملة للمطالبة بمساءلته، نجحت في تحديد جلسة برلمانية في الثالث من حزيران (يونيو) الجاري.

وأتت حملة الانتقادات تلك على خلفية تخطيه "صلاحياته الدستورية"، بحسب ما اتهمه عدد من النواب، على صعيد العلاقات الخارجية مع أطراف ددولية، لا سيما تركيا، كما وجهت له انتقادات وتساؤلات حول ثروته ومصادرها.

للمشاركة:

تقارير يونانية: رصد قطع بحرية تركية قرب ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

كشفت تقارير صحفية يونانية، عن رصد 6 فرقاطات تابعة للبحرية التركية وناقلة نفط، بين جزيرة كريت اليونانية وليبيا في منطقة مخصصة للتدريبات البحرية.

ووفقاً لصحيفة "كاثيميريني"، اليونانية؛ فإنّ عدد السفن العسكرية التركية في المنطقة يتجاوز سفن الاتحاد الأوروبي المشاركة في عملية "إيريني"، التي أعلن عنها الاتحاد الأوروبي في 31 آذار (مارس) الماضي، قبالة سواحل ليبيا.

وتهدف عملية "إيريني"، التي تعني "السلام" باللغة اليونانية، إلى فرض حظر الأسلحة الذي أقرّته الأمم المتحدة، وقد عبّرت أنقرة عن قلقها البالغ من تنفيذ الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي عملية "إيريني" للسيطرة على تهريب السلاح التركي إلى الميليشيات الإرهابية في ليبيا، وكذلك لمنع عمليات الاتجار بالبشر عبر البحر المتوسط، وهو ما يُساهم في تطويق مآرب تركيا التي اعتبرت العملية الأوروبية لا تتمتع بأرضية قانونية وتصب في صالح قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

كشفت صحيفة كاثيميريني اليونانية عن رصد 6 فرقاطات تابعة للبحرية التركية وناقلة نفط بين جزيرة كريت اليونانية وليبيا

وتُقدّم تركيا الدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني الليبية وميليشياتها المتشددة، ومقرها طرابلس، في صراعها مع الجيش الوطني الليبي.

وكان نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، وفي لهجة تصعيدية جديدة تستعجل الحصول على مكاسب النفط الليبي، شدّد على أنّ تركيا لن تسمح بغموض جديد في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وأنها تقوم بدورها بناء على طلب من الحكومة الليبية، بحسب موقع "أحوال" التركي.

كما أعلن وزير الطاقة التركي، فاتح دونماز، عن نية بلاده بدء عمليات التنقيب عن النفط داخل الحدود البحرية، التي تم تحديدها بموجب اتفاق غير مُعترف به دولياً مع حكومة الوفاق الليبية، في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر، مشيراً إلى أنّ سفينة التنقيب الجديدة "كانوني" ستبحر في البحر المتوسط للقيام بأول مهمة لها هذا العام.

يُذكر أنّه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وقعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية اتفاقية بحرية مثيرة للجدل، تتجاهل المياه الإقليمية لجزيرة قبرص المقسمة وعدد من الجزر اليونانية، وتمنح تركيا نفوذاً في شرق المتوسط.

للمشاركة:

إلى متى ستبقى أزمة أطفال تنظيم داعش تراوح مكانها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

تواصل الدول الغربية رفضها استعادة أبناء أعضاء تنظيم داعش من الأصول الأوروبية، في الوقت الذي يقبع فيه حوالي 900 طفل منهم في معسكرات اعتقال مليئة بالمرض في شمال شرق سوريا.

نيويورك تايمز: الدول الغربية تواصل رفضها استعادة أبناء أعضاء تنظيم داعش من الأصول الأوروبية

ولفتت صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أنه في الشهر الماضي، عندما كانت فتاة فرنسية تبلغ من العمر 7 أعوام على وشك الموت إذا لم تتلق رعاية طبية عاجلة، أرسلت فرنسا طائرة طبية نقلتها إلى باريس لتلقي العلاج، تاركة وراءها والدتها، وشقيقين وأخت.

