حين يتساءلون: أليست الصهيونية فشلاً؟

حين يتساءلون: أليست الصهيونية فشلاً؟

مشاهدة

10/12/2018

كتب ذات يوم ناحوم بريناع في (يديعوت أحرونوت) مقالاً تحت عنوان (المشكلة ليست أولمرت .. ولكن مستقبل ما نسميه الشعب اليهودي) قال في مفتتحه: ''لا أحد يشك بحق الفلسطينيين في دولة، أما اليهود فيشكون بمستقبلهم'' وذكر أنّ الناس بعد (110) أعوام من المؤتمر الصهيوني الأول ابتدأت تسأل نفسها أليست الصهيونية فشلاً؟ وأورد قصة مفادها أنّ صديقه الكاتب الأمريكي دانييل غوردس، وهو يعمل في (صندوق ماندل) الذي يتبرع للعمل الاجتماعي في إسرائيل، سأله الطبيب ماذا تعمل، فأجاب كاتب، فسأله عن ماذا تكتب؟ قال: عن مستقبل إسرائيل، قال الطبيب: أنت إذاً تكتب قصصا قصيرة.

اقرأ أيضاً: هل هناك أسطورة أكبر من وجود دولة إسرائيل؟

الفكرة أنّ إسرائيل اليوم تعيش حالة من عدم التوازن، وفوضى الأفكار لما يعصف بها من داخلها من قلق حيال كثير من القضايا والأحداث وليس أولها أو آخرها الحرب على غزة، وفشلها العسكري والسياسي فيها، إضافة إلى تنامي الأزمات الداخلية فيها من فساد، سواءً أكان أخلاقياً أم إدارياً ومالياً، كل ذلك شكل عوامل محبطة للمجتمع الإسرائيلي داخل إسرائيل وخارجها أيضاً.

دراسات واستطلاعات رأي سابقة في إسرائيل أكدت أنّ (63%) من اليهود يعيشون بإرادتهم خارج إسرائيل

إذا كانت مقولة هزيمة أمريكا تأتي من داخلها قد لا تؤشر بدقة إلى حدود هذه الهزيمة، فإنها في إسرائيل أقرب إلى ذلك، فالإسرائيليون (المواطنون والمجتمع) أصبحوا أكثر شعوراً بسقوط نظرية الأمن الإسرائيلي وتآكل البنية الداخلية أصبح واضحاً، ولعلّ الأرقام والنسب الإحصائية أكثر صدقاً من أي حديث إنشائي حول هذا الأمر .

في دراسات واستطلاعات رأي سابقة من إسرائيل نفسها بدا واضحاً أنّ (63%) من اليهود يعيشون (بإرادتهم) خارج إسرائيل، والصحيفة الأولى في إسرائيل (يديعوت احرنوت) نشرت ذات يوم أنّ (57%) من الإسرائيليين باتوا يعيشون حالات من القلق على المستقبل والمصير وعلى وجود دولة إسرائيل، وأنّ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تقدم شيئاً بالنسبة للإسرائيليين فيما يتعلق بالشعور بالأمن وتحقيق السلام.

اقرأ أيضاً: آثار نابلس في مهب السرقة الإسرائيلية

هذه الأرقام تشكل في حقيقتها ودلالاتها حديث المجتمع المدني الإسرائيلي وآراء الإسرائيليين وأفكارهم حيال سائر القضايا المتعلقة بأمنهم ومستقبلهم ومستقبل دولتهم ونهج سياسييهم وزعاماتهم، أما حديث النخب السياسية والفكرية فهي أيضاً تشير بوضوح لمستوى عال من القلق على المصير والوجود.

الدكتور باروخ ليشم كان ناطقاً سابقاً باسم الشرطة في إسرائيل كتب تحت عنوان (الجريمة المنظمة حولت إسرائيل إلى جمهورية موز) والعنوان يكفي .