وكانت إعادة الفتاة، هي الاستثناء النادر، لكنها دليل على قدرة البلدان على إعادة أطفالها عندما تريد، وفقاً للمدافعين على حقوق الإنسان.

وقالت الباحثة البارزة في مكافحة الإرهاب في "هيومن رايتس ووتش" ليتا تايلر: "عندما يتعلق الأمر بردود حكومات مثل فرنسا التي تتحدث عن حقوق الإنسان، أخرجت طفلة واحدة، فلماذا لا تأخذ الأسرة بأكملها؟".

وترى جماعات حقوق الإنسان أنّ ترك الأطفال في سوريا يهدد صحتهم العقلية والجسدية ويخاطر بتلقينهم أيديولوجيا تنظيم داعش، التي يتم اتباعها على نطاق واسع في المخيمات ويمكن أن تخلق جيلاً جديداً من الجهاديين العنيفين.

ويفتقر الأطفال إلى التعليم والرعاية الصحية الكافية، وغالباً ما يكون هناك نقص في الغذاء والمياه النظيفة، وتتفشى الأمراض المعدية وتقتل العشرات في الشهر، كما تتزايد المخاوف من الإصابة بفيروس كورونا، ولكن لم يتم تأكيد أي حالات لعدم وجود اختبارات، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، يعيش بعض الأطفال في المخيمات منذ أعوام، وتوفي 9 منهم، على الأقل، من أبوين أوروبيين لأسباب يمكن الوقاية منها خلال الفترة الماضية، وهناك بعض البلدان استرجعت أطفالها، فقد أعادت روسيا وكوسوفو وتركيا وأوزبكستان وكازاخستان أكثر من 100 امرأة وطفل لكل منهم، لكن معظم الحكومات الغربية كانت مترددة في ذلك، مشيرة إلى عقبات مثل صعوبة تأكيد الأبوة، وخطر إرسال دبلوماسيين إلى منطقة حرب وعدم الرغبة في فصل الأطفال عن أمهاتهم.

جماعات حقوق الإنسان: ترك أطفال داعش يهدد صحتهم العقلية والجسدية ويخاطر بتلقينهم أيديولوجيا التنظيم

وكان تنظيم داعش عندما استولى على أرض واسعة في العراق وسوريا في عام 2014، معلناً أنّها "خلافة إسلامية"، تدفق عشرات الآلاف من أتباعه من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العديد من الغربيين الذين أحضروا معهم أطفالًا أو أنجبوا بعد ذلك.

وتم اعتقال أولئك الذين نجوا من الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة ضد التنظيم الذي انتهى قبل أكثر من عام، وتم حبس الرجال في السجون المؤقتة والنساء والأطفال في المخيمات.

وبينما تثير إعادة البالغين إلى وطنهم أسئلة صعبة حول مدى إدانتهم وخطورتهم، قامت شبكة من النشطاء والمحامين والأقارب في أوروبا وأمريكا الشمالية بالضغط على الحكومات لإعادة الأطفال إلى منازلهم، بحجة أنهم لم يختاروا الذهاب إلى سوريا ويجب عليهم ألا يحملوا ذنب آبائهم.

وعلى الرغم من الصعوبات، أعادت 20 دولة بعض الأطفال إلى الوطن، كما أفاد مسؤول في الخارجية الأمريكية أن واشنطن كذلك أعادت 15 طفلاً لكنه لم يذكر عدد الأطفال المتبقين.

ودعت القوات الكردية التي تدير المخيمات إلى إعادة جميع الأجانب إلى بلادهم، بحجة أنهم لا يستطيعون احتجازهم إلى أجل غير مسمّى في منطقة غير مستقرة، لكن الحكومة الفرنسية تعتبر النساء اللواتي انضممن إلى "الدولة الإسلامية" مقاتلات يجب محاكمتهن حيث ارتكبن جرائمهن المزعومة، أي في سوريا أو العراق.

للمشاركة:



لماذا لا يمكننا أن نثق بالإخوان المسلمين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

علي قاسم

النائب البريطاني إيان بيزلي ليس الشخص الوحيد الذي وقف ضد شركة فيسبوك في قرارها تعيين الناشطة اليمنية توكل في مجلس حكمائها، وقال إنه قرار “لا يمكن تصديقه”. ولكنه قد يكون من أوائل السياسيين الذين احتجوا على القرار بناء على الانتماء الأيديولوجي لتوكل.

أن تكون ديمقراطيا، يجب أن تقبل الآخر المخالف، قد تبدو هذه بديهية يجب ألا نختلف حولها، إلا أنها بديهية ليست صحيحة دائما، على الأقل ليس في كل الظروف.

قبول الآخر المخالف يجب أن يكون مشروطا بمطلب بسيط وواضح لا لبس فيه، الآخر الذي نتحدث عنه يجب أن يقبل بنا ويحترم خياراتنا، طالما لم يمس بأذى.

قد نختلف حول مسائل تتعلق بالسياسة، وأخرى تتعلق بالاقتصاد، إلا أن الاختلاف ينتهي عندما يتعلق الأمر بقضايا إنسانية واجتماعية وكل ما يتعلق بالحرية الشخصية.

من حق حزب العمال البريطاني أن يشكك بحزب المحافظين، مثلا، في حال تعلق الأمر بسياسة الحكومة البريطانية في العراق أو سوريا. ومن حقه أن يخاصمه حول قضايا تتعلق بالضرائب أو النمو أو زيادة الرواتب، ولكن غير مسموح له بأن يفرض الحجاب على النساء، أو يمنع مصليا من التعبد، أو يتدخل بقائمة الطعام؛ يحلل كذا، ويحرم كذا.

القرار الذي نتحدث عنه هو تعيين فيسبوك مجلس رقابة يضم عشرين عضوا، وهو حسب الشركة نفسها هيئة مستقلة يحق لها إصدار أحكام على سياسات فيسبوك، والمساهمة في الإشراف على المحتوى، وسماع الطعون في القرارات الحالية.

الهيئة المستقلة، التي أطلق عليها البعض “المحكمة العليا” لفيسبوك، يحق لها إلغاء قرارات الشركة، بما في ذلك قرار الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ، بشأن ما إذا كان يجب السماح بحجب أنواع معينة من المحتوى على فيسبوك وإنستغرام.

وكان انتشار خبر تحدث عن نية فيسبوك إنشاء الهيئة، قد أثار جدلا كبيرا على أعلى المستويات، واعتبره حقوقيون بمثابة أن يكون المدعى عليه، في قضية جنائية، قادرا على اختيار المحكمة والقاضي وهيئة المحلفين.

“من اختار هؤلاء الأشخاص العشرين لهذا المنصب؟ إنها شركة فيسبوك وهذا ليس عدلا”.

ومن بين الذين أثار قرار زوكربيرغ  سخريتهم جون نوتون، مؤلف كتاب “من غوتنبرغ إلى زوكربيرغ: ما تحتاج إلى معرفته حقا عن الإنترنت”، الذي شبه الأمر كما لو أن شركة أكسون العملاقة قررت إنشاء “أعلى محكمة للبت في قراراتها بفتح أو إغلاق مصافي النفط ومستوى انبعاث ثاني أكسيد الكربون الذي ستسمح به”.

قرار الرئيس الأميركي ترامب، الخاص بتجريد مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وفيسبوك، من الحصانة القانونية التي تتمتع بها في ما يتعلق بالمحتوى والنشر، وتصريحاته بأن هذه المواقع “بات لديها نفوذ يجب مواجهته”.. جاءا أيضا بعد موجة الغضب العارمة التي أثارها تعيين توكل في مجلس حكماء فيسبوك.