إسرائيل تعيش حالة من عدم التوازن، وفوضى الأفكار لما يعصف بها من قلق حيال كثير من القضايا والأحداث

أسطورة الجيش الذي لا يقهر الذي تأسس بإعلان رئيس الوزراء ووزير الجيش الإسرائيلي ديفيد بن غوريون آنذاك في أيار (مايو) 1948، بعيد 12 يوماً فقط من إعلان تأسيس دولة إسرائيل، عاد الحديث عنها مجدداً حين أسقط صاروخ سوري مقاتلة إسرائيلية، إذ بدا الأمر وكأنها مخاوف على التفوق الإسرائيلي وأسطورة جيشه، فقال موقع "the times of Israel" "هذا تحذير (بأنه) لا يوجد نظام عسكري مثالي لا يمكن هزيمته".

أيضاً، موشيه يعلون، وهو وزير دفاع سابق قال عن إسرائيل في 2017: "نحن أمام ثالث رئيس حكومة في إسرائيل يحقق معه في قضايا فساد، تبدو إسرائيل دولة فاسدة".

كل ذلك يعني أنّ القلق حقيقي والخوف واقعي تماماً، وأنّ استهلاك مقولات من نوع "إسرائيل حقيقة راسخة لا تتغيّر"، و"مستقبل ليس فيه إسرائيل هو وهم عربي"، هو الوهم الحقيقي.

اقرأ أيضاً: سيناء معضلة سياسية ومأزق أمني لإسرائيل

وليس آخراً، ففي احتفالات إسرائيل بالاستقلال الـ70، عمدت صحيفة (يديعوت أحرونوت) إلى محاولة تعكير الأجواء الاحتفالية بقليل أو كثير من القلق، حين جمعت ستة رؤساء سابقين للموساد ليتحدثوا عن خوفهم على مستقبل الدولة، يقول مثلاً أحدهم وهو شابتاي شافيت (78 عاماً): "كأفراد في أجهزة الاستخبارات، فإنّ أهم قدراتنا هي توقع وتنبؤ المستقبل، لذا أسأل نفسي أي بلد أتركه لأحفادي؟ لا أستطيع إعطاء إجابة".

وقال تسفي زمير الذي يبلغ من العمر ثلاثة وتسعين عاماً: "أشعر بالقلق بشأن المستقبل: بعد كل شيء، سيذهب نتنياهو يوماً ما، بماذا سيتركنا؟". وصاحب الثمانية والثمانين عاماً، ناحوم أدموني ذهب إلى حديث يبدو أكثر قلقاً من الفساد السلطوي والسياسي، إنه يقترب من انقسامات المجتمع الإسرائيلي، قائلاً إنّ "الشرخ بين المتدينين والعلمانيين والشرقيين والأشكناز، والمتواصل لعدة أعوام وحتى الآن، لم يتم إغلاقه وتقليصه فحسب، بل إنه ينمو ويتسع يومياً".

أسطورة الجيش الذي لا يقهر تأسس بإعلان رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون في أيار 1948 بعيد 12 يوماً فقط من إعلان تأسيس دولة إسرائيل

السؤال الأخير، وما الفكرة من كل ذلك، إنهم خائفون أو قلقون، وليكن، باعتبارها دولة احتلال وشر، كما يقول البعض، ولكي نختصر الجواب، إنهم يعلمون أنّ الطريق إلى المستقبل غالباً ما يمر من خلال الخوف أو القلق عليه، إنهم يصنعون المستقبل إذاً، بعيداً عن أحاديث نهايات الزمان وزوال دولتهم، فيما نحن العرب، كما يقول جبران، ما بالنا نتجادل في مستقبلنا، فيما نحن لا نعرف ما نحن عليه اليوم.

إنهم "يعلمون ما هو حقيقي لكي يفعلوا ما هو صحيح".. ويبدو ما هو صحيح أيضاً أنه كما قيل "إذا كنت قلقاً فأنت تعيش في المستقبل"، دعونا نتمنى سلطات وحكومات قلقة جداً.

الصفحة الرئيسية