هذه الهيئة المتخفية تحت ادعاءات كبيرة، ليست بالنسبة لنوتون أكثر من مجموعة من شخصيات “تدافع عن فيسبوك نفسه وليس عنا وعما نريد قوله، بل إن بعضهم بقبولهم الاشتراك في اللجنة قد التزموا بتأييد الغرور المفرط لزوكربيرغ حول الأهمية المركزية التي يحظى بها فيسبوك في العالم“.

القضية كما طرحها نوتون وحقوقيون معه تحتمل الجدل، قد نتفق مع ما ساقوه من قرائن وحجج، أو نتفق مع كثيرين رأوا في الهيئة أداة فعالة لحماية محتوى موقع فيسبوك وإنستغرام. الشيء الذي لا يقبل الجدل ولا يمكننا الاتفاق حوله هو تعيين توكل عضوا في الهيئة.

وقال منتقدون إن شركة فيسبوك بهذا التعيين تمنح تنظيم الإخوان المتطرف فرصة للسيطرة على محتواه. من لا يعرف توكل سيفاجأ بحجم الاحتجاج الذي أثاره تعيينها عضوا في المجلس، خاصة بعد الإطلاع على سيرتها الذاتية.

توكل، التي منحتها أنقرة الجنسية التركية، منذ سنوات، كانت عضوا بارزا في حزب التجمع اليمني للإصلاح، يعتبره البعض ذراعا سياسية لجماعة الإخوان المسلمين، ولا تزال آراؤها تعكس توجهات هذا الحزب.

ويسجل عليها أنها اتخذت مواقف داعمة للإخوان في مصر، ومناهضة للتحالف العربي في اليمن، وهو التحالف الذي يقاتل من أجل دعم الحكومة الشرعية للبلاد، لاستعادة السلطة من الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.

ومن أكثر ما يثير الجدل في مواقفها السياسية هو موقفها بعد اغتيال الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على أيدي ميليشيا الحوثي 4 ديسمبر 2017.

كتبت كرمان حينها على تويتر “نهاية مؤسفة للمخلوع علي صالح، ما كنا في الثورة السلمية نتمناها له على هذا النحو، لكن أحاطت به خطيئته وذاق وبال أمره”.

كنا نتوقع من حاملة لجائزة نوبل للسلام أن تندد بالاغتيال، فهو عمل خارج عن القانون وجريمة، إلا أن ميولها السياسية غلبت ادعاءاتها الحقوقية، فاختارت عبارة خشبية للشماتة بصالح، وهو فعل لا يصح أن يصدر عن شخص يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان.

تدعي توكل أن لا علاقة لها بالإخوان المسلمين، متوارية خلف سيرة ذاتية تقول إنها صحافية، وسياسية، وناشطة حقوقية يمنية، تقود منظمة “صحافيات بلا قيود” التي شاركت في تأسيسها عام 2005.

في عام 2011، أطلق عليها بعض اليمنيين اسم “المرأة الحديدية” و”أم الثورة”. شاركت في الحصول على جائزة نوبل للسلام لعام 2011، لتصبح أول يمنية، وأول امرأة عربية، وثاني امرأة مسلمة تفوز بجائزة نوبل، بالتقاسم مع الرئيسة الليبيرية، إلين جونسون سيرليف، والناشطة الليبيرية ليما غوبوي.

إذا كان زوكربيرغ ومستشاروه ضللوا بسيرة مثل هذه، ولم يربطوا بين توكل وميولها الأيديولوجية ومنحها الجنسية التركية، رغم أنها لم تتعرض للاعتقال سوى ساعات قليلة، حيث تم إيقافها يوم 23 يناير عام 2011 ليفرج عنها في اليوم التالي، فإن الدول التي اكتوت بنار الإخوان لن تضللها القائمة الطويلة، ومن بينها جائزة نوبل.

هل يمكن لشخص يعيش في ظل أردوغان المتهم عالميا بقمع المعارضة، أن يدافع عن حرية المحتوى ويقرر ما ينشر وما يحجب في الموقع الاجتماعي الأشهر، الذي بنى شهرته منذ البداية على حرية الرأي؟

أحزاب إسلامية عديدة، في دول عربية وإسلامية، اختارت أن تتوارى خلف أسماء تحجب حقيقة كونها جزءا من حركة الإخوان المسلمين، ودفعت إلى الصفوف الأمامية بقيادات تسوق للحرية والديمقراطية، بوصفها قناعا يسهل وصولها إلى الحكم.

ولكن ماذا بعد الوصول إلى الحكم؟ لدينا تجارب عديدة يمكن من خلالها تقديم إجابة، لن تكون حتما لصالح تلك الأحزاب، التي أجادت التمسكن، وما إن تمكنت حتى أظهرت مخالبها الحادة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فرض السيادة مصلحة حيوية، المخاوف فارغة، وانهيار السلطة فرصة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

معظم الحجج ضد فرض القانون في الغور، في طريق ايالون وفي كتل السامرة، بنيامين وعتصيون، هي مخاوف فارغة. الحجة المنطقية الاساس هي ان الوضع الحالي اكثر راحة لإسرائيل، لأنه واضح ان فرض القانون سيثير ردود فعل ستضر بإسرائيل، بهذا القدر أو ذاك. المحذرون يبالغون، واحيانا يزورون، ولكن لا شك أننا سنضطر للصراع ضد رام الله وحماس، اوروبا، الاردن، الامم المتحدة ولاهاي.
فما لنا والمشاكل إذن، حين تكون كل السيطرة في ايدينا؟ لأنه توجد لنا هنا مصلحة حيوية. «العالم» ردعنا، ولكن حتى دون دعم ترامب، ما كان يمكننا أن نؤجل الى الابد فرض القانون (صحيح أنه دون ترامب سندفع أثمانا باهظة). اسرائيل ملزمة بأن تفصل بريا بين الفلسطينيين الذين في الضفة وبين العالم العربي، وان تثبت بالنص هذا الفصل بشكل يقتلع كل فرضية بأن يكون قابلا للارتداد.
ترى الحركة الوطنية الفلسطينية في العالم العربي جبهة داخلية تخدمها في مواصلة المعركة التاريخية لإلغاء تقرير المصير لليهود. استراتيجيتها هدامة: تطوير هجرة ستنتقل بالتدريج الى اسرائيل وتهز داخليا طابعها اليهودي. لا يوجد سبيل آخر لهم رفضهم الرمزي (عدم الاعتراف بالدولة القومية اليهودية في بلاد إسرائيل) والعملي منذ اكثر من ربع قرن بعد اتفاقات اوسلو. من هنا تنبع مصلحتنا المضادة: احباط خطتهم الديمغرافية، التي تعتمد على الاغلبية العربية المطلقة في المنطقة، من خلال تطوير الهجرة والولادة، منع الهجرة العربية من محيطنا الى بلاد اسرائيل الغربية كلها والتثبيت الديمغرافي والقانوني في اسرائيل في حدود واضحة على نهر الاردن. وعليه فإن اسرائيل ملزمة بأن تستوطن وتعظم اجتماعيا واقتصاديا المحاور الثلاثة المهمة الى الغور: محور العفولة – بيسان وجنوبا، محور رأس العين – ارئيل وشرقا ومحور القدس - البحر الميت عبر «معاليه ادوميم». ان فرض القانون في الغور، في هذه المحاور وفي الكتل الاستيطانية الى جانبها هو شرط حيوي لسيطرة اسرائيلية لا نزاع فيها في الحدود الامنية على نهر الاردن. وحده فرض القانون سيسمح بشق طرق وسكك حديد والتنمية في هذه المجالات الحيوية بكل قوة دولة اسرائيل ومؤسساتها.
كل هذا ضروري ليس فقط لإحباط الرؤيا المغرضة لخلفاء ياسر عرفات وامين الحسيني، من أجل استبدالها برؤيا تنمية، بل ايضا من اجل فتح فتحة للسلام مع الفلسطينيين. لا يوجد اي احتمال للسلام، طالما كان الوضع الجغرافي – الاستراتيجي والديمغرافي يسمح لهم بمواصلة الاحلام الهدامة حتى وان كانت بعيدة. وستطهر الاجواء من كوابيس كهذه مع فرض القانون – بما في ذلك بالطبع منح المواطنة لكل السكان في الاماكن التي يفرض عليها القانون – وعندها ستتاح تسويات سياسية اردنية – فلسطينية.
ان الدولة الفلسطينية ليست قابلة للعيش حتى في كامل الارض التي كانت تسمى ذات مرة «الضفة الغربية». فكل غايتها ستكون الضعضعة الديمغرافية لدولة اسرائيل، من خلال الارهاب والهجرة عبرها الى داخل اسرائيل، وبعد ذلك اثارة تمرد الفلسطينيين في الاردن. ان فرض القانون سيضع سكان «الضفة الغربية»، امام الخيار: إما الاكتفاء بمواطنة في «دولة ناقص»، كما يقول نتنياهو، او الارتباط بالاردن، الذي يرتبط معظم سكانه معهم بعلاقات عائلية، عشائرية وقومية متفرعة وعميقة. هذا شأنهم. ليست اسرائيل هي التي تقرر. ولكن من الحيوي ان تقرر اسرائيل حدود الخيار الفلسطيني: اسرائيل سترسم الحدود. وهي سترفض توطين من هم خارج هذه الحدود. وهي ستمنع بحزم هجرة عربية الى بلاد اسرائيل الغربية كلها (ما سيفترض ترتيبا قانونيا!). ان مجرد وجود الأردن، الذي معظم سكانه فلسطينيون، يسحب الارضية من طلب افتراضي ان توطن اسرائيل سكان الضفة: مفتوحة الطريق امامهم للارتباط بالاردن، وهو افضل بكثير من السلطة الفاسدة والوحشية التي اقامتها هنا «م.ت.ف» انهيار محتمل للسلطة ليس تهديدا، بل العكس.
وبالتالي، فإنه من كل التخويفات من فرض القانون، فتلك التي تبدو ثابتة اكثر تتعلق بالاردن. ولكنها لا ترجح الكفة. المملكة تخاف اكثر من دولة فلسطينية مهزوزة ومتآمرة على ضفة الاردن، وهي تخاف من ارهاب سني ومن تآمر ايراني من سورية ومن العراق. فهل ستخاطر بشرخ مع اسرائيل، شريكتها امام كل هذه تلك التي توفر لها الماء والغاز. يحتمل أن يقف الاردن ضد اسرائيل، كي يرضي رعاياه الفلسطينيين وخوفا من ان تتجه وتهزها مسألة المكانة السياسية للضفة الغربية. ولكن عدم استقراره هو ظاهرة دائمة، سواء فرضنا القانون أم لا، وهذا بالذات سبب وجيه لأن نثبت انفسنا على ضفة نهر الاردن.

مصدر الترجمة عن العبرية: آفي بارايلي - "إسرائيل اليوم"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

عن المشهد الليبي والموقف الأممي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-01

إميل أمين

ما الذي يجري على الأراضي الليبيّة في الأسابيع الأخيرة؟ هل هو فصل جديد من فصول المؤامرة الدوليّة كما يؤمن البعض أم أنه تطوُّر طبيعي لحالة تجمع ما بين التخاذل الأمميّ والانشغال الكونيّ، لا سيّما بسبب الجائحة الكبرى كوفيد-19؟

غالبًا الجواب هو مزيج من الأمرين معًا، لا سيّما وأن الجرح الليبيّ مفتوح في الجسد العربيّ والمتوسّطي منذ عقد تقريبًا، ومن غير طبيب نطاسي قادر على أن يصف الدواء، رغم سهولة تشخيص الداء.

داء ليبيا الأكبر يتمثّل في أجندة صُنّاع ورُعاة الإرهاب الأصوليّ الذي طُرِدَ في يونيو 2013 من الباب المصريّ، وها هم يحاولون من جديد القفز مرّة أخرى إلى المنطقة عبر الشبَّاك الليبيّ، علّهم يدركون ما قد فاتهم، ويعيدون تكرار المشهد من غير أن يصل إلى أسماعهم ما قاله كارل ماركس ذات مرّة من أن التاريخ لا يعيد نفسه ذلك أنه لو فعلها لأضحى في المرة الأولى مأساة وفي الثانية ملهاة.

عدّة أسئلة تستحقّ التوقّف أمامها والتفكّر في إجابات شافية وافيه لها، تبدأ من عند الأمل الضائع في أن يلتئم شمل الليبيّين على كلمة سواء، وهل فات الميعاد؟

أغلب الظنّ أن الجواب نعم، لا فائدة تُرجَى من توحيد جهود الليبيّين، وهذه حقيقة صادمة، فالشقاق والفراق بينهما ليس أيديولوجيًّا  يقبل فلسفة المؤامرات، بل صراع مع رؤى ذات ملمح وملمس دوجمائيّ، ولو منحولاً، وهي الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني، يرى أصحابه أنّهم يملكون الحقيقة المطلقة، ويحتكمون على سلطة المنح والمنع الإلهيّة، وهذه هي الكارثة وليست الحادثة.

هل ترك صُنّاع الإرهاب الأصليّون المشهدَ الليبيّ على هذا النحو عمدًا ليجدوا لهم موطئ قدم لإكمال سيناريوهات قائمة وقادمة منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟

مؤكد أن في الأمر سرًّا، وإن كان مكشوفًا من الجميع ، سرَّ جماعات الإسلام السياسيّ التي يتمّ التلاعب بها من قِبَل كيانات دوليّة منذ خمسينات القرن العشرين وحتى الساعة، وهذه قضيّة أخرى، وإن كانت موصولة بالصراع الدائر على الأراضي الليبيّة.

قبل بضعة أيّام تحدّث وزير خارجية فرنسا "جان إيف لودريان" عن تحوّل ليبيا إلى سوريا أخرى، ومحذِّرًا من التدهور السريع للأوضاع هناك، وبما يفيد نشوء وارتقاء مستنقع آخر على شاطئ المتوسط، قريب من أوربا من جهة، ويمثّل نقطة انطلاق كارثيّة في الجسد الأفريقي من جهة ثانية، والسؤال: لماذا؟ وما العمل؟

باختصار غير مخلّ، تنحو ليبيا اليوم لأن تصبح أرض معارك بالوكالة بين الشرق والغرب، وكأننا نعود من جديد إلى زمن الحرب الباردة، ومن غير المصدّق أن يعيد النظر إلى صور الأقمار الاصطناعية الأمريكية للطائرات الروسية المتقدّمة  على الأراضي الليبيّة، أو ما تقول إنها كذلك، وهو أمر يسير على الأمريكيّين تحديده حتى ولو أزال الروس العلامات الخاصّة بهم من عليها.

هل هذا ما قصده "لودريان" بقوله إن ليبيا مستنق سوريّ آخر؟

في واقع الأمر نحن أمام ثلاثة مشاهد متّصلة بالمأساة السيزيفيّة الليبيّة، التركيّ، والأوربيّ، والأمريكي، أما المشهد الروسي فله وضعه الخاصّ.

تركيا، باختصار غير مخلّ، تعيش مرحلة الأوهام الإمبراطوريّ، وتحاول إحياء إمبراطوريّتها الظلاميّة الغابرة، وهو ما أخفقتْ فيه في سوريا ، ولا يزال يصر الأغا الموتور على تنفيذه في ليبيا، لا سيّما وأنه بالقرب من أراضيها هناك جائزة كبرى من النفط والغاز، يريد العثمانلي أن يبسط هيمنته عليها.

يعزف أردوغان الذي تشير التقارير الطبية إلى أنه يعاني من حالة صرع من جراء مرض خبيث في المعدة، في مراحله الأخيرة، على أوتار الخلافة الإسلاميّة، وليتها كانت الخلافة الرشيدة، بل خلافة القاعدة وداعش، وبقيّة عرائس المسرح التي تحرّكها القوى الماورائيّة، وتجعل منها أبطالاً من كارتون على مسرح دامٍ يدفع الليبيّون ثمن العرض صباح مساء كلّ يوم من دمائهم وثروات بلادهم.

المثير في المشهد أنه يجري على مرأى ومسمع من أوربّا، تلك التي باتت عجوزًا جدًّا إلى الدرجة التي يبدو معها وكأن أردوغان يبتزّها ومن غير مقدرة على أن تدافع عن مصالحها، بل إن بعض دولها مثل إيطاليا التي تدعم الوفاق والسرّاج، تتغاضى عن الإرهابيّين الذي حطّوا برحالهم من سوريا إليها مباشرة ليعيثوا فيها فسادًا.

هل باتت أوربا عاجزة عن لَجْم أردوغان أم أنّها تلعب على الحبلين، الأمر الذي يمكن أن يؤدّي في نهاية الأمر إلى خسائر محقّقة لها، وبخاصة إذا استمرّ التوسُّع الإرهابيّ التركيّ على الاراضي الليبيّة.

البُعد الثالث هو الموقف الأمريكيّ، والذي يصيب المتابع المحقِّق والمدقّق بصداع كبير في الرأس من جرّاء التغيُّرات والتقلبات، فلم نعد ندري مع أيّ صفٍّ واشنطن  ، وهل رأي البيت الأبيض هو نفس توجّه الخارجيّة، وما إذا كان الاثنان يتّسقان مع رؤى جنرالات البنتاجون أم أنه لا توجد رؤية أمريكية من الأصل؟

الشاهد أنّ صور الطائرات الروسية الأخيرة تبين لنا أن هناك في الداخل الأمريكي مَنْ يرفض أن تكون لروسيا سيطرة أو سطوة، وهذا ما يمكن للمرء أن يتفهّمه في ضوء التنافس الجيوسياسيّ على الأرض بشكل واضح.

أما الغير مفهوم فهو موقف أو مواقف على الأصح واشنطن من دعم الوفاق كلّما اقترب المشير حفتر من الإطباق على الإرهاب في الغرب الليبيّ، وكأنهم يريدون أن لا يخرج من المعركة فائزٌ أو مهزوم، وأن يظلّ المشهد على هذا النحو مرّة وإلى أن تتحقّق أغراض غير مرئيّة.

روسيا التي قبلت المهانة حين تدخَّلَ الناتو لإسقاط القذافي وخسرت الكثير من نقاط ارتكازها على المتوسط، من الواضح أنها لن تسمح بتكرار الخطأ، ولديها حساباتها الكبرى.

السؤال الآن: أين العالم العربيّ؟

مؤكّد أن هناك بقيّة باقية من إرادة عربية قادرة على استنقاذ ليبيا والليبيّين، ومن غير رهانات خاسرة على أطراف أمميّة كل منها يسعى إلى  تحقيق مصالحه من غير مراعاة لصالح ليبيا أو الليبيّين.

في بعض الأحايين تكون هناك حاجة لمبضع جرّاح ماهر وبصورة سريعة لإنقاذ حياة المريض، وربّما تسبّبت كورونا في تأخير عمليّة الإنقاذ، لكنّ الطرح يجب أن يكون نصب أعين العرب.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية